اسماعيل الحلوتي

كثيرة ومتنوعة هي الفضائح التي يعج بها مجتمعنا المغربي، منها ما هو أخلاقي وما هو اجتماعي ومالي وسياسي وغيره. لكن هناك من هذه الفضائح ما يمكن لأحداثها أن تخلف ندوبا عميقة في الذاكرة، يصعب علاجها والتخلص من آثارها، وهناك كذلك ما يمر منها مرور الكرام دون أن تثير اهتمام الرأي العام، ولاسيما منها تلك التي تتضاعف جهود البعض من أجل طمسها وعدم تسليط الأضواء عليها بالقدر الكافي في وسائل الإعلام…

والفضيحة أشكال وألوان وهي بصفة عامة وفي أبسط تعريفاتها كل فعل مشين ومؤذ، يمس بأخلاقيات المجتمع ومعتقداته ويسيء إلى صورته وصورة أفراده، حتى وإن كان ذلك التجاوز الأخلاقي كثيرا ما يبقى مسألة نسبية تخضع لتغيرات المكان والزمان. ويراها أحد الأخصائيين في علم النفس السلوكي بأنها: “انكشاف المساوئ وإشهارها والإعلان عنها أمام الناس، مما يجلب الخزي والعار ويخدش الحياء والوقار، فضلا عن إيذاء المفاهيم والقيم الأخلاقية النبيلة والعامة للمجتمع…”

بيد أن فضيحة اليوم هي غير ذلك على الإطلاق، فهي تختلف كثيرا وإلى أبعد حد عن باقي الفضائح السائدة بجميع أصنافها، لأن أبطالها ليسوا سوى تلاميذ في عمر الزهور وقد تساهم تداعياتها لا محالة في التأثير على تحصيلهم الدراسي وتدمير مستقبلهم، ما لم تكن هناك مواكبة نفسية لهم من قبل أطباء أخصائيين في علم النفس…

ذلك أنه إذا كانت الفضيحة المجلجلة التي عرفت بفضيحة “حلوى البرلمان” التي تجاوزت أصداؤها الحدود المغربية ووصلت تفاصيلها إلى وسائل الإعلام الأجنبية، والمتمثلة في إقدام عدد من ممثلي الأمة على “سرقة” كميات كبيرة من مختلف أشكال الحلويات الفاخرة واللذيذة، التي قدمت لهم بمناسبة افتتاح الدورة التشريعية للبرلمان من طرف الملك محمد السادس يوم الجمعة 15 أكتوبر 2018 وخروجهم من الباب الخلفي سالمين غانمين، دون أن تطالهم أي محاسبة أو متابعة قضائية، بالرغم مما خلفته تلك الفضيحة من جدل واسع وردود فعل غاضبة عبر صفحات التواصل الاجتماعي، ومختلف وسائل الإعلام الورقية والإلكترونية.

فإن من بين الفضائح المثيرة والمستفزة هي تلك التي كانت مجموعة مدارس “أولاد بوكرين” بالجماعة القروية “المربوح” مسرحا لها، من خلال مثول أربعة من تلامذتها تتراوح أعمارهم ما بين 11 و12 سنة يتابعون دراستهم بالمستوى السادس أساسي مرفوقين بأولياء أمورهم يوم الأحد 8 ماي 2022 أمام الضابطة القضائية للدرك الملكي، للاشتباه في تورطهم في سرقة قطع من “البسكويت” وحفنة تمر من مطعم المؤسسة، وفق ما جاءت به الشكاية التي تقدمت بها رئيستها. حيث حررت في حقهم محاضر استماع رسمية تحت نوبة من البكاء المفرط جراء الشعور بالخوف الشديد الذي انتابهم أثناء البحث معهم، لتتدخل فيما بعد المديرية الإقليمية لوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة بإقليم قلعة السراغنة ملتمسة الإفراج عنهم، مراعاة لظروفهم النفسية المنهارة، وإثر التزام آبائهم بعدم تكرار مثل هذه التصرفات المنافية للأخلاق، والحرص على تتبع خطواتهم بالمراقبة والتقويم واحترام القانون…

وجدير بالذكر أنها ليست المرة الأولى التي تحدث فيها مثل هذه “الفضيحة” بمدارسنا التعليمية، ففي واقعة مماثلة يمكن إدراجها في خانة “شغب الأطفال”، سبق لمدير مجموعة مدارس سيدي بوزيد الركراكي بإقليم شيشاوة، أن تسبب في اقتياد ستة تلاميذ قاصرين نحو مخفر الدرك الملكي بتهمة سرقة علبة طباشير، وهي الواقعة التي أثارت حفيظة فعاليات حقوقية وتربوية بالمنطقة، التي سارعت إلى الاستنكار والتنديد بمثل هذا الأسلوب اللاتربوي، الذي من شأنه إرهاب متعلمين صغار، لا ذنب لهم عدا أن “شقاوتهم” الطفولية ساقتهم إلى اقتراف مثل هذا السلوك المعزول والمرفوض، الذي يمكن تقويمه بأبسط الطرق التربوية السليمة دون تشهير وإقحام سلطات إنفاذ القانون في الموضوع، تفاديا لما يمكن أن يترتب عنه من انعكاسات نفسية واجتماعية بليغة على أولئك الأطفال ومحيطهم الاجتماعي ومسارهم الدراسي.

من هنا وانطلاقا من هاتين “الفضيحتين” اللتين تظلان مجرد فيض من غيض مما تعرفه مؤسساتنا التعليمية من سوء التدبير، يتضح جليا أننا مازلنا بعيدين سنوات كثيرة عن الارتقاء بمنظومتنا التربوية والتعليمية، في ظل الاستمرار في إناطة مسؤولية الإدارة والتسيير بغير مستحقيها من الذين تتوفر فيهم شروط الكفاءة والحكامة الجيدة والتبصر وعدم الاستعجال في اتخاذ القرارات المصيرية. أليس من العبث وانعدام الحس الإنساني جر تلاميذ صغار إلى مراكز الدرك الملكي لأشياء “تافهة”، دون الأخذ بعين الاعتبار ظروفهم النفسية والاجتماعية وما يعانون من فقر وحرمان؟ ألا يعلم هؤلاء “المسؤولين” أن المدرسة تأتي في المرتبة الثانية بعد الأسرة في القيام بالتنشئة الاجتماعية للأطفال والأجيال، من حيث إعدادهم روحيا ومعرفيا وسلوكيا وبدنيا وأخلاقيا؟ ثم ألم يكن كافيا مثلا عرضهم على مجلس تأديبي مصغر بحضور أولياء أمورهم، ولاسيما أنهم لم يعبثوا بأثاث المدرسة أو يسرقوا أجهز تعليمية ذات قيمة مالية عالية، بدل الزج بهم ضمن صفوف “الجانحين”؟

إننا نأسف حقا لجر تلاميذ قاصرين إلى مراكز الدرك الملكي وغيره من قبل من يفترض فيهم حمايتهم، وهي فضيحة تربوية وأخلاقية ولا إنسانية، تؤكد لنا مرة أخرى أننا أمام أشخاص بعقليات تسلطية وغير جديرين بتحمل المسؤولية في قطاع استراتيجي يعتبر قاطرة التنمية. مما يقتضي إعادة النظر في المعايير المعتمدة في عملية انتقاء مديري المؤسسات التعليمية وإخضاعهم لتكوين بيداغوجي دقيق ومعمق…

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.