عيش صيادلة المغرب وتنظيماتهم المهنية في الوقت الراهن حالة استنفار قصوى قبيل مناقشة البرلمان مشروع قانون يهدف إلى تحديث الإطار القانوني الذي ينظّم مزاولة المهنة، في وقت يتخبّط فيه القطاع في مشكلات عدّة تضع ثلث صيدليات البلاد على حافة الإفلاس.

بحسب رئيس الهيئة الوطنية للصيادلة، حمزة أكديرة، فإنّ “المهنة باتت عاجزة عن توفير أدنى مقوّمات العيش الكريم للمنتسبين إليها ولأسرهم، فأفلس صيادلة كثر والقائمة مفتوحة، الأمر الذي خلق جوّاً من الاحتقان في داخل الأوساط المهنية، فظهرت صراعات وخلافات بين أبناء المهنة، في حين تلمّست فئة مهمّة أسباب الرزق خارج الوطن”. يضيف أكديرة أنّ هذا ما يدفع إلى سؤال القائمين على شؤون البلاد حول “هجرة الأدمغة، هذا النزيف الذي يضرب المقدّرات البشرية للأمّة”.

من جهته، يرى رئيس كونفدرالية نقابات صيادلة المغرب، محمد لحبابي، أنّ “وجود قانون متجاوز للهيئة الوطنية للصيادلة، جعل المهنة في حالة فوضى أثّرت اقتصادياً عليهم”. ويقول لـ”العربي الجديد” إنّ “القطاع يتخبّط في مشكلات جلّها تنظيمي، يصبّ فيها ما هو اقتصادي من جرّاء عدم حلّ المشكلات القديمة المتراكمة عبر السنين”، لافتاً إلى “استمرار تجميد مجالس الصيادلة، وعدم التطلّع إلى تجارب الدول المتطوّرة والمجاورة الناجحة ومحاكاتها في إشراك الصيدلاني في تطوير المنظومة الصحية بالبلاد”.

ويوضح أكديرة أنّ “ثمّة معاناة حقيقية في داخل القطاع لأسباب عدّة، مثل ثقل الضرائب والمنافسة غير القانونية والتطاول على المهنة وعدم احترام المسلك القانوني للدواء وغياب إجراءات مواكبة سياسة تخفيض سعر الدواء وتضخّم أعداد خرّيجي الصيدلة وعجز السوق الوطني عن استيعابهم”. ويحكي أكديرة عن “أسعار الأدوية المجمّدة. فقد عمدت وزارة الصحة في عام 2010 إلى تخفيض ثمن ثلاثة آلاف نوع من الأدوية”، مشيراً إلى أنّ “التخفيض الذي طاول أسعار الأدوية باهظة الثمن مثل تلك الخاصة بالسرطان كان مبرراً، بخلاف تخفيض أسعار باقي الأدوية الذي لم يخضع لدراسة، سواء أكان ذلك لجهة سبب التخفيض أو تداعياته المحتملة”.

وفي حين تمضي وزارة الصحة في تخفيض أسعار الأدوية الأصلية منها أو الجنيسة، يحذّر أكديرة من أنّ “لذلك التخفيض عواقب فظيعة وتداعيات، لعلّ أبرزها اختفاء الأدوية ذات المردود الضعيف من الصيدليات، بسبب إحجام المختبرات الصيدلانية عن إنتاج الأدوية ذات هامش الربح الضيّق”.

ويلفت أكديرة إلى أنّ “القيمة المالية لاستهلاك الدواء في المغرب لا تتعدّى 400 درهم مغربي (نحو 40 دولاراً أميركياً) سنوياً، وهو من أدنى معدّلات استهلاك الدواء على الصعيد العالمي”، شارحاً أنّ “تجاوز المشكلة وشكوى المستهلكين من ارتفاع أسعار الأدوية والمطالبة بتخفيضها من جهة، وشكوى الصيادلة من ضيق هامش الربح وإحجام الوحدات الصناعية عن إنتاج الأدوية ذات السعر المخفّض، يكمن في التغطية الصحية الشاملة لجميع الأدوية”.

تجدر الإشارة إلى أنّ رقم معاملات سوق الأدوية في المغرب يُقدَّر بنحو 12 مليار درهم (نحو مليار و200 مليون دولار)، وهو “رقم معاملات محدود” وفق أكديرة الذي يفصّل أنّ ثلاثة مليارات درهم (نحو 301 مليون دولار) منها تذهب إلى القطاع العام (مقتنيات المستشفيات العمومية وغيرها من المؤسسات الصحية التابعة للدولة)، في حين يقتسم القطاع الخاص تسعة مليارات درهم (نحو 903 ملايين دولار)، ولا يتعدّى مدخول بعض الصيادلة أربعة آلاف درهم (نحو 400 دولار) شهرياً.

ويتحدّث أكديرة عن سبب آخر من الأسباب التي أثّرت سلباً على الصيدليات، وهو يتعلق بـ”بيع الأدوية من قبل جهات لا علاقة لها بمجال الصيدلة مثل المصحات الخاصة. وعلى الرغم من أنّ القانون يفرض على تلك المصحات ألا تبيع سوى الأدوية التي يحتاج إليها المريض في أثناء مدّة علاجه في داخلها، فإنّ تلك المصحات تعمد إلى بيع المرضى أدوية يستخدمونها في بيوتهم”.

كذلك يتناول أكديرة “فوضى سوق الدواء في المغرب، التي تظهر من خلال البيع في السوق السوداء إلى جانب أمور أخرى. فعلى الرغم من أنّ المغرب وقّع اتفاقية مديكرايم العالمية التي تنصّ على أنّ كل دواء يُصرَف لمريض لا بدّ من أن يسلك مسلكه الطبيعي، وهو المرور من المختبر إلى شركة التوزيع ثمّ الصيدلية، وهو ما لا يُطبّق في المغرب”.

وإلى جانب ذلك، يسلّط أكديرة الضوء على “عامل آخر يفاقم أزمة الصيادلة المغاربة، كما هي حال باقي الصيادلة في العالم، وهو انتشار الأدوية المزوّرة”، شارحاً أنّ “نسبة هذه الأدوية في السوق العالمية تصل إلى 10 في المائة، وتتراوح في أفريقيا ما بين 30 و50 في المائة”.

العربي الجديد

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.