احتجت إسبانيا أواخر نوفمبر المنصرم، على المغرب بسبب إقامته مزرعة لتربية الأسماك، قبالة الجزر الجعفرية الخاضعة لسيادة مدريد.
وأفادت تقارير إعلامية إسبانية، في 25 نوفمبر الماضي، بأن مدريد سلّمت مذكرة احتجاج إلى السفارة المغربية؛ بسبب إقامة مزرعة لتربية الأسماك في المياه التابعة للجزر الجعفرية. 

ويأتي الموقف الإسباني بسبب إقامة المغرب مزرعة لتربية الأسماك في المياه القريبة من سواحل البلاد الشمالية، حيث تخضع الجزر للسيادة الإسبانية، فيما تعتبرها الرباط جزرا محتلة.
واختلفت آراء محللين مغاربة بين من يعتبر أن الإعلام الإسباني يهوّل من تداعيات إقامة مزرعة الأسماك، ومن يربط بين الموضوع والخلاف حول ترسيم الحدود البحرية.

وفي 22 يناير 2020، صدّق البرلمان المغربي على مشروع قانون لترسيم الحدود البحرية بما فيها المجاورة لجزر الكناري (خاضعة لسيادة إسبانيا) في المحيط الأطلسي.

محاولة للتهويل

وقال الأكاديمي المغربي العمراني بوخبزة: “يمكن القول إن علاقات البلدين وضعت في الثلاجة، أي موضوع يهم الجانبين أصبح يثير الرأي العام سواء في المغرب أو إسبانيا”.

وأضاف أستاذ العلاقات الدولية في جامعة “عبد المالك السعدي” بمدينة تطوان: “المواضيع التي ظلت لحد الآن عالقة، وخاصة المتعلقة بترسيم الحدود البحرية، تستأثر باهتمام متزايد”.

وأردف: “الكثيرون حاولوا تهويل رد فعل إسبانيا على إقامة مزرعة للأسماك قرب الجزر الجعفرية، في حين أن المغرب لا يرغب في استفزاز أحد، ولا يتجه نحو صب الزيت على النار”.

وزاد بوخبزة: “الأمر يتعلق بنشاط اقتصادي يحتاج إلى ترخيص طالما أن المياه المعنية توجد ضمن المياه الإقليمية للمغرب”.
وأوضح أن ما حدث “لا يطرح إشكالات كبيرة كما وقع بخصوص ترسيم الحدود البحرية في المياه الإقليمية قبالة جزر الكناري”.
واستطرد: “الموضوع يثيره الرأي العام والإعلام الإسباني أكثر مما تثيره السلطات في مدريد، فالأمر يتعلق بإجراء عادي، في الوقت الذي تشهد فيه المنطقة العديد من المزارع البحرية”.

علاقات متوترة

وشهدت العلاقة بين المغرب وإسبانيا أزمة على خلفية استضافة مدريد بين 21 أبريل ومطلع يونيو 2021، رئيس جبهة “البوليساريو” إبراهيم غالي، بـ”هوية مزيفة” بدعوى تلقي العلاج من كورونا، وهو ما أغضب الرباط، التي تتهمه بارتكاب “جرائم حرب”.
وزاد من تعميق الأزمة، تدفق نحو 8 آلاف مهاجر غير نظامي منتصف ماي الماضي، بينهم قاصرون، من المغرب إلى مدينة سبتة، وهو ما اعتبره مسؤولون إسبان وأوروبيون محاولة من الرباط للضغط على مدريد، بعد استقبالها غالي.
وفي يوليو الماضي، عيّن رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، خوسيه مانويل ألباريس وزيرا للخارجية بدلا من أرانتشا غونزاليس لايا، لتحسين العلاقات مع المغرب، وتدبير ملفات دبلوماسية‎ أخرى، بحسب وسائل إعلام البلدين.

وقال العاهل المغربي الملك محمد السادس، عبر خطاب متلفز في 20 غشت الماضي، إن بلاده تتطلع لتدشين مرحلة “جديدة وغير مسبوقة” في العلاقات مع إسبانيا.

وفي 25 نوفمبر الماضي، قالت صحيفة “إل باييس” الإسبانية، نقلا عن مصادر دبلوماسية لم تسمها، إنه “رغم محاولة الحكومة الإسبانية في الأشهر الأخيرة، تفادي الاحتكاك مع المغرب بهدف تجاوز أزمة دبلوماسية حادة لم تنته بعد بشكل نهائي، إلا أن وزير خارجيتها ألباريس، اعتبر ما حدث (إقامة مزرعة للسمك) احتلالا غير قانوني للمياه الإقليمية الإسبانية”.

وأشارت الصحيفة إلى أن وزارة النقل الإسبانية فتحت “تحقيقا مع الشركة الإسبانية (Morenot) التي قامت بتوريد وتركيب الأقفاص البحرية لصالح الشركة المغربية صاحبة المشروع”.

حلحلة الوضع

يرى خالد يايموت، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة “سيدي محمد بن عبد الله” المغربية، أن “الخلاف حول مزارع الأسماك قرب الجزر الجعفرية، له علاقة مباشرة بالخلاف السابق حول ترسيم الحدود البحرية”.

وأضاف: “المغرب حين قرر ترسيم الحدود البحرية انطلاقا من الاتفاقية الدولية لعام 1982، فذلك يشمل الجنوب والشمال أيضا”.
وتابع: “إسبانيا لا تريد ترسيم الحدود في الشمال والجنوب، وبالتالي كان لا بد من مبادرة مغربية لحلحة الوضع في الشمال، من خلال الدفع بإقامة المزارع أو بعض الأنشطة ذات الطبيعة العلمية”.

وأردف: “لاحظنا أن هناك تحركا مغربيا في الجنوب كما في الشمال، بلغة دبلوماسية تقول إنه لا محيّد عن ترسيم الحدود”.
واستدرك: “موقف الإسبان من مزارع السمك قرب الجزر الجعفرية، ليس إلا تأكيدا لموقف سابق من ترسيم الحدود”.

ترسيم الحدود

وفي 22 يناير 2020، صدق مجلس النواب المغربي على مشروع قانون لترسيم الحدود البحرية بما فيها المجاورة لجزر الكناري في المحيط الأطلسي، بما يشمل إقليم الصحراء، وهو ما رفضته مدريد، وقالت إن ذلك ينبغي إتمامه في إطار اتفاق مشترك.
وربط البعض هذا الرفض الإسباني بجبل “تروبيك” البركاني المكتشف على بعد كيلومترات من السواحل المغربية التي شملها الترسيم، والذي يحتوي على حجم كبير من المعادن النفيسة، قد تسيل لعاب إسبانيا.

ووفق تقارير إعلامية، فإن جبل “تروبيك” الموجود على عمق 1000 متر تحت سطح البحر، يحتوي على ثروات ضخمة، واحتياطيات هائلة من المعادن والغازات والثروات الطبيعية.

ومن أبرز تلك الثروات التيلوريوم والكوبالت والنيكل والرصاص والفاناديوم والليثيوم، وهي عناصر تستخدم في صناعة بطاريات السيارات الكهربائية والألواح الشمسية والهواتف الذكية.

وتُقدر احتياطيات جبل “تروبيك” من التيلوريوم بنحو 10 في المئة من الاحتياطي العالمي، في حين يحتوي على مخزون ضخم من الكوبالت يكفي لتصنيع أكثر من 270 مليون سيارة كهربائية، وهو ما يمثل 54 ضعف ما تمتلكه جميع دول العالم من هذا النوع من السيارات الحديثة والصديقة للبيئة، وفق التقارير ذاتها.

وحدد قانون ترسيم الحدود البحرية، المنطقة الاقتصادية الخالصة على مسافة 200 ميل بحري، بعرض الشواطئ المغربية.
ويقول المغرب، إنه من خلال ترسيم حدوده البحرية، فإنه “يبسط سيادته الكاملة على المجال البحري، ليؤكد بشكل واقعي، بأن قضية وحدته الترابية وسيادته على المجال البحري، محسومة بالقانون”.

(الأناضول)

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.