حفيظة باحسان
استضاف النادي الادبي لجمعية بنسليمان الزيايدة يوم الجمعة 3 دجنبر 2021، الاعلامي و الكاتب عبد العزيز كوكاس. و قد خصص اللقاء لتقديم ثلاثة إصدارات تمثلت في رواية ” ذاكرة النسيان” و كتاب ” جبهة بوليساريو ” من حلم التحرر إلى أوهام الانفصال” و كتاب ” في حضرة الامبراطور المعظم كوفيد التاسع عشر” و سنخصص هذه التغطية للقراءة التي قدمتها الاستاذة حفيظة باحسان عضوة مكتب الجمعية في كتاب ” ذاكرة النسيان”
رواية للكاتب والصحفي عزيز كوكاس، رواية تحكي سيرة معلم اسمه صالح البشير، وهي سيرة لحياة مليئة بالإخفاقات والإحباطات واليأس، شخصية ضعيفة مليئة بالتناقضات ومتقوقعة وانطوائية غير قادرة على الاندماج والاستقرار لا تعرف ماذا تريد؟ ولماذا تحيا؟
يدل عنوان الرواية على مقام فلسفي ذي منعطف أدبي تنبلج من خلاله الرؤى الوجودية وهي تتشابك بلاغيا مع المنعرج الميتافيزيقي، فتحد ث سجالا غير ظاهر لكنه يختبئ وراء الجمل والعبارات. رواية أجمل ما فيها اللغة التي نمنمها الكاتب نمنمة لا مثيل لها وأغرب ما فيها المزاوجة بين الحكايات الواقعية والاستيهامات بين الامكنة والأزمنة وبين الذكريات المسترجعة عبر أزمنة مختلفة.
أول ما يثير الانتباه في هذا النص الروائي هو التقسيم الذي اعتمده الكاتب كشكل لسرد سيرة صالح البشير. فالرواية تبدأ بمقدمة يليها أربعة أبواب ثم خاتمة. وهو تقسيم يبدو أقرب إلى التراث الفقهي والأدبي القديم منه إلى العمل الفني الإبداعي المعاصر. هذا الاختلاف نجده واضحا أيضا في العناوين التي سيقت بها الأبواب والتي تميل هي الأخرى إلى السرد القديم:
1- باب في “صفة الرائد والقائد وما ضارع ذلك أو شاكله.”
2- باب في “ذكر ما يعتري الانسان بعد الخصاء وكيف كان قبل الخصاء”.
3- باب في “ذكر بعض آثار الرحلة وقرب المآل”.
4- باب في “من أحبت رجلا لم تستحسن بعده غيره ممن يخالفه.”
هذا التقسيم وهذا التبويب له من الأسباب والمبررات ما يرتبط بالكاتب نفسه. إلا أن سبر أغوار الرواية وأحداثها وشخوصها يسمح لنا ببعض الفهم وهو في نظرنا راجع إلى الشخصية المحورية شخصية صالح المليئة بالأبعاد الإنسانية والحمولات الثقافية المثيرة للأسئلة والمشاعر على السواء.
تبدأ الرواية بوصف دقيق لالتحاق صالح البشير بمنطقة أزيلال بعد تعيينه معلما بإحدى القرى النائية بالمنطقة وهو ما اعتبره صالح نفيا قسريا وتهميشا واستمرارا لمسار اعتقاله وتعذيبه. حكاية الالتحاق هذه تتداخل فيها مجموعة من الإسترجاعات وظفها الكاتب بشكل ذكي في جميع أبواب الرواية بهدف اطلاعنا على حياة صالح المليئة بالمنعطفات والتقابلات بالرغم من تغير أوضاعه وتوجهاته.
فقد عاش صالح حياة مليئة بالبؤس والفقر ابتدأ معه وهو طفل في مدينة وجدة حيث اضطر للاشتغال في البناء واستمرت معه حتى وهو معلم في منطقة أزيلال.
عاش فترة اعتقال في المرحلة الطلابية واستمرت حالة الاعتقال معه بعد تعيينه بقرية نائية لا أثر للحياة فيها.
عاش تجربة عاطفية في فترة شبابه مع نزهة التي أحبها وتخلت عنه عند أول مفترق، تجربة ستستمر في علاقة مشابهة مع شبيهة لها هي علاقته مع مليكة الممرضة.
إن ما يميز ذاكرة الغياب هو تداخل العديد من التيمات، إشكالية الوجود وسؤال الموت وتيمة الجسد وغيرها، وعلى هذا المستوى نلاحظ حضورا ملفتا للجانب الايروتيكي المتمثل في الجسد بجميع أبعاده، الجسد الذكوري والأنثوي، المقدس والمدنس، الحيواني والإنساني.
فالجسد حاضر ويظهر في سيرورات وجوده في مختلف الأزمنة والفضاءات الاجتماعية، السوق، الحانة المستوصف، السجن والحمام، حتى أنه ابتدع مفهوما جديدا سماه الحمام الخنثى، هذا الفضاء الذي يسمح بالتزاوج والاختلاط بين الجسد الذكوري والأنثوي من خلال عملية التناوب في استعمال هذا الفضاء.
وإذا بحثنا عن الطريقة التي يتم فيها استحضار الجسد في النص، نجد الجسد الجمالي الذي يمثله جسد المرأة والذي استثمره الكاتب من خلال وصف أجزائه ووصف علاقة السارد بالجسد التي قد تكون إما علاقة توحد أو انفصال، ويزداد التمثيل الفني مع عنصري الإضاءة والموسيقى وكأنه يصف الجسد داخل مشهد مسرحي.
وفي السياق نفسه تشير فوزية بن جليد في موضوعها حول “جسدية وأوهام في حب ومغامرات سندباد البحري لسليم باشتي” إلى كتابة الأزمنة الحديثة ذات الطابع الاباحي للنص لتعبر عن الجسد الأنثوي بوصفه جسدا مسليا وجسد إثارة وخلاعة يتقاسمه النص للدلالة على تحرر المرأة التي تسترجع جسدها داخل فضاءات تختلف عن فضاء الهوية.
نجد أيضا حضورا للجسد السياسي الذي يمثله جسد صالح البشير روائيا والذي يظهر من خلال وصف الروائي لفترة الاعتقال السياسي والتعذيب الوحشي في إدانة للسياسة باعتبارها سلوكا سلطويا يدفع بمشروع العدالة الاجتماعية إلى الخيبة والاخفاق.
وخالصة القول فذاكرة الغياب ذاكرة غائبة حاضرة في التيمات التي يزخر بها النص الروائي. وحده الروائي يستطيع الافصاح عما يريد أن تقوله الرواية.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.