تذرف رابحة الدموع وهي تحكي أن طبيبا متدربا في مستشفى عمومي بالرباط تسبب في اعوجاج ساعِد ابنها ومضاعفات أخرى عندما حاول علاجه من كسر أصيب به في حادثة قبل نحو عامين.

وترى رابحة وهي أرملة، أن ضيق الحال وغياب التغطية الصحية، وقف حائلا دون دخول ابنها (10 سنوات) إلى مستشفى خاص ليفحصه طبيب ماهر.

وتتابع: “للأسف، الولد تعرض للكسر ليلا، فتوجهت به إلى المستشفى العمومي الرئيسي في المدينة، ولم يكن معي حتى الدراهم القليلة التي يجب أن أدفعها قبل دخوله المستشفى لأنني لا أتمتع بأية تغطية صحية”.

وتضيف أنها اضطرت للعودة إلى البيت لتتدبر الأمر، ثم تعود ثانية إلى المستشفى وتنتظر صفا طويلا وفوضى عارمة لتصل إلى الطبيب الذي تبين فيما بعد أنه مجرد طبيب متدرب.

وفي البداية، أخبرها الطبيب أن ابنها لا يعاني من كسر وإنما مجرد ألم سيتلاشى بمرور الوقت ليضمد يده ويعود إلى البيت.

لكن استمرار الألم وصراخ الابن لمدة يومين، اضطرها للعودة بصغيرها إلى المستشفى ليكتشف الطبيب هذه المرة أنه مصاب بكسر.

تلقى الابن العلاج لكن بقي اعوجاج في يده.

وقالت إنه أجرى عمليتين جراحيتين لتقويم الاعوجاج كلفتها مصاريف فوق طاقتها اضطرتها للاقتراض كما ساعدها “محسنون”.

وتستبشر رابحة خيرا بنظام صحي جديد أطلقه المغرب لتعميم الحماية الاجتماعية، برعاية ملكية خاصة، حتى تتمكن من علاج نفسها وابنها.

وتقول إن السلطات أخذت معلومات عنها وعن وضعها الاجتماعي لتدخل في نظام التغطية الصحية.

وأعلن العاهل المغربي محمد السادس، في يوليو/ تموز 2020 عن تعميم التغطية الصحية على جميع الفئات الاجتماعية في المغرب في أجل أقصاه 2022.

قطاع هش

يتخبط قطاع الصحة في المغرب في مشاكل عديدة على رأسها ضعف التجهيزات، وقلة الموارد البشرية والتفاوتات الكبيرة في التوزيع الجغرافي للمراكز الاستشفائية وقلة الكفاءات الطبية.

ويضطر أغلب المغاربة أصحاب الدخول المتوسطة فما فوق، إلى العلاج في المستشفيات الخاصة رغم تكاليفها الباهظة، بسبب تدني مستوى الخدمات المقدمة في المستشفيات العمومية.

كما يعاني القطاع من نقص في الأطقم الطبية، إذ يبلغ عدد الأطباء 32 ألف طبيب، إلى جانب 65 ألف ممرض.

ويبلغ عدد سكان المغرب 36 مليون نسمة.

وقال وزير الصحة المغربي خالد آيت الطالب، في وقت سابق، إن “سد هذا العجز على وجه السرعة صعب في ضوء تخرج 1200 طبيب سنويا”.

كما أعلنت الحكومة المغربية أيضا عن نيتها زيادة أجور العاملين في قطاع الصحة وجلب العمالة من الخارج لمواجهة النقص في هذا المجال.

تحديات كبيرة

أعلنت الحكومة أن كلفة تعميم الحماية الاجتماعية تصل إلى حوالي 51 مليار درهم (نحو 510 ملايين دولار) تمول هذه التكلفة في جزء منها من الاشتراكات بالنسبة للفئات المهنية الذين لهم القدرة على المساهمة في تمويل التغطية الاجتماعية، أما بالنسبة لغير القادرين على المساهمة، فتلجأ الدولة إلى عائدات أخرى كالضرائب والمخصصات المالية من ميزانيتها.

وتهدف هذه التغطية لأن تعمم الاستفادة على الفئات المعوزة والمهنيين وأصحاب المهن الحرة.

وأعلنت الحكومة مع نهاية 2022 عن دمج نحو 11 مليون مستفيد في هذه التغطية، وذلك بعد دمج هؤلاء على مراحل بدءا من الربع الأول من 2021.

وقال رئيس الحكومة المغربية عزيز أخنوش أمام البرلمان المغربي الشهر الجاري، إن الحكومة الحالية “نجحت بشكل غير مسبوق في إرساء لبنات تضامن مؤسسي إجباري سيساهم في توفير الحماية للجميع وصيانة حقوقهم، فضلا عن تيسير سبل الولوج إلى خدمات الرعاية الصحية في ظروف لائقة، بشكل يتضمن المساواة بين جميع المغاربة كيفما كانت وضعياتهم المادية والمهنية”.

وأضاف أن “الحكومة نجحت… وقبل انقضاء 2022، في تعميم وتوسيع خدمات التأمين الإجباري عن المرض لتمكين كل المغاربة على قدم المساواة من الاستفادة من خدمات تغطية صحية موحدة بغض النظر عن فئاتهم الاجتماعية أو المهنية”.

وقال إنه في عام واحد “انتقل العدد الإجمالي للمؤمنين من طرف الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي من 7.8 مليون فرد إلى أزيد من 23.2 مليون”.

ويرى المحلل الاقتصادي رشيد أوراز، أنه من السابق لأوانه التكهن بتأثير مشروع التغطية الصحية على الاقتصاد ككل في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية حاليا كما أن المشروع في بدايته.

وقال: “للأسف، الوضعية الاقتصادية صعبة، حتى قبل كوفيد، أما الآن بسبب كوفيد والحرب الروسية على أوكرانيا والجفاف وضعف النمو الاقتصادي، هذا كله أدى إلى تراجع أداء الاقتصاد، وبالتالي موارد الدولة”.

وارتفع معدل التضخم في 2022 إلى 6.6 بالمئة حسب بيانات المندوبية السامية للتخطيط من 3.2 بالمئة في عام 2021.

وتتوقع المندوبية نمو الاقتصاد 3.3 في المئة في 2023، من 1.3 بالمئة في 2022.

واعتبر أوراز أن “رداءة البنية التحتية ونقص الأطقم الطبية ستعيق إكمال هذا المشروع في الآجال المحددة”.

وأضاف: “النجاح ليس مضمونا، لأن أغلب المشاريع الاجتماعية عادة ما تكون معرضة لمشاكل الفساد وسوء الحوكمة، حتى في البلدان الديمقراطية”.

واحتل المغرب المركز 87 عالميا من أصل 180 دولة في مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية لعام 2021 متراجعا بمرتبة واحدة عن عام 2020.

وقال أوراز: “لا شك أن الوضع المؤسساتي الحالي سيعيق نجاح المشروع… هذه كلها تحديات كبيرة لمشروع الحماية الاجتماعية في المغرب”.

وبدا الخبير الاقتصادي محمد الشيكر أكثر تفاؤلا وقال: “حتى لو استفاد من التغطية الصحية شخص واحد، فهذا مكسب مهم”.

وأضاف: “الأمر يتعلق بالإنسان، كيفما كان العدد المستفيد من الحماية فهذا جيد، فالإنسان يجب أن يكون هو الهدف وليس الوسيلة”.

وقال إن “الدولة عبرت عن إرادتها”، لكن “المهم أن تصل الخدمات إلى جميع مناطق المغرب، فلا نتحدث هنا عن المدن الكبرى والرئيسية، بل يجب الوصول إلى المناطق النائية وأحزمة الفقر”.

(رويترز)

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *