الإقامة في مدينة مراكش خلال فصل الصيف تشبه الإقامة في الشمس وليس بجوارها، والإحالة هنا على الحرارة المفرطة، بالإضافة إلى سطوع أشعتها كمدينة تنال النصيب الأوفر من نبض العشاق عبر العالم.
شهرة عاصمة النخيل أو المدينة الحمراء كما تلقب، تجاوزت الآفاق قبل أن تصير قبلة للمؤتمرات واللقاءات والمهرجانات العالمية، هي قبلة للسياح من كل حدب وصوب، تجذب إليها العاشق للسكينة ولزواج الحداثة والأصالة، جدرانها المستحدثة لا يفصل بينها ونظيرتها العتيقة سوى المواد التي بنيت بها، أما الشكل واللون والتنسيق هو نفسه، حتى وأنت في قلب المدينة الجديدة تجد أثر المدينة القديمة حاضرا بثقل البهاء وزركشة التاريخ.
تلك الفنادق الفخمة والمطاعم المصنفة والمقاهي المنتشرة هنا وهناك ومختلف المباني لم تذهب أبعد من المعمار العتيق، لكنه بني بسواعد حديثة وبمواد جديدة، أما المواقع التاريخية فتحكي ما تحكيه من مجد وروعة واستمرارية.
سر جاذبية مراكش وسحرها، لا يمكن التنقيب عنه إلا في نبض زوارها الذين لا يكتفون بالمرة الأولى، بل تتعدد الزيارات وتصبح عادة لازمة في كل جولة صوب المغرب.

التاريخ يحكي

في هذا الاستطلاع، سنحاول البحث عن سرها الأصيل من خلال التاريخ والتسمية وما توالى من أحداث، ولن نغادر مراكش قبل ان نتجول في ساحاتها وأسوارها والدخول من أبوابها والوقوف عند مآثرها والتمتع بدهشة الروعة في حدائقها.
كل هذا سنجده في مراكش ثالث أكبر مدن المغرب كثافة سكانية، وهي القلب النابض لجهة مراكش أسفي والتي تضم أيضا الصويرة، وتلك مدينة أخرى يهيم بها من جسّوا نبضها النقي.
المدينة كما عرف عنها في مراجع تاريخية تأسست على يد السلطان المرابطي يوسف بن تاشفين سنة 1070م، وهناك رواية تاريخية أخرى تفيد بأن مؤسسها هو أبو بكر بن عمر اللمتوني ابن عم يوسف بن تاشفين وذلك سنة 1062 ميلادية. لكن شهرة المدينة ارتبطت باسم السلطان المرابطي الذي كانت له صولات في الأندلس، كما كانت عاصمة للدولة المرابطية، وتحولت في عهد بن تاشفين إلى مركز للغرب الإسلامي سياسيا وثقافيا، وهو ما تواصل في فترة حكم الموحدين سنة 1147 ولهم فيها العديد من المآثر تدل عليهم ومنها نذكر مسجد الكتبية.
التاريخ في مراكش مليء بالمحطات والأرقام التي تدل على وقائع وأحداث وبنايات، والحديث في هذا الباب يلزمه تخصص في التاريخ دون غيره من التخصصات، ويكفي أن نشير إلى أن مراكش كانت وحدها تدل على المغرب، ونحيل هنا مثلا على أغنية للراحل فريد الأطرش وهو يذكر عواصم الدول العربية في “بساط الريح” حيث ورد اسم مراكش ليس كعاصمة ولكن كإحدى المدن الدالة التي بها اشتهر المغرب.
من المرابطين إلى الموحدين ثم السعديين الذين ما زالت قبورهم إحدى معالم المدينة التاريخية، عاشت مراكش وما زالت أزهى أيامها وأبهاها على الإطلاق، ولم تزدها الحداثة سوى رونق وبهجة، وهو اللقب المضاف لهذه المدينة الفرحة دائما.

المدينة الحمراء وسبعة رجال

أحد ألقاب مراكش وهو المدينة الحمراء، لم يطلق عبثا فهي بالفعل حمراء، وتلك الجدران التي بناها علي بن يوسف بن تاشفين في 1122-1123 ومختلف المباني التي شُيدت من الحجر الرملي الأحمر لا تترك مجالا لكي يزاحم لقب آخر مدينة مراكش، التي صارت مركزا سياسيا وثقافيا ودينيا وتجاريا للمغرب الكبير وأفريقيا جنوب الصحراء الكبرى.
المدينة عرفت فترات صعود ونزول في درج الاهتمام، وكانت إحدى فتراتها الزاهية فخامة وثراء هي فترة حكم السعديين، ونذكر السلطان القائم بأمر الله السعدي وأحمد المنصور الذهبي، حيث قاما في عهد حكمهما بتزيين المدينة بالقصور الفخمة، ونشير كمثال على ذلك إلى قصر البادي الذي شيد سنة 1578.
ومن ألقاب مراكش أيضا، انها مدينة سبعة رجال، والإحالة هنا على الصوفيين السبعة الذين دفنوا بها، بعد أن أصبحت المدينة مشهورة بينهم، وعكفوا على زيارتها باستمرار، وانتهى بهم المطاف تحت أرضها وصارت تحمل لقبا يذكر بهم.
وهؤلاء الرجال السبعة من الفقهاء والقضاة والمتصوفة تحتضن مراكش أضرحتهم، وهم: يوسف بن علي الصنهاجي، القاضي عياض، أبو القاسم السهيلي، أبو العباس السبتي، محمد بن سليمان الجزولي، سيدي عبد العزيز التباع، سيدي عبد الله الغزواني.
وكما جمعتهم مراكش، جمعهم أيضا تصوفهم وزهدهم في الحياة وسعيهم لفعل الخير، ناهيك عن حفظهم للقرآن الكريم، ودأبهم على تلقين العلم وتركهم لمآثر عبارة عن مؤلفات في الحديث والفقه واللغة أيضا.

ساحة جامع الفنا

هنا نصل إلى وجهة استثنائية، وهي ساحة جامع الفنا التي تعرف ازدحاما متواصلا وإقبالا كثيفا، والعهدة على واقع الأمر، حيث تجدها دائما تغص بالعابرين والمتجولين والسائحين وعشاق الحلقة ومتتبعي رقص القرود وترويض الأفاعي والمزيد من عجائب هذه الساحة التي تمتد على مرمى العين وتملأ وسطها الفرجة، وفي جنباتها مطاعم بسيطة للوجبات الخفيفة والمأكولات المتميزة وأنواع العصائر وباقي المشروبات وعلى رأسها الشاي، (أتاي) كما يحلو للمغاربة تسميته.
هذه الساحة الشهيرة التي يمكن اعتبارها مسرحا مفتوحا على العجائب وعلى الفرجة والبهجة وكل ألوان الحياة، هي إحدى الأماكن التراثية العالمية لدى منظمة الأمم المتحدة للثقافة والتربية والعلوم “اليونسكو” التي صنفتها سنة 2001 ضمن التراث اللامادي.
حكاية التصنيف العالمي من طرف اليونسكو، تضم في طياتها حكاية الدفاع عنها من طرف مثقفي مراكش والمغرب ومعهم عاشق المدينة الحمراء الدائم الراحل خوان غويتيسولو الكاتب والباحث الاسباني الذي عاش حياته بها وقرر أن يدفن في العرائش ليجاور جان جينيه.
“جامع الفنا” هي القلب النابض لمراكش التاريخية والحديثة، لا يمكن للزائر أن يعبر من أرض عاصمة النخيل دون أن يطأ الساحة وأن يتأمل فرجتها ويتمتع بالشاي في إحدى مقاهيها الجميلة، والاهم أن يستمع إلى أحد الحلايقية وتعني الحكواتي بالدارجة المغربية.
هذا العنصر الأساس في ساحة جامع الفنا له حضوره بقوة التاريخ وبقوة الاقبال عليه من طرف السياح ومختلف زوار المدينة، صارت له جمعية مهنية تتحدث باسمه وتدافع عن حقوقه الاجتماعية، لذلك فقد صارت الحلقة مهنة والحكاية أصبحت بطعم الاستقرار.
لم تعد لساحة مجرد لحظة عابرة بالنسبة للزائر، بل صارت لحظة متواصلة تخصص لها مسافة زمنية لا بأس بها في برنامج السياح، وصارت الساحة تكفي زائرها من كل شيء بداية بالفرجة ووصولا إلى الأكل في مطاعم متنقلة ومرورا بالمقاهي الزاهية والمحلات التجارية التي تبيع كل شيء من “تخليطة” الشاي إلى بعض التذكارات من صنع أنامل الصانع التقليدي.

مراكش الحديثة

لعاصمة النخيل مرافقها التي تسير جنبا إلى جنب مع تطور السياحة وتزايد الإقبال العالمي عليها، فلها مطارها وهو “مراكش المنارة” الذي يصنف باستمرار من بين أكثر المطارات حركة على الصعيد المحلي وحتى الدولي، محطة القطار أيضا تضاهي في رونقها المطار، أما المرافق الأخرى فمتوفرة بكثرة بين جامعات ومدارس وإدارات لقضاء مآرب المواطنين وهذا تحصيل حاصل بكل تأكيد.
نجد في مراكش الحديثة أيضا حلبة لسباق السيارات وخاصة “الفورميلا 2” في جانب الرياضة تمتلك المدينة انديتها لكرة القدم ولمختلف الرياضات وأشهرها نادي “الكوكب المراكشي”.
أما الفنادق المصنفة فحدث ولا حرج، تجدها متنوعة ومتعددة وخدماتها من الطراز الرفيع توفر للمقيم بها كل ظروف الراحة والفخامة.
زوارها ليسوا فقط من السياح العاديين، بل نجوم من مختلف التخصصات بين الفن والسينما والرياضة وعروض الأزياء التي تكون مسرحا لها في العديد من المناسبات، هي أرض مفتوحة ومفتونة بالإنسان أينما وجد وكيفما كان المهم أن يبادلها الحب.
وحديث الحب يجرنا إلى تذكّر النجوم الذين قرروا اقتناء منازل في مراكش كي تكون الزيارة لها طابع الإقامة وليس العبور. والكثير من القصص النوعية والمتميزة التي عاشها بعضهم وهم يتنفسون هواءها.

مدينة البهجة

لا يمكنك أبدا أن تذكر مراكش دون أن تبتسم فرحا، ولا يمكنك أن تشاهد مشهدا مصورا حتى من طرف هواة دون أن تجد فيه ما يدخل الفرح إلى قلبك، فأهل المدينة مرحون وأصحاب نكتة وخفاف الظل.
لذلك، كان من ألقابها “مدينة البهجة” وصار كل شخص مرح يلقب بـ “البهجة” وهي الصفة التي تلازم الظريف خفيف الظل والرائق الذي لا يعبس أبدا.
بهجة المدينة تظهر جليا حتى في أسواقها المتعددة التي تحملك إلى عبق التاريخ وتعيدك إلى ما مضى من سالف العصر والأوان، وهي في ذلك شبيهة بباقي مدن المغرب العتيقة وأسواقها القديمة، ممرات ضيقة تفضي إلى ساحات رحبة ومحلات متنوعة التجارة تجد ضالتك بكل تأكيد، من أقدم تحفة إلى أحدث جهاز إلكتروني، لكن الغلبة في ذلك للمنتج التقليدي.
لا داعي للتذكير بأن من مظاهر بهجة مراكش ساحة جامع الفنا، لكننا نذكر مآثرها المليئة بالحيوية، ونشير إلى حدائق ماجوريل العجيبة، وإلى أروقة الفن التشكيلي، وخفافا نحوم حول صومعة الكتبية الرائعة التي استلهم بناة “الخيرالدا” في إشبيلية الاسبانية نسقها ومعمارها وشكلها، فكانت توأمها في الضفة الأوروبية.
هي جولة مفعمة بالفرح التاريخي، بين قصر الباهية والحدائق الأندلسية المبهرة والمنارة وغيرها من معالم المدينة التي لا تتأخر أبدا في منح الزائر المتعة والراحة النفسية.
مراكش المنبسطة، تتراءى لك مثل “زربية” أي بساط مزركش بالحياة، على مرمى العين، لا حاجز فقط البنايات والناس الذين يسيرون في شوارعها مزهوين منبسطين ومرتاحين.
ولا تكتمل فرحة الزيارة إلى مراكش، دون أكل “الطنجية” وهي وجبة أصيلة تتكون عادة من اللحم الذي يطهى على مهل، أو زيارة ساحة جامع الفنا، وحديقة ماجوريل، وقصر البديع، ومسجد الكتبية ثم حدائق المنارة.
كما لو كان الأمر شبيها بطواف الاكتمال حول مدينة لا يشعر الزائر لها بالغربة، فهي “ولّافة” (من الألفة) لا تضمر أكثر مما تبديه، وتسعد بـ “البراني” أي الغريب.
وليس غريبا أن تسجل المدينة العتيقة لمراكش سنة 1985 ضمن قائمة التراث العالمي التي أقرتها منظمة اليونيسكو في المؤتمر العام لدورته السابعة عشرة بباريس، في 16 من تشرين الثاني/نوفمبر 1972. فهي التي تحمل الكثير لتحكيه لكل عاشق لها، وتفتح أبوابها له ليدخل من أين شاء ووقتما شاء.
تلك الأبواب عديدة نذكر منها، باب أكناو، وباب أغمات وباب دكالة، وباب الرب بضم الراء نسبة إلى شراب الروب المتكون من التين والتوت، وباب الدباغين ثم باب فاس ويسمى أيضا باب الخميس ونصل إلى باب احمر.
ذكر الأبواب يفضي إلى الأسوار المشيدة في عهد المرابطين، وقد اختلف المؤرخون في تدقيق تاريخ بنائها، وأغلبهم رجح ذلك بين عامي 1126 و1127 ميلادية، أما طولها فقد قدره الرحالة والجغرافي الإدريسي بحوالي تسع كيلومترات.

ضريح المعتمد وقصة أغمات

مدينة أغمات قبل أن تشتهر باحتضانها لقبر المعتمد بن عباد، فهي من أقدم المدن المغربية، وتقع على بعد 32 كيلومترا عن مراكش عند سفوح جبال الأطلس الكبير، تعاقبت عليها حضارات عدة، من الدولة الإدريسية وصولا إلى المرابطين، هؤلاء كانت مستقرهم قبل تشييد مراكش.
أغمات التي كانت مزدهرة خفت نجمها في فترة حكم الموحدين، وتحولت من مركز سياسي وتجاري إلى مدينة هامشية دخلت في طي النسيان. وقد جاء في وصفها من طرف الجغرافي أبو عبيد الله البكري ما يلي: “ومدينة أغمات، مدينتان سهليتان إحداهما تسمى أغمات أيلان والأخرى أغمات وريكة (…) وبها مسكن رئيسهم، وبها ينزل التجار والغرباء، وأغمات أيلان (…) بلد واسع تسكنه قبائل مصمودة في قصور وديار (…) وبها أسواق جامعة”.
أما شهرة أغمات فقد ارتبطت بوجود قبر المعتمد بن عباد، أمير قرطبة في عصر ملوك الطوائف، وإلى جانب قبره نجد مرقد زوجته اعتماد الرميكية وابنهما أبو سليمان الربيع.
وفي الضريح الذي يجمع قبورهم، نجد على شاهدة بن عباد أبيات شعر كتبها هو نفسه وطلب أن تدون على قبره.
لكن أغمات ليست ضريح المعتمد فقط، بل هي حكاية تاريخ، تبدأ من استقرار المرابطين بها قبل تشييد مراكش، وكانت أيضا مقرا يقيم به ملوك الطوائف بعد نفيهم من الأندلس عند توحيدها.
إلى جانب ذلك، أغمات أيضا عثر بها على أقدم حمام بالمغرب، وذلك بعد حفريات ازاحت كومة الأحجار والتربة عنه، ويتكون من ثلاث غرف مغطاة تختلف حرارتها، مثل ما هو الحال في حمامات المغرب ذات النمط القديم، وتتوزع الغرف بين البارد والدافئ ثم الساخن.
ووفق المراجع التاريخية، فقد شيد الحمام نهاية القرن العاشر وبداية القرن الحادي عشر، ومساحته كبيرة مقارنة مع حمامات تلك الفترة، حيث تصل إلى 13 هكتارا، وتفيد المراجع نفسها أنه استعمل للاستحمام لأزيد من 500 سنة.

مهرجان عالمي

هل يمكن ذكر مراكش الحديثة اليوم دون ذكر المهرجان الدولي للسينما؟ أبدا، فالمهرجان صار محجا لكبار نجوم الفن السابع، يضعون موعده في مذكرتهم ويحرصون على جعله لحظة مميزة في مسرتهم السينمائية، خاصة من نالوا التكريم فيه وهم كثر، وأيضا من يترقبون ان يحظوا بالنصيب نفسه من الاحتفاء.
عاصمة النخيل كانت على موعد استثنائي حين تأسيس المهرجان سنة 2001 لتتوالى الدورات ويصبح من أهم المواعيد السينمائية، ويستضيف نجوما من مختلف سينمات العالم من أمريكا وأروبا وآسيا، ولا ننسى الحضور العربي الدائم بنجوم الفن السابع العرب. ومن ثم، يضفي المهرجان الكثير من الفرح والحيوية على مدينة البهجة، بجانب المهرجان الوطني للفنون الشعبية، وغيرهما من التظاهرات الفنية التي تقام على مدار العام.

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.