الثقافةالرئيسيةالفن والثقافة

جمهورية الفلافل الديموقراطية

انتظمتِ المجموعة القصصية المعنونة بــ: جمهورية الفلافل الديموقراطية، في أقاصيصَ طويلة، أدرجها الكاتب في نصف الكتاب الأول، وأخرى مكثفة صغيرة جِدا، مدرجةٌ في آخره، يصلُ مجموعها جميعاً إلى نحو 62 قصة.

قراءةٌ في عناوين الحكايات؛ تقدمُ لنا لمحةً غاية في السُّمو، إذِ العنوان تاج القَصص، والمفصح عَنْ جوهر ما كُتبَ ودُبـج.

مِنْ شطر الشطرنج، إلى عائد من الموت، إلى نبي العرائش، إلى عبور صامت، إلى عابر معتبر، إلى حيرة إبليس، إلى إرث بلا ميراث، إلى وصية مؤجلة، إلى حوار عبثي في البيت العربي.

عناوين اخترتُـها مِنْ بين جملةٍ منها، بعناية، لتقديم وصفٍ زاخر بتحولاتِ الحياة، بتدفقاتها على رقعة البسيطة، وتقلباتها بينَ السُّنن والسَّنن، للخُلوص إلى تقرير مختصر عَنْ مسيرة تبدأ ببكائك، وتنتهي بالبكاء عليك.

في كتابه؛ النقد البنيوي للحكاية، يقول رولان بارت: “إنه لا يمكنُ لأحد أن يكتبَ دون أن يتخذ موقفاً انفعالياً مما يحدثُ في العالم، ومن المآسي، ومناعم الإنسانية، ومما تحدثه في ذواتنا؛ النغمات، والأحلام، والتقلبات، والأحلام، والرغبات، والهواجس… ولم يعد للكاتب الحق في انتزاع فعلٍ مِنَ الصَّمت، كما يُقال في السير القدسية الأدبية، بل على العكس تماما، وبصعوبة وقسوة فائقتين، عليه أن ينتزع كلاماً ثانياً مِنْ شَرك الكلمات الأولى التي تُوفر له وجود العالم، والتاريخ، ووجود ذاته”.

كذا يفعل الكاتب والقاص ابراهيم مراكشي، حين يندفع مخبراً عما يشاهد، فيحاكيه بلغة تُبلّغُ الرسالة، وتخدع من يريد سلب الحرية، وقمعها. إنه بكل بساطة يستغل هامش الأسرار التي تمنحها الكتابة القصصية ليبث عبرها الحكمةَ ممزوجة بحقن الحياة على حقيقتها.

في هذه المجموعة اختياران مهمان، يتعلقُ الأول؛ بسر اختيار عنوان قصةٍ داخل المجموعة؛ عنواناً رئيساً للأقاصيص كلها، وهي قصة: جمهورية الفلافل الديموقراطية، وقد احتلتْ هذه الحكاية المرتبة الثانية ضمن مجموع القصص في الكتاب. والاختيار رسالة محورية في الكتاب، إذ عنها تتأسس، وفي القصص المجاورة لها تتمدد الخيوط منسوخة من أصل العنوان ومَداه.

والاختيار الثاني دمج القصص الصغيرة جدا، والمكثفةِ موضوعاً ونسقا، ضمن المجموع لهو إضافةٌ أوسع من القصص الطويلة نفسها، ولو كانت في مجموع منفرد لكانت أعمق برسائلها الوَلادة، عكسَ ما امتدَّ فقصُر نظره كلما توسَّعَ بحره.

إنَّ هذا الإصدار، يحتاجُ إلى ترجمةٍ للناشئة، ومقـرُبةٍ للشباب اليافعين، فبالحكم المضمنة فيه، نستطيعُ مدَّ اليد بطريقة ذكية نحوهم، في زمن بدأ فُقدان الذاكرة عند الصغار يدبُّ كالزكام الشتوي، وإنَّ الكاتبَ لو يفتحُ باباً يتوجه بمكتوبه نحو هؤلاء الاثنين، سيكون فتحاً عظيماً في باب قليلٌ هم الذينَ طرقوه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى