الرئيسيةكتاب وآراء

استفتاء شعبي في المغرب ضد التطبيع

علي أنوزلا

ما جرى في المغرب يومي الأحد والاثنين، الأسبوع الحالي، يعتبر أكبر استفتاء شعبي ضد اتفاقيات التطبيع التي وقعتها السلطات المغربية مع الكيان الصهيوني نهاية العام الماضي، مقابل اعتراف إدارة الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، بسيادة المغرب على إقليم الصحراء. يوم الأحد، سمحت السلطات المغربية بخروج عشرات المظاهرات في أكثر من أربعين مدينة وقرية مغربية للتضامن مع فلسطين، وللتنديد بالعدوان الإسرائيلي الوحشي على شعبها الأعزل. وفي كل هذه المظاهرات التي ضمّت آلاف المشاركين من جميع ألوان الطيف السياسي المغربي، ردّد المتظاهرون شعارا واحدا “التطبيع خيانة”، ودعوا إلى إسقاط اتفاقيات التطبيع بين المغرب وإسرائيل، وطرد ممثلها من الرباط الذي ادّعى أنه غادر المغرب الأسبوع الماضي إلى إسرائيل، للاطمئنان على صحة والده طريح الفراش!

وسجّل الموقف الرسمي المغربي تململا واضحا من حالة الصمت التي سادت طيلة الأيام الأولى للعدوان الإسرائيلي على القدس، ثم على غزة، وتطوّر من التعبير عن القلق مما يحدث، و”الدعوة إلى الحوار!”، إلى الإعلان عن تقديم مساعدات إنسانية إلى سكان غزة، مع العلم بصعوبة وصولها إليهم في ظل الحصار المضروب عليهم أرضا وجوا وبحرا. وعلى الرغم من أن المغرب، الذي يرأس عاهله لجنة القدس لم يصدر عنه (حتى كتابة هذه المقالة) موقف رسمي يدين الجرائم البشعة التي تُرتكب يوميا ضد الفلسطينيين، إلا أن تصريحات رئيس الحكومة، سعد الدين العثماني، وصفت ما يجري في فلسطين بأنه “جريمة حرب”. وارتفع داخل البرلمان المغربي أكثر من صوت يطالب الحكومة بإسقاط اتفاقيات التطبيع مع الكيان الإسرائيلي، وصدرت هذه النداأت حتى من نوابٍ ينتمون إلى حزب العدالة والتنمية، الإسلامي الذي يرأس أمينه العام الحكومة، وهو نفسُه من وقع على اتفاقيات التطبيع، ودافع عنها بدعوى أنها ستعطي للمغرب قدرة أكبر في التعبير عن التزامه بالدفاع عن القضية الفلسطينية!

وإذا كان صوت الشارع، وصوت الحكومة ممثلا في تصريحات رئيسها وتعبيرات ممثلي أغلبيتها داخل البرلمان، يجمعون على المطالبة بإلغاء كل أشكال التطبيع مع الكيان الصهيوني، فما الجدوى اليوم من التشبث بهذه الاتفاقيات مع كيان عنصري وغاصب ومجرم؟ لقد كانت تلك الاتفاقيات أكبر خدعةٍ خضع لها المغرب الرسمي، عندما قبل مقايضة مواقفه التاريخية من القضية الفلسطينية باعترافٍ رئاسيٍّ أميركي باهت بسيادة المغرب على إقليم الصحراء. والآن بعد تغير ساكن البيت الأبيض، ومرور أكثر من ستة أشهر على تلك الاتفاقيات، لم يتحقق منها أي شيء بخصوص تجسيد الاعتراف الأميركي بالسيادة المغربية على إقليم الصحراء الذي لم تؤكده أو تنفه الإدارة الأميركية الحالية، وكان من شروط تجسيده على أرض الواقع فتح قنصلية أميركية في الإقليم المتنازع عليه، لكن لا أثر لها حتى اليوم على الأرض.

خسارة المغرب من وراء تلك الاتفاقيات أكبر بكثير مما يمكن أن يمثل ربحا غير موجود من إبرامها، وأكبر خسارة سجلها هي التي مست رصيده الرمزي في الدفاع عن القضية الفلسطينية، مجسّدا في رئاسة عاهله لجنة القدس التي لم يصدر عنها حتى اللحظة أي موقف مما يجري، بينما شرارة العدوان الحالي على الفلسطينيين انطلقت من القدس، ومن حي الشيخ جرّاح في المدينة المقدّسة التي تعتبر جوهر الصراع العربي الإسرائيلي. على المغرب الرسمي، الذي ما زال يعبر عن موقفه بجرعاتٍ صغيرة، أن يتخذ موقفا صريحا ينسجم مع مواقفه التاريخية، ويصطفّ بوضوح وبدون تلكؤ إلى جانب أصحاب الحق الأصليين والحقيقيين، ويعلن نهارا جهارا إلغاء كل اتفاقيات التطبيع المتسرّع على الكيان الصهيوني، وطرد ممثل هذا الكيان، بلا رجعة، من المغرب، كما سبق أن فعل عام 2000 عقب عدوان إسرائيلي على الضفة الغربية وقطاع غزة، والذي على الرغم من بشاعته، لا يمكن مقارنته مع حجم الجرائم التي ترتكب اليوم ضد أبناء الشعب الفلسطيني في غزة والضفة الغربية وداخل أرضي فلسطين التاريخية.

جاءت اتفاقيات التطبيع التي وقعها المغرب الرسمي مع الكيان الصهيوني بقرار فوقي لم تناقش داخل البرلمان، ولم يتم استشارة الشعب المغربي قبل توقيعها، وإسقاطها اليوم لن يكون فقط تصحيحا لخطأ وقع، وإنما سيعيد إلى المغرب رصيده الرمزي التاريخي، شعبا وحكومة وملكا، في الدفاع عن الحق ونصرة المظلوم. على المستوى الشعبي، المغاربة اليوم مدينون للمقاومة الفلسطينية الباسلة، لأنها حرّرتهم من خوفهم، ودفعت سلطات بلاهم إلى فسح المجال العام أمامهم للتظاهر بحرية في مدنهم وقراهم نُصرة للحق الفلسطيني. وعلى الجانب الرسمي المغربي أن ينتهز هذا الزخم من قوة الإرادة الشعبية التي بثتها المقاومة الفلسطينية في كل البيوت العربية، وفي مراكز القرار في دول عربية، للخروج بموقفٍ مشرّف يعيد إلى الشعب المغربي عزّته، وللنظام المغربي شرف انتصاره للحق ووقوفه ضد الظلم، وهذا هو أقل دعم يمكن أن يقدّمه المغرب، شعبا وحكومة وملكا، نصرة للفلسطينيين ولقضيتهم العادلة. سقطت اتفاقيات التطبيع بين المغرب وإسرائيل شعبيا ورسميا، وقبل ذلك أخلاقيا وسياسيا، وآن الأوان لإسقاطها بصفة نهائية، وسن قانون يجرّم كل أشكال التطبيع مستقبلا، كما تطالب بذلك كثير من التعبيرات السياسية والمجتمعية في المغرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى