الرئيسيةكتاب وآراء

إصلاح التعليم العالي ضرورة تفسدها المقاربة التقنية

محمد حمزة: استاد التعليم العالي بكلية العلوم بنمسيك

إن تاريخ إصلاحات التعليم في المغرب هو تاريخ تعاقب الإصلاحات التعليمية ومراكمة الإخفاقات. فجميع الإصلاحات تعاملت مع أزمة التعليم بشكل تقني، غاب عنها التصور الشامل الذي يضع النظام واختياراته تحت المجهر، ويحدد الأسباب الحقيقية لهذه الأزمة. لقد انفردت الدولة باتخاذ قرارات مصيرية، وتهميش لقوى المجتمع ومختلف المؤسسات والهيئات التي لها علاقة بقطاع التعليم. وتعاملت مع أزمة التعليم بمعزل عن بقية القطاعات، مما يوحي أن الأزمة تهم هذا القطاع فقط والحال أنها أزمة شاملة… وكل إصلاح يأتي لمعالجة أزمة التعليم ينتهي بفشل ذريع ويؤزم الوضع أكثر.

لا يختلف الإصلاح الحالي عن الإصلاحات التقنية السابقة، الذي تسعى من خلاله الوزارة ترميم الأعطاب اللغوية والمهارات الحياتية، في غياب توفير كتلة مهمة من الإمكانات المادية والبشرية من طرف الحكومة، وفي غياب تقييم شامل للتغيير الذي وقع في ميدان التعليم في الثمانينات وسمي تعريبا، ومساءلة القرار الحكومي آنذاك بتعريب المواد العلمية إلى حدود البكالوريا! مع الإبقاء على العلوم في الجامعة باللغة الفرنسية.

استبطن الإصلاح الحالي الخطاب الاقتصادوي للتعليم، ورفع شعار ملاءمة التعليم لسوق الشغل، وكأن الجامعة مهمتهما الأساس هي الإعداد لسوق الشغل فقط. ومن خلاله تنزلق التكنوقراطية المغربية مرة أخرى إلى النفعية السريعة، على حساب شعار التعليم استثمار استراتيجي، أي الملاءمة الصارمة للمنظومة التربوية وللتعليم العالي لسوق الشغل الضيقة أصلا، واعتبار كل ما هو نطري وفكري “ترف” بالنسبة للمغاربة. وأن المطلوب هو تكوين تقنيين قابلين للاندماج في سوق الشغل، بينما الواقع هو أن سوق الشغل تتغير انتظاراتها بسرعة أكبر من سرعة التكوينات؛ فالمطلوب هو تكوين عام صلب، ووقت قصير للملاءمة بين التكوين العام والخاص.

فمنذ أكثر من أربعين سنة من الإصلاحات ما زلنا نركز على نفس الهندسة البيداغوجية ونحافظ على نفس الحقول المعرفية، والتي تغيرت وأعيدت صياغتها عالميا، وبالتالي نفرغ المضامين القديمة في علب جديدة. دون الاستجابة للتحديثات التي عرفتها المعرفة.

أُعِدَّ نظام البكالوريوس بشكل مركزي وفي دهاليز التكنوقراط من لدن مسؤولين مُعَيَّنين، الأمر الذي يجعله إصلاحا متسرعا؛ وهو مخطط استعجالي جديد بدون إمكانيات مالية، وبتوجه نحو المهننة واللغات، على حساب التخصص والبحث العلمي والتكوين الصلب ودور الجامعة في تكوين الباحثين والمفكرين والكفاءات العالية التكوين.

تكمن خطورة نظام الإصلاح الجديد في تهميش دور المؤسسات المنتخبة البيداغوجية والإدارية لصالح المعينين وتغول رؤساء الجامعات، حيث أصبح المسؤولون يتدخلون في كل صغيرة وكبيرة (المجالس، الوحدات، …)

إن تغول المسؤولين ….. في بلد لم ينجز بعد انتقاله إلى الديمقراطية، ويعاني من مختلف مظاهر التخلف على جميع الأصعدة، وغياب الشفافية وانعدام آليات المراقبة والمحاسبة، وهيمنة عقلية اقتصاد الريع لا يمكنه إلا أن يوجه الضربة القاضية للجامعة العمومية.

كما أن المقاربة التقنية لا تخدم الجودة، وما نعيشه الآن في المدرسة والجامعة العموميتين، هو تقزيم الأدوار المعرفية والقدرات العميقة لصالح المهارات السطحية. والانتقال من المضامين إلى المهارات، هو انتقال من نظام الأنساق وبناء العقل إلى التقنوي والتقني ورد الفعل، أي: التطبيق البسيط والسطحي بدل التفكير العميق.

يرجح الإصلاح الجديد مرة أخرى السياسة التيقنوقراطية، ويغيب عنه الانسجام والرؤية الاستراتيجية، وسيفرض مزة أخرى إجراءات لا علاقة لها بالواقع، لأنه لم يسائل التصور الرسمي، الذي يرى في الجامعة الوطنية العمومية المفتوحة لكل بنات وأبناء الشعب المغربي، الراغبات والراغبين في تكوين عال عصري ومنتج، هو: “لوكس” –ترفا- بالنسبة للمغاربة والمغرب، ولم يسائل الغرس المتسرع للنظام الأوربي: إجازة- ماستر- دكتوراة – LMD- سنة قبل تطبيقه في فرنسا، وبدون إمكانيات مادية وتربوية )المناصب المالية، التجهيزات، ميزانيات التسيير، البحث العلمي….( والنتيجة بعد سنوات التجريب، هي تغيير نظام الامتحانات وتمديد شكلي للسنة الجامعية، وتقزيم حرج للمعارف الجامعية، لحساب منظور يهتم بالإجراءات والمساطر والأجندات الجامدة.

إن إصلاح التعليم العالي اختبار وطني استراتيجي لا يستقيم مع الرؤى التقنوقراطية مهما بلغت دقتها إن هي لم تستجب لمحددات وطنية أساسية.

إن رفع تحديات الثورة المعرفية والتكنولوجية وتحديات العولمة، يحتاج إلى جامعة وطنية حيوية ومنتجة، وإلى وسط جامعي يلعب كل أدواره الأكاديمية بدقة وصرامة، ليقود من جهة، إلى انخراط البلاد في الثورة المعرفية الكونية، وليمارس من جهة ثانية، وظيفته النبيلة باعتباره ضميرا نقديا للأمة، مما يزيد من الحاجة الملحة للإصلاح، وإلى تعاقد منتج لإنقاذ الجامعة العمومية والتعليم العالي العمومي، وإلى مصالحة تاريخية مع الجامعة والمدرسة العموميتين، وإلى جبهة وطنية للدفاع عن المدرسة والجامعة العمومية العموميتين.

صحيح أنه ليس كل شيء في تعليمنا العالي موضوع كساد وأزمة وفشل، فهناك جنود الخفاء الذين يقومون بالتضحيات الجسيمة، في كل المواقع الجامعية، من أجل الرقي بمنظومة التكوين والبحث، رغم كل الإكراهات المتعددة وضعف الإمكانات المادية والمعنوية. فبدل وقف سياسة التهميش والتأزيم، لرد الاعتبار والثقة للجامعة العمومية في عصر يتأسس على الإنسان في علاقته بمجالات المعرفة والعلم والتكنولوجيا، نرى أن الحكومة تتبنى سياسة الهروب إلى الأمام، بترسيم وتقنين جامعات خمس نجوم لأبناء الطبقات “الميسورة” وجامعات آيلة للسقوط التي أصبحت فضاء لحشر بنات وأبناء الأسر ذات الدخل المحدود والأسر الفقيرة.

إن الرهان على التعليم العالي الخاص لحل أزمة التعليم العالي ببلادنا هو رهان فاشل، لأن فلسفة الجامعات الخاصة التي تقوم على الربح، فلسفة سلبية، تضر بالمجتمع وتهدف إلى التخلص من مبدأ تكافؤ الفرص، وتكرس التفاوت الاجتماعي ودخول الخدمة العمومية التعليمية الى عمل تجاري استثماري. ويغيب البحث العلمي الذي تفتقد له هذه الجامعات الخاصة.

إن الخطر الذي يهدد التعليم العالي في المغرب أكثر من أي وقت مضى، هو أن الجامعة العمومية مهددة بالسياسات اللاشعبية واللاديمقراطية، وذلك بتشجيع القطاع الخاص، والأداء في مؤسسات الشراكة عام – عام والتي سميت زورا عمومية، لولوج مقنن مستفيدا من امتيازات وموارد هائلة لا تمنح للجامعة العمومية، مما سيؤدي إلى تقليص فضائها عبر تقليص فضاء المؤسسات ذات الاستقطاب المفتوح.

في إطار هذا التوجه؛ فإن المهمة الرئيسة للنقابة الوطنية للتعليم العالي: الدفاع عن الجامعة العمومية، وحق أبناء الشعب المغربي في تعليم جامعي عصري، والدفاع عن المطالب المادية والمعنوية للسيدات والسادة الأساتذة الباحثين باعتبارهم موظفين في الدولة، وليسوا مستخدمين بشكل ممتد في الزمن، والتأكيد على إصلاح يربط الشكل بالمضمون على الصعيد التربوي والدمقرطة والفعالية على صعيد الهياكل وربط التكوين بالبحث العلمي، وتكريم هيئة البحث والتدريس والدفاع على مركزها الاعتباري واستدامة مهنة الأستاذ(ة) الباحث(ة)، حتى يستطيع مراكمة أعمال البحث والممارسة التربوية والبيداغوجية، والمساهمة في تطوير مجتمعه وخدمة وطنه.

وهذه المهمة ترجمة لصراع استراتيجي بين تصورين للجامعة المغربية وتصورين للمجتمع المغربي في الألفية الثالثة المؤسس على المواطنة والحداثة والديمقراطية والمساواة والتضامن والابتكار والاجتهاد وتعتبر التعليم العالي العمومي استثمار استراتيجي. وتصور يعتبر الجامعة العمومية ترف وتكلفة مالية لا طائلة من وراءها لدى فانه يتعامل مع ازمة التعليم بشكل تقني وبدون تصور .

أمام هذا الوضع المؤزوم جامعيا؛ فإن المطلوب نقابيا هو وقفة نضالية هادفة، بعيدة عن أي تخندق مصلحي أو مصلحي سياسوي أو مصلحي فئوي محدود، لإعادة بناء اللحمة النقابية وتنظيم رجوع النقابة الوطنية للتعليم العالي باعتبارها نقابة عالمة ومواطنة إلى الفضاء الكفاحي الديمقراطي والنضالي الهادف. وذلك بإعادة رسم الاستراتيجية النقابية على قاعدة الملف المطلبي الشمولي وربط المطالب المادية للأساتذة الجامعيين بالدفاع عن الجامعة العمومية الجيدة والمنتجة والمندمجة في عصرها، عصر المعرفة والديمقراطية. وربط الإصلاح البيداغوجي بالنظام الأساسي العادل والمنتج والمحفز على الاجتهاد ودمقرطة الجامعة واستقاليتها وتوحيدها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى