منوعات

حالة الطوارئ في الدساتير الديمقراطية

حسناء يونسي

من بين أهم الأسباب التي قامت عليها الدولة ومن بعدها الدساتير هو رغبة الانسان في العيش ضمن جماعة منظمة  لحماية حقوقه الطبيعية وتأسيس هيكل ينظم هذه الحقوق والحريات وأسمى ما يحتاج الانسان حمايته هو : الحرية والكرامة باعتبارهما من بين أهم القيم الأساسية بالنسبة له وهذا ما يؤكده الفيلسوف جون جاك روسو”أن الناس أحرار ومتساوون بالطبيعة “[1] ،إذا كان هذا هو الهدف من تأسيس الدولة والدساتير فيجب على الدولة ألا تستغل ما منح لها من سلطات وصلاحيات لانتهاك حقوق وحريات الفرد إلا بقدر ما تفرضه حماية حقوق وحريات الأفراد الآخرين كما يقر بذلك الفيلسوف جون لوك الذي يقول “ويعلم العقل الذي يكون هو القانون ، كل البشر إذا استشاروه أنهم لما كانوا جميعا متساوين  ومستقلين فإنه لا ينبغي أن يوقع أحد منهم ضررا بالآخر في حياته أو صحته أو حريته “[2] لكن الملاحظ أن الدولة أصبحت تتدخل في تفاصيل الحياة اليومية للرعايا مما يدل على هيمنة و توسع سلطتها وصلاحياتها على حساب الحقوق الأساسية للأفراد ، وتتعذر في ذلك بأن هدفها هو تحقيق المصلحة العامة والخاصة وليس المساس بحرية المواطنين والتي يضمنها الدستور كأسمى قانون في البلاد المؤسس بداية من أجل حماية حقوق الانسان ووضع قواعد تحكم العلاقة بين الفرد والدولة. من بين أهم مظاهر تحكم الدولة هو فرض حالة الطوارئ والتي بسببها تقيد حرية الفرد ،هنا يصطدم الحق و الواجب ؛ حق الفرد في حريته وواجب الدولة في حماية هذا الكائن البشري،و لما كانت الحالة الاستثنائية من شأنها المساس المباشر بالحقوق والحريات العامة والخاصة للأفراد بهدفه حماية أمنهم واستقرارهم وحفظ النظام العام، فكيف وفقت دساتير الدول الديمقراطية : فرنسا ،أمريكا ،وبريطانيا بين حفظ النظام العام  وحماية الحقوق والحريات باعتبارها الاساس التي قامت عليه الدولة وأيضا واجبها؟

يبدأ إعلان حقوق الانسان و المواطن (1789) الذي يعتبر أساس الدساتير الفرنسية المتوالية بمقولة شهيرة”يولد الناس ويعيشون أحرارا ومتساوين في الحقوق ” بمعنى أن الحرية قيمة عظيمة تولد مع ولادة الانسان لا يمكن حرمانه منها ،  في هذا الصدد نجد أن روسو الذي يعتبر الحرية صنف ملازم للإنسان في حياته الطبيعية السابقة على التعاقد يقول “ولد الانسان حرا إلا أنه مكبل بالأغلال في كل مكان “[3] ويقصد روسو هنا أن المجتمع المدني يقيد الفرد بجعله عبدا للقانون أو للسلطة السياسية رغم أنه ولد حرا من حيث أنه إنسان ، إن حالة الطوارئ يمكن أن تكون من بين الأغلال التي تحدث عنها روسو بما أنها تقيد حرية الانسان وتفرض عليه أمورا يكون ملزما بتنفيذها رغم رفضه لها وعدم رغبته بها وإلا سيعاقب أي إما الخضوع وإما العقاب لعصيانه قرارات الدولة فلا حديث للحرية في هذه الحالة ، حالة الطوارئ بما هي حالة استثنائية تتطلب تعليق بعض الحقوق الطبيعية للفرد خلال مدة زمنية محددة من طرف السلطات المختصة ، تعرف حالة الطوارئ عند الفرنسيين بأنها حالة أو ظرف استثنائي يفرض بهدف حماية البلاد من الخطر”إن القانون الصادر في 9 غشت بفرنسا الذي تم تقييده جزئيا بموجب قانون 4 أبريل 1878 نص على أنه يمكن الإعلان عن حالة الاستثناء السياسية من فبل البرلمان أو من قبل الرئيس في حالة وجود خطر وشيك يهدد الأمن الخارجي أو الداخلي “[4]  ومن المعلوم أن نظرية الظروف الاستثنائية  ظهرت خلال الحرب العالمية الأولى(1914ـ 1918) من طرف مجلس الدولة الفرنسي حيث اعتبرت حالة الطوارئ من ظروف الحرب التي تمكن السلطة الإدارية من اتخاذ قرارات  رغم مخالفها للقانون العادي ، وعند الامريكيين هي عبارة عن نظام لمواجهة ظروف طارئة غير مستقرة تضر باستقرار البلاد وأمن المواطنين وإعلان حالة الطوارئ حق يمنحه الكونغرس للسلطة التنفيذية للتعامل مع الأزمات الطارئة ويمكن إعلان حالة الطوارئ باعتماد قانون الطوارئ الوطني لسنة 1976 والذي يمنح للرئيس صلاحية إعلان حالة الطوارئ مع ضرورة توفر تفاصيل إجرائية قبل الاعلان،وأيضا قانون ستافورد 1988  وهو قانون للإغاثة في حالات الكوارث الطبيعية والمساعدة في حالة الطوارئ وقد التجأ ترامب الرئيس الأمريكي إلى قانون الطوارئ الوطني لضمان عدم تعرض الأمن القومي للخطر وعدم حدوث أزمة انسانية في الحدود الأمريكية المكسيكية لتخصيص ميزانية من وزارة الدفاع الأمريكية لتمويل بناء الجدار على الحدود المكسيكية هذا القرار أثار انتقادات واسعة قانونيا ودستوريا فقد استنفر الديمقراطيين وغيرهم للاحتجاج ضده ورفضه لأنه في نظرهم قرار خاطئ وهدر للمال العام خاصة مع انخفاض عدد المهاجرين الغير الشرعيين،و انقلاب على الدستور وعلى السلطة وتجاوزها. كما استخدم قانون ستافورد لمواجهة فيروس كورونا وأعلن حظر التنقل والسفر كحق يضمنه الدستور،وقد جاء في المادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية “لكل فرد يوجد على نحو قانوني داخل إقليم دولة ما حرية التنقل فيه وحرية اختيار مكان إقامته”[5] أما في ابريطانيا فاعتبرت حالة الطوارئ أو الأحكام العرفية(وهي حكم عسكري تفرضه السلطات في بلد ما في حالة الطوارئ عندما تعجز السلطة المدنية عن تطبيق القانون أو تسيير البلاد ويكون في حالة طوارئ مؤقتة كغزو خارجي أو عند حلول كارثة طبيعية أو احتلال عسكري كما فعلت بريطانيا في مصر)تفرض عند وقوع ظروفا طارئة تؤثر على السير العادي لنظام الدولة فهي حالة يجوز فيها تجاوز المبادئ الدستورية المتعارف عليها فبريطانيا فرضت الأحكام العرفية على مصر ووضعت الرقابة على الصحف وهذا يعني انتهاك لحرية التعبير كحق يضمنه الدستور ، والمواثيق الدولية فقد جاء في المادة 19 ” لكل إنسان الحق في التعبير ويشمل هذا الحق حريته في التماس مختلف ضروب المعلومات و الأفكار وتلقيها ونقلها إلى الآخرين دونما اعتبار للحدود سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى يختارها”[6]

إن حالة الطوارئ بالضرورة تقف في وجه الحقوق والحريات التي كان الفرد يتمتع بها في الايام العادية بسببها تقيد حرية التنقل والتجول والسفر و يتعرض الأفراد للاعتقال والتفتيش لكن الدولة تتعذر في ذلك بأنها تحمي البلاد والعباد يقول هنري دولباخ “الشعب لا يعرف السعادة إلا في  ظل حكم موافق لقوانين الطبيعة البشرية “[7] وحالة الطوارئ هذه لا تتماشى وقانون الطبيعة البشرية لأنها تقيد حرية الانسان ، فالمشرع الفرنسي أعطى السلطات الإدارية إمكانية السماح للأمن بتفتيش الأماكن أو المنازل المشكوك فيها ليلا أو نهارا دون إذن قضائي في حالة الطوارئ وهذا ما جاء في المادة 8 من قانون الطوارئ الفرنسي لسنة 1955، هذه المادة تعلق حرية المسكن وحرمته ، أما حرية التنقل  فنفس القانون الفرنسي أقر على أنه يمكن للمحافظ أن يمنع الأشخاص و السيارات من التنقل في حالة الطوارئ خلال المدة الزمنية المحددة ، بمعنى أن الفرد يمنع كليا من حقه في التنقل والسفر.

ومفاد  القول انطلاقا من هذه الرؤى الثلاث أن حالة الطوارئ هي حالة يتم فيها تعليق المبادئ الدستورية من حقوق وحريات ، وبما أن حرية الفرد محمية بموجب القانون ،فهذا الأخير هو من يفرض حالة الطوارئ التي تحد من هذه الحرية ،فالحالة الاستثنائية أو قانون الدفاع يفرض عندما لا يستطيع القانون العادي و الاعتيادي مواجهة الخطر الذي يترصد البلاد والعباد.

[1] /ليو شتراوس و جوزيف كروبسي “تاريخ الفلسفة السياسية من جون لوك حتى هيدجر” ترجمة محمود السيد أحمد، مراجعة وتقدبم: إمام عبد الفتاح إمام، المركز القومي للترجمة ، طبعة الثانية 2018 ص:127

[2] / نفس المصدر ص : 9

[3] / ليوشتراوس وجوزيف كروبسي، نفس المصدر ص: 125

[4]  جورجيو أجامبن “موجز تاريخي عن حالة الاستثناء ،ترجمة محمد ضريف، موقع بناصا 5 أبريل 2020

[5] حقوق الانسان ووضع الدستور ،الأمم المتحدة ،حقوق الانسان ،مكتب المفوض السياسي نيويورك وجنيف 2018

[6] /نفس المصدر

[7] فولغين “فلسفة الأنوار ” ترجمة هنرييت عبوبي ،مراجعة : جورج طرابيشي، دار الطليعة للطباعة والنشر،الطبعة الأولى، ص: 137

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى