الرئيسيةكتاب وآراء

ما من مرحلة انتقال ديموقراطي في وطننا

اسلماني عبد الغني

لا غرو أن التغيير السياسي سنة كونية، وسؤال قائم لدى كل الأمم والشعوب، إذ أنه يكون من داخل البنية الدستورية أو من خارجها. فالتغيير الذي يكون من داخل البنية الدستورية يسمى عادة الإصلاح؛ ويقوم به النظام السياسي من تلقاء نفسه أو تحت ضغط حركة اجتماعية منظمة تعرف ما تريده، والتغيير الذي يكون من خارج البنية الدستورية؛ هو الذي يأ مخافضةتي نتيجة حركة انتفاض/ثوري، أي أنه يكون جذريا وغالبا ما يأتي بالجديد.

عندما نستحضر نماذج من تاريخ الأمم، نستطيع فك شيفرة سؤال مرحلة انتقال ديموقراطي من دونها، وهذه المرحلة الانتقالية نحو الديموقراطية غير مؤطرة بنظرية معينة على حد تعبير المفكر العربي عزمي بشارة؛ فهي يمكن أن تكون حالة انتقال الفرد مثلا من سن ما إلى سن آخر، اي من مرحلة شباب إلى مرحلة كهولة مثلا…الخ، إلا أن ما وقع نهاية عام 2010 وبداية عام 2011، واطلق عليه اسم “”الربيع العربي”” كان في معظمه مطالبة بالإصلاح رغم فرار بعض رؤوس مركب السلطة في أكثر من بلد، وذلك نتاج للخط الذي ساد خلال الانتفاضات؛ وهو خط اصلاحي لا شك في ذلك، أي أنه كان يبتغي الإصلاح من داخل البنية الدستورية القائمة، مع تسجيل بعض الاستثناءات، إلا أنه بالمجمل جوبهت كل هاته الأمور بتجاوب من لدن الأنظمة السياسية، وهي مرحلة تماهي قامت بها النظم في القطر، في تكرار لتجارب الاحتواء كما نتذكر جميعا خلال ثمانينات القرن الماضي عندما عمت انتفاضات الخبز كل القطر وفي طليعتها انتفاضة الشعب المغربي التي عرفت “بانتفاضة الكوميرة”، لكن سرعان ما استعادت الأنظمة زمام المبادرة وعادت مستندة على صلابتها العنيفة في تدبير علاقتها بالشعوب، وهذه طريقة معهودة لدى كل أنساق الاستبداد في تدبير مراحل شائكة سياسيا.

في سياق متصل، تقلدت نخب سياسية مقاليد السلطة منذ خمسينات القرن الماضي وبقيت محافظة على أنماط العمل، بل أنضجت الآليات وجددت في الطرق حتى صارت متمرسة جدا وهو أمر عادي جدا في غياب قوى سياسية حاملة لمشاريع معقولة وبرامج إنقاذ في لحظات حاسمة كما هو الحال في سياق الانتفاضات التي عمت القطر العربي.

فنموذج الانتفاضات التي وقعت في أوطاننا تختلف تماما عن نموذج الثورات الكلاسيكية، فالخصوصية التي تميزت بها هذه الثورات جعلت منها استثنائية رغم أنها كانت من خارج البنية الدستورية وهذا ما أكده عزمي بشارة أيضا في أكثر من نقاش، وكذلك أبرز هذه الفروق الدكتور سلمان بونعمان في كتابه الموسوم بعنوان” فلسفة الثورات العربيه”، فهذه النضالات قادها شباب في معظمه يعيش الحيف والبطالة وكذلك التهميش من العملية السياسية، مما جعلها تبدو عفوية وساذجة إذا صح التعبير. لكنها قوية ومنذرة بالكثير، كونها لم تنتهي بعد ولا يصح اعطاء حكم نهائي بخصوصها.

وهكذا، فإن مرحلة انتقال ديموقراطي حقيقية تقتضي بداية توافق سياسي بين القوى الديموقراطية التي تخرج من حساباتها مسائل أيديولوجيا صلبة؛ من قبيل علماني في مقابل ديني…هلم جرا، لأن الأمر يتعلق بتدبير قضايا وطن وليس قضايا تنظيم سياسي له منطلقاته الداخلية. وهذا أمر لم تكن النخب السياسية في حواضرنا مؤهلة لطرحه أو على الأقل أنها لم تكن تستطيع تشكيل الأغلبية المريحة.

في مقابل هذا، استطاعت النخب التقليدية/نخب السلطة بخبرة عقود من الزمن أن تجاري المرحلة بحنكة ودهاء، وظفت فيه الاستقطاب لدرجة التضخم عبر مؤسسة القضاء أساسا عبر احياء ملفات تذكي الخصام وتزيد الطين بلة.

ثم استغلال الصحافة والمجيئ ببعض الصحافيين لهذا الغرض؛ اي لغرض الهجوم والتحامل لضرب طرف من أجل طرف آخر…وهكذا، ناهيك عن حالة الترهيب والتخويف الذي قامت به قوى معادية للانتقال/ (قوة الثورة المضادة) إذا جاز هذا التعبير، وهي قوة يصعب جدا التعامل معها، لأنها تناور مع الجميع، فهي تعطي هامشا للتعبير حسب المصالح…لكنها لا تعطي كل حق مطلوب، فهي مستعدة لتوظيف اي بنية فكرية أو أيديولوجيا للقضاء تماما على سؤال الديموقراطية والنظام العام الأخلاقي.

بالمحصلة، يكفي أن نتأمل التجارب جيدا، فالانفتاح على تجارب كانت إلى وقت قريب أكثر منا نكوصا والآن أصبحت في مصاف الديموقراطيات التي تقرر على الأقل في شأنها الداخلي وجوارها الاقليمي، فنحن لسنا أقل شأنا من غيرنا، فلنا من الزاد الفكري والسياسي ما يكفي لنتجاوز وهن الهبوط إلى رحابة مغازلة الديموقراطية وذلك أضعف الايمان.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى