الثقافةالرئيسيةالفن والثقافة

حكاية الخلق الثانية

مهند الخيكاني

الراوي/ أحد أحفاد أبليس

المكان / السماء الرابعة. بعد نهاية العالم وانتهاء الاختبار. في مجلس يختلط فيه الرجال والنساء والشياطين والغيلان والحيوانات وغيرها من المخلوقات. أولئك الذين سمعوا عن الأرض من أسلافهم يجتمعون اليوم كي يسمعوا النسخة الأخرى لما حدث:

بعدما ملئت الأرض قسطا وعدلا بظهور البطل الذي انتظرته الناس طوال القرون الماضية، وعاشت إثر ذلك عقودا من الخير تعم الأرجاء، وخلت الأرض من الظلم والطغاة والفقر وسوء الخلق.. أصيبوا بالملل.
إذ لم يكن طعم الخير مرضيًّا للجميع، فقد تحسّسه بعضهم ووجد أنه يشبه من يأكل يوميا الوجبات نفسها، حتى أصابته تخمةٌ لم تكن في الحسبان. ولهذا وعلى سبيل التغيير، نشأت طوائف من الناس، رغم اختلافها في قضايا وجدانية، كانت مهمتها الدعاء، كلٌ يدعو الإله الذي رآه بعين عقله وجوهر قلبه، كي يظهر بطلٌ جديد ينقذهم من المأزق الذي وقعوا فيه. بطل يمكنه أن يثير الدمار ويبث الشرور والأحزان من جديد، بطلٌ يعيد إليهم النصف المفقود من بشريتهم، ويعيد إليها جانبها القيّم الذي يخلق أهمية ومكانة لنقيضه.

وها هي البشرية، بعد كل ذلك العذاب تنتظر من جديد، إلا أن الانتظار هذه المرة أكثر رعبا، إذ لم يبق من الزمان سوى القليل، النهاية تحاصر الكائنات جميعا، بينما تقترب كفكٍّ مفترس لا يكاد أحد يتحسس حركته البطيئة، لكن قبل انطباق الفك بلحظات وإعلان تحقق المحتوم، ظهر رجل له من كل نبي مرسل أبرز صفة أو معجزة عرف بها، رجل قيل بحقه إنه الكمال بذاته حين أظهر كل تلك الممكنات وذهل بها أذهان الخلق، وعُرف في بعض المدن على أنه تجسيد لذلك الذي لا يُرى ولا يُلمس إلا عبر مخلوقاته وعجائبه المنسوبة إليه وهي لا تحصى، ومنها انقسمت الناس بين أتباع لبطل الخير، وهذا الرجل الذي أقنع الجميع لاحقا بأن لا وجود للخير ولا الشر، ولا للخطأ أو الصواب، وليس هناك غفران مجاني للأبيض ولا يقترن الأسود بالفظائع والخيبات، وكل ما ينذر بالسوء، كلها كيان واحد مثل نهر يجري ولا يتفرع إلا كي يضللهم، ولما اطمأنوا إليه فتح لهم بابا صغيرةً في الفراغ وأخبرهم، أن النجاة تقبع خلف ذلك الباب، أما شرط تسلّم مفتاح العبور منها فهو التصديق بما قاله لهم. وفي مثل أحوال كهذه تتعلق بالهرب والنجاة، يذوب التشكيك كما يذوب الملح، ولهذا صدقوه في النهاية.

وحينما عبروا الباب واستغرقت البشرية كل الوقت المتبقي لها في حلقة الختام، إذ لا عودة إلى مرحلة الحصار، صُدموا بجدار ضخم لا نهاية لارتفاعه، ولا تؤدي جوانبه إلى جهة أو أبواب أُخَر. فنادوا على الرجل الإله كي يستفسروا منه عن هذا المآل، فظهر لهم المُنادى، لكن ظهر بهيئة منفّرة: قرنين أسودين وذيل يشبه الأفعى حين تتلّوى، ووجه مثلث عند الفك السفلي والظلام يشعُ من وجهه وجسده، فبادرهم بنبرة مستخفة كما لو أنه على خشبة مسرح:
ـ هاهاهاهاها، لقد أغويتكم جميعا هذه المرة حتى من كان مخلصا منكم.
فردّوا عليه بصوت واحد :

ـ هاهاهاهاهاهاها. أنت من خدعت يا مسكين. فلم يعرف ما يقصدونه بالضبط. عندها خلعوا أقنعتهم جميعا، فظهرت وجوههم المثلّثة المشعّة بالظلمة، وحلّقت ذيولهم الشبيهة بالأفاعي تتلّوى في الهواء على مرأى من ملامحه المتصنّمة الشاحبة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى