الرئيسية

حبشي: “هذا صوت الطلبة والمدير يجي دبا” عبارة دفعت حراس السجن للهجوم على المعتقلين (الحلقة 7)

“حكاية معتقل سري”، يحكيها أحمد حبشي، المعتقل السياسي السابق الذي قضى سنوات خلف الأبواب الموصدة للزنازن الباردة في زمن الجمر والرصاص، ضريبة عن مواقفه ومواقف رفاقه في العمل السري، منظمة 23 مارس”، التي سعت للثورة المسلحة، قبل العودة للعمل السياسي العلني.

حبشي الذي يروي قصته في زمن الجمر والرصاص، مثله مثل رفاقه قاوم العزلة وبرودة السجن، وحارب خوف سوط الجلاد وكأبة ظلمة السجن، وصبر على مختلف وسائل التعذيب، “الطيارة” و الشيفون”..، إليكم الحلقة السادسة من “حكاية معتقل سري”.

“لم يكن المعتقل السري مكانا للقمع واستنزاف قدرات المعتقلين على المواجهة والصمود ، بل كان فرصة لمراجعة الذات وتقييم التجربة ورصد أخطائها ، بمستويات مختلفة بمواقف كل من يرغب في مواصلة التجربة والذين أخذوا يتبرؤون منها ويحملون الآخرين فقط مسؤولية ما انتهت إليه ممارساتنا الجماعية.

“ارتكبنا خطأ كبيرا ونحن نغادر المعتقل السري ، فليلة ترحيلنا إلى السجن تسلمنا ملابسنا التي ولجنا بها المخفر ،وسمح لنا بالحديث المباشر بيننا والضحك على شكل بعضنا البعض وقد اختلف شكلنا وسط ملابس أصبحت لا تتسع لجسم الواحد منا ، خلعنا العصابة التي كنا ملزمين على ضبها بإحكام على أعيننا ، وظهرت ملامحنا كاملة وكأننا نتقابل لأول مرة خصوصا مع الرفاق الذين لم نتعرف عليهم إلا داخل المعتقل .

في تلك الليلة الاستثنائية التي شاركنا فيها الحراس فرحتنا بمغادرة المكان ، وكانوا كلهم من الشباب الملتحق حديثا بسلك الشرطة ، كشفنا لهم عن كل الأساليب التي كنا نعتمدها في التواصل فيما بيننا والأسماء التي كنا نطلقها على بعض زملائهم السابقين ، فأظهروا لنا ودا خادعا ، ما لبتوا أن أدمروه وعادوا إلى ممارسة القهر والعنف الغير مبرر على رفاقنا الذين تركنهم خلفنا بالمعتقل ، والذين لسبب من الأسباب تراجعت إدارة المعتقل على تأجيل ترحيلهم إلى السجن ، وأضافت إلى إقامتهم بمخفرها أربعة أشهر كاملة .

بقرار من قاضي التحقيق نقلنا إلى السجن المدني (غبيلة) بالدارالبيضاء ، كانت فرحتنا كبيرة ، أولا لأننا أصبحنا في مكان معلوم ويمكننا مقابلة أفراد العائلة ، وثانيا لأننا استعدنا حريتنا في الكلام ، حيث قضينا الليلة الأولى نغني ” ناس الغيوان ” “وجيل جيلالة ” وكل الأغاني التي يتقن البعض منا أداءها ،فضلا عن الضحك بالصوت العالي ونحن نستعيد اللحظات التي قضيناها بالمعتقل السري.

منذ البداية قسمتنا إدارة السجن إلى مجموعات وحرمتنا من التواصل المباشر بيننا ، وأصبحنا نخرج إلى ساحة السجن لدقائق معدودات في تقسيم للزمن المخصص للفسحة إلى خمسة فترات حسب عدد المجمعات ، كما أحسسنا بعض الغلظة في سلوك بعض الحراس وخصوصا رئيس المعقل ، التي أظهر الكثير من الحزم ليخيفنا ويحد من معنوياتنا المرتفعة . لم يكن كل ذلك يمر دون انتفاضة الرفاق ، بحيث اطلقت مبادرة الاحتجاج من أحد الزنازين ، ودون تنسيق مسبق ، بدأ الضرب على الأبواب ورفع الشعارات المطالبة بحضور المدير وفك العزلة: هذا صوت الطلبة والمدير يجي دبا ….هذا صوت الطلبة والمدير يجي دبا …

هاجمنا الحراس بالضرب والتنكيل يفتحون الزنازين الواحدة تلو الأخرى ويعبثون بأشيائنا البسيطة، وزادا على ذلك أن قاموا بتحليق رؤوسنا بشكل عشوائي، فأصبحت الرؤوس بقعا من الشعر متناثرة ، أظهر الرفاق صمودا أبهر المعتدين أحد الرفاق تعلق بباب الحديد الرئيسي وظل يصرخ بأعلى صوته وهم ينهالون عليه ضربا.

جاء المدير بعد حين تكلم بكثير من اللطف ووعدنا خيرا، غير أن لاشيء تحقق من المطالب التي تقدم بها الرفاق وأهمها فك العزلة ، وإن كان قاضي التحقيق قد سمح للطلبة باجتياز امتحانات نهاية السنة بالنسبة للطلبة الجامعيين .

بعدما التحق بنا الرفاق الذين مددت إقامتهم في المعتقل السري بدأ الحديث عن المحاكمة بعد أن قضينا أكثر من سنة في الاعتقال الاحتياطي وأنظم إلى مجموعتنا مجموعة من الرفيقات والرفاق الذين اعتقلوا سنة 1976، وأصبحنا نعرف بمجموعة السرفاتي ومن معه . فكان لا بد من خوض إضراب عن الطعام لتحقيق مطلب المحاكمة ، الذي استجابت له المحكمة وحددت تاريخ في شهر يناير 1977 بعد أن قررت عدم متابعة 105 من المعتقلين .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى