الرئيسيةالرياضة

قصص رياضيين مغاربة يختفون بمجرد الوصول إلى أوروبا

انضم ملاكمان شابان إلى عشرات الرياضيين المغاربة، الذين “اختاروا” الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا، بعدما اختفيا عن الأنظار، يوم الجمعة الماضي 16 أبريل/نيسان 2021، وغادرا مقر إقامة بعثة المنتخب المغربي المشارك في بطولة العالم للملاكمة للشباب، المقامة حالياً في العاصمة البولندية وارسو.

وكشفت تقارير إعلامية، استناداً إلى مصادر مقربة من وفد المنتخب المغربي للملاكمة الموجود في بولندا، أن رضا البويحياوي، الذي كان مقرراً أن يُنافس في وزن أقل من 60 كلغ، وزميله إلياس بنلمليح الذي ينافس في وزن أقل من 57 كلغ، غادرا فندق الإقامة واختفيا منذ الجمعة الماضي.

الملاكمان المغربيان اقتفيا آثار العديد من الرياضيين المغاربة، الذين استغلّوا مرافقتهم وفوداً رياضية رسمية في أوروبا من أجل تحقيق “حلم الهجرة” بطريقة غير نظامية، وهي طريقة تبدو أسلم من ركوب قوارب الموت، محاولين عبور البحر الأبيض المتوسط، منهم من بلغ غايته، ومنهم من قضى نحبه والتهم البحر أحلامه وجثته، مثل أيوب مبروك، بطل المغرب في رياضة الـ”كيك بوكسينغ” لـ4 مرات، الذي بلعته مياه المتوسط في العام 2018.

قبضة ملاكم تجني الفواكه

لم يعتقد الملاكم المغربي عبدالحق بنعمي، الشهير بـ”سبينوزا”، أن القدر سيرميه يوماً لجني الفراولة في حقول الجنوب الإسباني.

الملاكم المنحدر من مدينة الرباط، فاز ببطولات دولية وقارية في حقبة التسعينيات، ليجد نفسه بعد الاعتزال الاضطراري إثر إصابة بالغة في رسغ يده اليسرى يستخدم قبضته في جني الفاكهة، بعدما كان يطيح بها المنافسين على حلبات الملاكمة.

“سبينوزا” هاجر إلى إسبانيا على متن قارب مطاطي، في رحلة محفوفة بالمخاطر، تحت جنح الظلام، بعدما لم يخرج من مساره الرياضي الحافل سوى بميداليات معدنية خلّفها وراءه في المغرب.

علي حبابا، اللاعب السابق لفريق أولمبيك آسفي، البالغ من العمر 22 سنة، اختار سنة 2018 ركوب قوارب الموت، عقب استغناء الفريق عن خدماته.

علي حبابا، اللاعب السابق لفريق أولمبيك آسفي (مواقع التواصل الاجتماعي)
علي حبابا، اللاعب السابق لفريق أولمبيك آسفي (مواقع التواصل الاجتماعي)

يقول حبابا الذي يعيش حالياً في إشبيلية الإسبانية، لـ”عربي بوست”: “لم يكن أمامي من خيار سوى المخاطرة بحياتي، شعرت بظلم كبير بعدما قفل أمامي باب الرزق الوحيد وهو كرة القدم، تنكّر لي فريقي، وبات خيار الهجرة هو الوحيد”.

وأضاف المتحدث: “أنتمي لأسرة فقيرة مكونة من أم وأربعة إخوة، راهنت على كرة القدم، وتخلّيت عن الدراسة بسبب عدم قدرة أسرتي على مسايرة متطلباتها، لكنني وجدت نفسي في آخر المطاف دون شهادة دراسية، ولا فريق ألعب ضمن صفوفه، لن أسامحهم”.

صمت رسمي

لم يصدر عن الاتحاد المغربي للملاكمة، ولا عن اللجنة الوطنية الأولمبية -حتى اللحظة- أي توضيح بخصوص هروب الملاكمَيْن الشابَّين، بينما كشفت عدة تقارير صحفية أن الأمر يتعلق بهجرة غير شرعية للرياضيين الذين يفرون من واقع مؤلم نحو “الفردوس الأوروبي”، بحثاً عن آفاق أرحب.

وبات تكرار وقائع هروب الرياضيين في المغرب مع توالي السنوات يعطي المؤسسات المعنية “الحق” في الإحجام عن الخروج بتوضيحات حول ملابساتها، مادام أن الرياضي “اختفى وسره معه”، ولم يكل الاتهامات لمسؤولي القطاع الرياضي، الذين فشلوا في وقف “النزيف”، ولا في وضع منظومة رياضية سليمة، لا تدفع رياضيي المستوى العالي إلى اقتحام المجهول.

مصدر مطلع أكد لـ”عربي بوست” أن “الاتحاد المغربي للملاكمة لن يُصدر أي بلاغ في هذا الشأن قبل عودة وفد المنتخب من بولندا إلى المغرب بعد إسدال الستار على البطولة”، مضيفاً أن “مسؤولي وفد الاتحاد المغربي للملاكمة أخبروا سفير المملكة المغربية بوارسو، ورئيس الاتحاد البولندي للملاكمة المنظم لهذه البطولة العالمية، ومصالح شرطة العاصمة البولندية، بقضية الفرار، من أجل اتخاذ الإجراءات اللازمة”.

ورقة “الوطنية” المحروقة

الصمت لم يكن دائماً هو اختيار الاتحادات المغربية التي تُسجل لديها حالات هروب الرياضيين أثناء المشاركة في بطولات عالمية في القارة العجوز، فقبل 6 سنوات اختفى 5 ملاكمين مغاربة من فندق إقامة وفد المنتخب لـ”الكيك بوكسينغ والمواي طاي”، بالعاصمة الصربية بلغراد، أثناء مشاركتهم في بطولة العالم، وعادت البعثة الرسمية للمنتخب المغربي دون خمسة من رياضييها فضلوا الهجرة غير الشرعية، ويتعلق الأمر بكل من حميد باعراب، ومحمد الموخ، وكمال أوسطي، ورياض أزواغ، وطه الصغير.

الاتحاد المغربي للكينغ بوكسينغ خرج ببيان رسمي أثار الكثير من الجدل حينها، لاسيما أنه اتهم الهاربين بـ”انعدام الروح الوطنية”، معتبراً أن “الملاكمين كانت لديهم نية مبيتة للهروب، إذ في الوقت الذي كان زملاؤهم يستعدون لتشريف الراية الوطنية، كان هؤلاء منشغلين بالتخطيط للـ”حريك” (الهجرة غير النظامية).

الاتحاد المغربي قال إن “الهاربين تعمدوا الهزيمة للإقصاء من الأدوار الأولى، ضاربين بالدفاع عن الراية المغربية عرض الحائط”، في الوقت الذي أكدت فيه فيدرالية ممارسي رياضة الفول كونتاكت والكيك طاي بوكسينغ بالمغرب، أن “واقعة هروب الرياضيين هي نتيجة حتمية للتهميش الكبير من قبل الاتحاد”.

هروب موثق

إذا كان الملاكمان البويحياوي وبنلمليح اختارا الهروب في صمت، كما هو الحال في معظم الحوادث المشابهة، فإن المصارعين أيوب حنين وأنور طانغو، سجلا مقطع فيديو قبل هروبهما في مدينة تارغونا الإسبانية، إذ كانا ضمن الوفد الرياضي المغربي، الذي شارك في دورة ألعاب البحر الأبيض المتوسط، شهر يوليو/تموز من العام 2018.

وانتشر سريعاً لدى رواد المنصات الاجتماعية على الإنترنت، إذ شرحا خلاله الأسباب التي دفعتهما لاتخاذ قرار الهروب، التي لخصاها في الوضع الاجتماعي المزري لأسرتيهما، وفساد مسؤول في الاتحاد المغربي للمصارعة، الذي “ينهب مجهود الرياضيين” ويعاملهم باحتقار، فضلاً عن غياب التحفيزات المالية، كما قدم المتحدثان اعتذارهما للشعب المغربي، بسبب هروبهما وعدم تمثيل المنتخب المغربي في المنافسات.

ولعل مقطع الفيديو الأكثر شهرة للرياضيين “الهاربين”، هو الخاص ببطل التايكوندو أنور بوخرصة، الذي تداوله نشطاء مغاربة، في أكتوبر/تشرين الأول من 2019، عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وظهر فيه وهو يُلقي بإحدى ميدالياته في البحر أثناء رحلته عبر قوارب الهجرة السرية إلى إسبانيا.

الرياضي نفسه صرح بعد وصوله سالماً لإسبانيا وانخراطه في نادٍ محلي للتايكوندو أنه أقدم على رمي ميداليته الذهبية بالبحر، تعبيراً عما سمّاه بـ”الاستياء، لعدم الاكتراث لما حققته لصالح بلدي”.

بطل العالم السابق في الكيك بوكسينغ، المغربي مصطفى الخصم، تفاعل مع حادثة هروب بوخرصة، وقال إن “هروبه يعري الواقع الأسود للاتحاد المغربي”، كاشفاً أن “جميع انتقاداته السابقة كانت على صواب، وأكدها بوخرصة في تصريحاته وتدويناته على منصة فيسبوك”.

هجرة بصيغة المؤنث

الهجرة غير النظامية لدى الرياضيين المغاربة لا تقتصر على نوع رياضي محدد، بل تكاد تشمل جميع الأصناف الفردية منها والجماعية، ففي العام 2018 اختفى العداء المغربي أيوب سنيبة، المختص في سباق 1500 متر، وحمل القميص البلجيكي، بعدما مثل المغرب في بطولة العالم للشباب، التي أُجريت ببيداغوست البولونية في السنة نفسها، إذ لم يتردد العداء في قبول عرض التجنيس من قبل وكلاء الاتحاد البلجيكي لألعاب القوى، في ظل الأجواء السيئة التي رافقت رحلة بطولة العالم التي اشتكى العداؤون خلالها من ضعف الاهتمام، و”التقشف” غير المفهوم.

وشهدت السنة ذاتها هروب هشام بولعسل، لاعب منتخب المغرب للكرة الحديدية، في أبريل/نيسان، إذ توارى عن الأنظار مباشرة بعد إسدال الستار على الدوري الدولي لمدينة ريزون البلجيكية، إذ أبلغت البعثة المغربية اللجنة المنظمة والدائرة الأمنية بالمدينة باختفائه، وشدت الرحال للعودة إلى المغرب من دونه.

وسجل العام 2017 هجرة ثلاثة رياضيين مغاربة بطريقة غير شرعية، حيث أبت مريم بوحيد، لاعبة المنتخب الوطني لكرة القدم النسوية إلا أن تدون هروباً رياضياً جديداً بصيغة المؤنث، بعد اختفائها عن البعثة في اليوم نفسه الذي كانت ستعود فيه من الديار الإسبانية، بعد مشاركتها في الدوري الدولي لـ”كوتيف”.

مدربها مصطفى بنسليمان كشف في تصريح صحفي أنه تحدث هاتفياً مع اللاعبة قائلاً: “أعرف جيداً مريم، إنها لاعبة متخلقة وخجولة، اتصلت بها وأكدت أنها فعلاً ستظل في إسبانيا مع أحد أفراد عائلتها، مُبررة سبب إقدامها على هذه الخطوة بالبحث عن ظروف عيش أفضل”.

أيضاً اختفى لاعبان عن وفد المنتخب الوطني المغربي لكرة اليد، الذي أقام معسكراً إعدادياً بإسبانيا، قبل ساعات من موعد العودة للمغرب، إذ شارك اللاعبان يوسف الطماح من نادي وداد السمارة، وهشام بوركيب المنتمي لمولدية مراكش، في مباراتين إعداديتين أمام منتخب إقليم الباسك الإسباني.

حلول ترقيعية

قبل سنتين، صرّح الطالبي العلمي، وزير الشباب والرياضة المغربي السابق، أن “وزارته تُعد مشروعاً للحد من هجرة الرياضيين المغاربة، وذلك بأوامر من الملك، غير أن تواصل هروب الرياضيين بعد ذلك التاريخ كشف فشل المشروع، الأمر الذي دفع الاتحادات الرياضية إلى اتخاذ إجراءات “ترقيعية”، للحد من الظاهرة، بعيدة كل البعد عن معالجة الأسباب من جذورها، وتحسين وضعية الرياضي وتأمين مستقبله.

ففي أكتوبر 2019، اكتفى الاتحاد المغربي للمصارعة باختيار أربعة مصارعين لتمثيل المغرب في بطولة العالم ببودابست الهنغارية، إذ حرص على انتقاء رياضيين “غير مرشحين للهجرة السرية”، ينتمون إلى السلك العسكري، رفقة فريق نادي الجيش الملكي، أو لديهم جنسية أوروبية، وهو ما يعني استحالة هروبهم.

وبات اختيار الرياضيين الذين يمثلون المغرب في البطولات الدولية التي تقام في دول أوروبا ضمن منطقة “شينغين” لا يستند فقط على المستوى الرياضي، بل يستند كذلك على “فرضية الهجرة غير النظامية”، التي أساءت إلى سمعة الرياضة المغربية.

وبات يصعب على الرياضيين المغاربة الحصول على تأشيرات السفر للمشاركة في تظاهرات أو معسكرات إعدادية في أوروبا، إذ سبق للسفارة الإسبانية رفض منح تأشيرة دخول أراضيها إلى لاعبي المنتخب الوطني للهواة لكرة القدم، لخوض مباراة إعدادية أمام منتخب إقليم كاتالونيا ببرشلونة.

وبرّرت السفارة الإسبانية رفضها بعدم توصلها لضمانات كافية من الاتحاد المغربي لكرة القدم، لعدم إقدام اللاعبين على “البقاء في أراضيها بطريقة غير شرعية” وعدم العودة للمغرب، خاصة أن ملفاتهم لا تحتوي على عقود احترافية تربطهم بأنديتهم، وهو ما يقوي من احتمال هجرة بعضهم بطريقة غير شرعية، خاصة أن اللاعبين الهواة لا يحظون بعائدات مالية جيدة تشجعهم على العودة للمغرب.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى