الاقتصادالرئيسية

رمضان المغاربة… أسر ترمي طعاما صالحا للاستهلاك مع النفايات المنزلية

تنتصب أمام قداسة الشهر الفضيل في قلوب المغاربة عادات سيئة لا يتم الانتباه إليها، ومنها إهدار الطعام وتبذيره ورمي نصفه في القمامة، حتى يكاد هذا السلوك يضيع على الصائم بركة وأجر صيامه، ما دام يجاور الإسراف في مصاريفه واستهلاكه.هذه الملاحظة سجلتها معطيات رسمية صادرة عن منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة، التي عممت تقريراً أكدت فيه أن كمية الطعام الذي يرمى في القمامة مبالغ فيه، ويسائلنا جميعاً عن مدى وعينا بما نقترفه في حق طعام يتوق إليه ملايين الناس الذين حرموا منه.
وفي هذا الإطار، كشفت إحصائيات حديثة صادرة عن الأمم المتحدة عن أرقام مخيفة ومقلقة لكمية الطعام الصالح للاستهلاك الذي يرمى في القمامة عبر العالم.

ولم تكن البلاد العربية غائبة عن قائمة الشعوب الأكثر تبذيراً للطعام، بل حلت في مراكز متقدمة ومنها المغرب، الذي بلغت حصة الفرد المغربي من إهدار الطعام 91 كيلوغراماً، وبذلك تصدر المغرب بلدان شمال إفريقيا.
تقرير الأمم المتحدة، الصادر قبيل شهر رمضان، سارت على دربه “الجامعة المغربية لحقوق المستهلك”، وأكدت أن شهر رمضان يشكل ذروة التبذير بالنسبة للمواد الغذائية التي يقوم المغاربة برميها في القمامة.
واستندت الجامعة في بلاغ لها على إحصائيات منظمة الزراعة والأغذية التابعة للأمم المتحدة التي أفادت بأن كل مغربي يرمي سنوياً 91 كلغ من الأطعمة في القمامة.
بالنسبة للجامعة، فإن كمية ما يرميه ويبذره المغاربة من طعام صالح، يشكل ثلث المواد الغذائية، والتي تصل قيمتها المالية لـ 500 درهم شهرياً لـ 41.1 في المئة من الأسر.
وفي محاولة منها للحد من هذا التبذير المضر جداً، قررت الجامعة في ظل هذه المعطيات إطلاق حملة توعية وسط المواطنين تحت شعار “حسن تدبير المواد الغذائية مسؤولية الجميع”.

إهدار الطعام

المعطيات سالفة الذكر تزكيها كمية المشتريات التي يقبل عليها المغاربة قبل وأثناء شهر رمضان، كمية تتجاوز في كثير من الأحيان احتياجات الأسر، وبالتالي فإن المتبقي أو الفائض عن موائد الإفطار والسحور لا يعود إلى الثلاجة، بل يذهب مباشرة إلى القمامة دون أدنى تفكير في قيمته لدى المحرومين، أو في تسببه للمتاعب الجمة في صفوف عمال النظافة الذين يتعاملون مع نفايات خارجة عن العادة في شهر الصيام.

لكن الملاحظة الأساسية أن إهدار الطعام ليس تخصصاً رمضانياً فحسب، بل تتجاوزه إلى شهور السنة الأخرى، وهو ما أشار إليه تقرير الأمم المتحدة من كون إهدار الطعام ورميه في النفايات يكون على مدار العام، لتبلغ كميتها 3.3 ملايين طن من المواد الغذائية في المغرب لا يستفاد منها، وينتهي بها المطاف في صناديق النفايات، سنوياً، حتى قبل استخدامها، أو تناولها.
لذلك لم يكن غريباً، أن يدق مؤشر الأغذية المهدرة في برنامج الأمم المتحدة للبيئة، ناقوس الخطر بشأن المواد الغذائية المهدرة، سنوياً، في المغرب.

بالنسبة لتقرير الأمم المتحدة، فإن ارتفاع الأغذية المرمية في القمامة أو المهدورة، خلال العام الماضي، يعود بالأساس إلى تدابير الإغلاق، التي فرضتها إجراءات الحجر الصحي المفاجئة في عدد من بلدان العالم.

خليط عجيب

كما يقول المغاربة تعبيراً عن امتلاء مائدة الإفطار، بأن الإبرة لن تجد لها مكاناً فوقها، وبالفعل، تتزاحم الصحون والملاعق والأقدار الأنيقة، خاصة ذلك الذي يضم فاتنة المائدة وهي “الحريرة”، وتزينها على جنباتها كل ما تهفو إليه النفس والبطن معاً، من أنواع حلوة ومالحة، في خليط عجيب وتضاد شهي يخلق الاكتمال في بطن الصائم الذي يقبل على تناول اللقمات دون كلل أو سام ويتعب من الاختيار، فيكون الصحن الأقرب هو البداية ثم الأبعد قليلاً فالأبعد أكثر، هي حركية تنطلق رحاها مع أذان المغرب، بين الحليب والأعاصير تتجاور رغبة إذهاب العطش، وبين التمر وحلويات “الشباكية” و”البريوات” تتجاور سنة “فرق الصيام”.

المهم أن كل هذا الخليط العجيب يجد له متسعاً في بطون الصغار، أما كبار السن فينتقون ما يتناولونه من مشتهيات على حسب القدرة الجسمانية التي ذهب جهدها السابق في سنوات خلت وبقيت الذاكرة حاضرة تصر على الشكل والمضمون قبل الاستفادة.

الصحون نصفها ممتلئ، والنصف الآخر صنع لنفسه مكاناً في بطن هامت بهذه اللحظة طيلة اليوم، أما البقية الباقية فقد أصبحت في حكم القمامة لا يتم تخزينها باستثناء “الحريرة” التي تعود إلى الثلاجة في انتظار اليوم الموالي. أما ما جاورها من مؤنسات البطن وممتعات العين فمصيرها إلى حاوية النفايات حتى تصبح القمامة مشكلة تؤرق الأسر قبل عمال النظافة.
هذا الهوس الاستهلاكي في رمضان على الخصوص، يدفع للتساؤل حول دواعي هذا السلوك في شهر شرعه الدين الحنيف ليكون محطة للارتقاء التعبدي والتخلص من العادات السيئة وترشيد السلوك الإنساني، بما يحقق فلسفة الصيام ومقاصده الدينية، كما يدفع للتساؤل حول السبل المثلى لعقلنته، سواء في رمضان أو في غيره من الشهور.

في تصريح لوكالة الأنباء المغربية، اعتبر الباحث في علم الاجتماع وأنثربولوجيا الثقافة، عياد أبلال، أن ظاهرة التهافت الكبير على اقتناء المواد الغذائية في رمضان، وربما الاقتراض من أجل ذلك، وما يرافق ذلك من هدر للطعام وإسراف في الاستهلاك، تعبير عن “التدين المظهري/الكرنفالي” الذي يخدش قدسية الشهر الفضيل ويفرغه من عمقه الروحي في أبعاده المدنية والأخلاقية، ويحوله إلى مجرد طقس اجتماعي ومناسبة للاستعراض والتباهي الاستهلاكي، مما يجعله لا يخلو من عنف بشتى أشكاله.

ولفت إلى أن الإفراط في الاستهلاك يشكل أحد تجليات “العنف الاستهلاكي” الذي بموجبه يتحول الاستهلاك إلى وسيلة لتعميق الحيف والاستبعاد الاجتماعي لصالح من له القدرة على الاستهلاك، في حين يشتد الإحساس بالقهر والدونية عند من لا يستطيع إلى الاستهلاك سبيلاً، مشيراً إلى أن “هيمنة البعد الفرجوي الكرنفالي لأشكال التدين المختلفة باختلاف الثقافات والسياقات على الجانب التعبدي، يجعل التدين نفسه عاملاً ومسرحاً لشتى أنواع الانحرافات”.

من جانبه، اعتبر لحسن سكنفل، رئيس المجلس العلمي المحلي لتمارة، في تصريح لوكالة الأنباء المغربية، أن الإسراف والتبذير في الشريعة الإسلامية يعدان من أكبر المفاسد الاجتماعية التي نهى عنها الإسلام نهياً واضحاً. وأبرز أن من أهم المقاصد الشرعية من صيام رمضان الإحساس بأحوال الفقراء والمساكين، وتربية النفس على الإقلال من الطعام، وكبحها عما تحب من المباحات حتى لا تطغى ويصبح المؤمن عبداً لشهوات نفسه ونوازعها، معتبراً التوسط في الاستهلاك والإنفاق، بعيداً عن الإسراف والتبذير وعن الشح والبخل أيضاً، مطلباً شرعياً وسلوكاً حضارياً.

عادات سيئة

عندما تسأل المواطنين عن تبذير الطعام، تجدهم على كلمة واحدة وهي أن هذا السلوك غير لائق ووجب تغييره بسلوكات أخرى تحافظ على المواد الغذائية المتبقية من الموائد.
لكن الحقيقة أن جلهم يجد نصف مقتنياته من الطعام في القمامة، سواء بيده أو يد أهله وأسرته، تجده دون وعي يتخلص ممّا فاض عنه، ظناً منه أنها صارت في عداد النفايات التي يكون التخلص منها واجباً يشبه واجب النظافة.

عندما تسأل رجلاً يحمل كيس نفايات إلى أقرب حاوية للقمامة عن محتوياته، يجيبك دون تردد غير “الزبل”، لكن بمجرد رميه في الحاوية تجد أن من بين محتوياته قطعاً صالحة للاستهلاك من طعام اليوم الفارط، قطعاً تكون من نصيب القطط التي تجد مرتعاً لها في رمضان أكثر من شهور السنة الأخرى.

السيدة التي رمت نصف الخبز أمس، تجدها منهمكة في عجين جديد اليوم، تجهز أربع خبزات رغم أن الكمية المطلوبة هي ثلاثة على أبعد تقدير، لكنها تقول ما توارثه المغاربة “يشيط أحسن ما يخص” (من الأفضل أن يكون فائضاً عوض أن يكون غير متوفر). وهكذا تتراكم أفكار وقناعات لدى الأسر بهذه السلوك الذي نجده قد بدأ ينقرض في عدد من أحياء المدن الكبرى والتي تعتمد نظاماً غذائياً مختلفاً عن النظام العادي، لكن الغالب الأعم في رمضان ينسى “البيتزا” و”الهامبورغر” و”الطاكوس” و”الشاورما”، ويركن إلى حميمة “الحريرة” ولذة “الشباكية” ومتعة الطجين التي لا تضاهيها متعة أخرى.

وهكذا يعود الكل إلى العادة الأصيلة، والتي تتولد عنها عادات سيئة بحكم انعدام حسن تدبير المواد الغذائية والاكتفاء بما يلزم ويسد حاجة الصائم في يوم لا يحتاج إلى قناطير من الطعام بقدر حاجته إلى كمية محدودة من مشتهيات تسد العين قبل البطن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى