الرئيسيةالسياسة

حبشي: بعد ما اتضح لهم عنادي أشبعوني ضربا بالكرباج (الحلقة 5)

“حكاية معتقل سري”، يحكيها أحمد حبشي، المعتقل السياسي السابق الذي قضى سنوات خلف الأبواب الموصدة للزنازن الباردة في زمن الجمر والرصاص، ضريبة عن مواقفه ومواقف رفاقه في العمل السري، منظمة 23 مارس”، التي سعت للثورة المسلحة، قبل العودة للعمل السياسي العلني.

حبشي الذي يروي قصته في زمن الجمر والرصاص، مثله مثل رفاقه قاوم العزلة وبرودة السجن، وحارب خوف سوط الجلاد وكأبة ظلمة السجن، وصبر على مختلف وسائل التعذيب، “الطيارة” و الشيفون”..، إليكم الحلقة الخامسة من “حكاية معتقل سري”

“وضعت في ممر بالمخفر بعد ان بدلت ملابسي بملابس مهترءة قدمت لي، وأمرت أن لا أتحرك من مكاني إلا عند الإذن بذلك ، وأن أحافظ على العصابة التي وضعت على عيني وان لا أكلم أحدا.  قضيت اليوم كله ممددا على فراش من لحاف دون ان يكلمني أحد أو أساءل حول ما يآخدونني عليه .

في نهاية المساء سمعت النداء على الرقم 29 الذي أصبح هويتي كبطاقة تعريف تخفي حقيقة وجودي بالمخفر ،حتى لا يعرف النزلاء من الذي اعتقل ومن ما زال مطاردا، أخذت على عجل لأول جلسة استنطاق ، كان علي أن أجيب عن أسئلة تخص  علاقاتي ودوري في التنظيم ، أنكرت علاقتي بكل ما عرفوه عني ، فأشبعوني ضربا ودعوني إلى أن أفكر في أمري قبل عن الدعاء البراءة مما نسب إلي ، عدت إلى فراشي في الممر وان شبه مقتنع بأن لا دليل لديهم يمكن إدانتي به.

أخذوني يومين بعد ذلك إلى الحصة الثانية من الاستنطاق ، استدرجوني لحديث حاولوا من خلاله إقناعي بأنني مجرد ضحية وأن تعاوني معهم سيمكنهم من مساعدتي ، بعد ما اتضح لهم عنادي ومواصلة الطلوع للجبل ، لم أعرف من أين تأتيني الصفعات والضرب المبرح بالكرباج ثم علقت للحظات، حتى أعرف ما باستطاعتهم فعله إذا ما حاولت الاستمرار في الإنكار.

وفي لحظة ضعف قاهرة أطلعوني على تقارير بخط يدي ، تتضمن معطيات حول اتصالاتي والعناصر الذين كنت مكلف تنظيميا بتأطيرهم واستقطابهم للتنظيم ، وكل تقرير كنت أختمه بعبارة سخروا منها كثيرا: مزيدا من اليقظة والصمود … وعلق عليها كبيرهم وهو يستهزأ مني : عندك تنعس …. في المرة الثالثة أثاروا معي التقرير الذي رفعته للتنظيم بعد عودتي من فرنسا سنة 1972 ، وأشرت فيه إلى لقائي بالأستاذ أحمد الطالبي المسعودي الذي كان لاجئا بباريس ومحسوبا على مجموعة الاختيار الثوري ، وهو التقرير الذي جر علي سؤال المسدس الذي حملته معي من هذه الرحلة .

والواقع أن ما انتهوا إليه لا حقيقة له فلا حديث عن سلاح في التقرير. إلى جانب ذلك أخذوا يسألونني عن عنصرين من عائلتي كان يشتغلان كعاملين بأحد المطابع كنا نسعى من خلالهما إلى تشكيل خلية عمالية في سياق  تأطير الطبقة العاملة .

ما أتذكره باستغراب كلما عدت للحديث عن هذه المحنة ، تركيز البحث معي حول رفيق تلميذ غادر الثانوية والتحق  بأحد المعامل كعامل ، وكان يعد تقريرا يوميا عن نشاطه في العمل والنقابة ، كنت أسلم تلك التقارير للرفاق فحافظوا عليها كوثائق ساهمت  في افشال كل محاولات التملص من الأفعال المنسوبة للعديد من الرفاق .

لا أدري كيف اخترت الجواب عن سؤالهم حول هذا الرفيق ، بأن أخبرتهم بأنه ابتعد عن التنظيم وهاجر إلى السويد . والغريب أنه عند مغادرتي للسجن سألت عنه فوجدت أنه فعلا هاجر إلى السويد وأنه بقي هناك إلى أن وافته المنية سنة 2002 .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى