الأجناس الكبرىالرئيسيةالسياسةبورتريه

صارع السرطان وعانى من الاحتلال في رام الله.. عن الأديب الفلسطيني حسين البرغوثي

أحد أكثر الأسئلة التي يسمعها الكاتب تأتي من فضول لمعرفة مصدر الأفكار، من أين يأتي الإلهام؟ أهو هبة من إلهة الحكمة، يبتهل لها الكاتب مثل نداءات إرنست رينان لأثينا، أو بئر خيالية يعبّئ منها الكاتب ما يشاء حتى يأتي يوم وتنضب، أو يستمر في الخلق حتى ينتهي وقته من خدمة الإرادة، فيموت بعد أن انتهى وجوده من العالم؟!

هناك من يمارس طقوساً وثنية لطيفة، مثل شعراء ما قبل الإسلام بمناجاة الجن في وادي عبقر. الاعتقاد الذي عاش وصمد بعد سنين طويلة، كما افتخر أبوالنّجم العجليّ في العصر الأموي “إني وكل شاعر من البشر، شيطانه أنثى وشيطاني ذكر”. فيكتور هوجو يكتب عارياً. دون ديليلو الكاتب الأرجنتيني يضع صورة لخورخي لويس بورخيس أمامه، وهو شيء أفعله أيضاً وقد دهشت من أن أحداً آخر يجد إلهاماً في صورة بورخيس.

لكن كل تلك الأشياء لا تضاهي تذكُّر الموت، وهذا موقف حسين البرغوثي، فبمجرد أن اقتحم دروب الفلسفة حائراً بين أسئلة الموت والحياة، ما كان ليطلب من الجلاد سماً أكثر مثل سقراط، وما كان ليرفض الحياة كشيء غالٍ، لكنه شديد الهشاشة. فقد عرف أنه محكوم بالموت مع تأجيل التنفيذ، فصارع الوجع وحيداً حتى الملل، بتعبيره الذي استعاره من كيركيغارد.

إن وصف سقراط للفلسفة بأنها “عملية قبول الإنسان لموته”، ليست بعيدة عن فوكو حين قال إن الفلسفة القديمة علمتنا تقبل موتنا، بين السرطان وجو قاتل فرضه الاحتلال في رام الله.

لجأ للإبداع نصير مَن يفكر بانغماس في مفارقة الحياة والموت، يسبر أغوار الشيء ليتخطاه، بذلك، يفتح الباب لطاقة إبداع متجددة، عند كل نهاية مفترق طرق جديد.

ترك قبل رحيله أثر مرشد ودليل على مروره في هذا العالم، بصمة تجدد روحه، وهو الذي قال إن “موت الشخص هو موت اسمه ومكانه”. وإن الموت باعتباره امتداداً للصمت الذي جئنا منه، عودة للعدم. هناك حياة خارج الجسد مشروطة بوجوده المادي، لكنها تدوم طويلاً في العالم المادي حتى بعد رحيله. حياة حرة من محدودية الجسد وتصادر أفكاره وإبداعه، تصادر اسمه في العالم المادي وتحتفظ به.

اختار أخيل ابن ثيتيس موته وتخليد اسمه، تلك الرغبة القديمة عند الإنسان بالخلود والبقاء، وحسين أراد الخلود ليس عن طريق مجد بطولي وموت تراجيدي في سبيل فكرة بل خلق أفكار جديدة، وتلك سمة العقل النبوي كما سماه حسين. فالخلق الإبداعي ليست عملية ترسيخ للفكرة كمشروع شمولي يفك ألغاز كل شيء، بل يتأمل تحولات الفكرة، على حد وصفه “عمق التجربة هو صدق التحوّل فيها”.

ما هي القصيدة التي لا تُنسى التي أرادتها المخرجة في “مرايا السائلة”؟ وصفت قصيدة المونتير بأنها جميلة، لكن ليست كفيلة بتحقيق الخلود المنشود، أي أنها لا تترك بصمة في الذاكرة، مكان تجلي الحضور الإنساني داخل الذهن، لشخص مثلي لم يرَ البرغوثي وحتى لم يكن يعرف وجود شخص بهذا الاسم في العالم، كما لم يدر هو بوجودي، وبعد ما يقرب 18 عاماً من رحيله، يعيد الاسم ليعيد تشكيل الجسد، كفكرة حية تواصل حفيفها “نحن استثناءات الزمن العادي، خلود اللحظة عبر ملايين السنوات” كما يقول.

لكن كيف؟ هو يضبط نفسه “زائداً عن الحاجة”، ترى الممرضة أن حالته المرضية لا تستدعي حضور الطبيب والمستشفى يستقبل ضحايا الانتفاضة، ومرة أخرى في مكانه في المستشفى؛ حيث يتوسط الموت والولادة، أعلاه قسم الولادات الجديدة، وأسفله يكتسي الموت بصورة ديمومة حتمية؛ فلا يأخذ صفة الجديد. فهو الذي أعجب بكيركيغارد، وبكتابه “إما/أو” كان أمامه إما الاستسلام  أو الاستمرار بالتحايل على الموت، يكسر الزمن لقطع صغيرة، بين ماضي المكان البعيد، يعيد صياغته، ليبعث فيه روحاً جديدة، مكانها الذاكرة. لم يكن يريد أن يمر خفيفاً على الأرض، بل ترك ذاكرة. إبداع أصيل، يملك خصوصية تتنقل بين الأزمنة والأمكنة، يقفز بينها كخطوط متجاورة.

إن رائحة المستشفى، والفحوصات، والممرضة، صمت إزاء الوجود تحدث عن طريق الكتابة، فهو يدخلنا في عمق الأشياء الحية، هامش الحياة يكتسي معه حضور ملاحظ، فهناك أشياء بتكرار وجودها نعتادها حتى لا نكاد ندرك حضورها، بتعبير حسين. فهو يفتح الذاكرة، ينتقل بخفة بين الحاضر وماضي الأجداد القريب ويستدعي الميثولوجيا، فهو كمن يملك ذاكرة تسبق ولادته. ولا يترك الرمزيات على صورتها الطبيعة بل يشكلها على الوضع الراهن.

فهو بمرضه المميت في زمن انشغال الناس بموت آخر، موت سببه عنف الاحتلال، يصبح متطفلاً أو بتعبيره “زائد عن الحاجة” في عين الممرضة. يرى نفسه في حيوان الغرير، غريبة العسل، بلغته الغريري، ذلك الحيوان الباكي، المستضعف. حسين يدرك جهل الممرضة التي لا تسمع بكاءه في صمته. الغريري يملك غريزة الخوف، الرغبة في البقاء ولا يملك حسين إلا استغلال الوقت المتبقي له، يريد الحصول على الوقت الكافي منه، حتى يتسنى له بناء بيت لزوجته بترا وابنه آثر، بحديقة يُعد منها لهم طبق سلطة. إن تلك صورة شاعرية للحياة بعض الشيء. والشعر هو القدرة على تطويق الحياة وفتح المجال للكينونة لتعبر عن نفسها، بتعبير هايدجر.

إنه يعرض تحديه للحياة والموت، بتأمل يفضي بأن الحياة ليست سراباً ولا معبراً لشيء غير الحياة الوحيدة التي يمتلكها، هي الوحيدة بين يديه وليس هناك نموذجاً للوعي خارج الها-هنا، إن إدراكه لعدم انتقال الوعي الحالي معه لمكان آخر يجعله يتشبث بما تبقى له.

كان حسين البرغوثي مهووساً بفكرة التجاوز، فالمعلم الجيد هو الذي يستطيع تلميذه تجاوزه، وهذا ما حاول فعله، باستحضاره للماضي كشيء يقبض عليه ويفلته. رسالة نصها التحرر من ذاتنا وفتح الباب أمام التساؤل عن الوجود واكتشاف أسئلة جديدة بالتحرر والتجاوز حتى تنكشف بأنها “شيء لا يُحد وليست تفهمه الحدود”.

في نص “سأكون بين اللوز”، نتماهى مع البرغوثي في انتظاره أسبوعاً قبل نتيجة فحص الدم، نجده حائراً بين الإفصاح لزوجته بمرضه ومصير آثر ابنه. وضع أمام خيارين فتمنى لو أخبره الطبيب بأنه مصاب بسرطان. لو فكر الانتحار في البحر، سترفضه المياه وتعيده للشاطئ، والحل سيواجه. حين تمضي فترة الانتظار، تخبره الممرضة أن نتيجة فحص الدم نيجاتيف، أي ليس ثمّة إيدز وهو الخيار الأصعب، الذي جعله يرى السرطان نعمة إلهية، يطير فرحاً، يعود طفلاً يركض في ممرات المستشفى، حيث يلتقي بالطبيب المختص، ليؤكد أنه ليس مريضاً بالإيدز، لكنه سرطان في الغدد الليمفاوية. لكن ذلك لا يهم، لأن الإيدز أخطر لأنه يقتل مرتين، سيقتل أثره لأنه يضرب السمعة، وهذا موته الثاني الذي يعارض رغبة البرغوثي في تخليده بعد موته الأول. والأهم أن بترا وآثر خارج اللعبة، فلو كان مريضاً بغير السرطان سيكون مصيرهما مثله. المهم الآن أنه سيلعب وحده مع القدر.

يبدأ نص سأكون بين اللوز، بعودة حسين البرغوثي “بعد ثلاثين عاماً إلى السكن في ريف رام الله، إلى هذا الجمال الذي تمت خيانته، نفيت نفسي طوعاً عن بدايتي فيه، واخترت المنفى وأنا ممن يتقنون البدايات، وليس النهايات، وعودتي بالتالي، نهاية غير متقنة”. وبين عودته للماضي والحاضر الذي يقف فيه على خرائب دير قديم مهدم، يتأمل المكان، تاركاً طبيعة رقيقة في النص، جمالية المكان وعلاقته بحسين، بالماضي، بالاحتلال.

وباستخدام لغته، فالتأمل “بيني وبين ما أعرفه، بين ما أعرفه وما أفهمه، بين ما أفهمه وما أشعر به، والعالم لوحة باهتة معلّقة على جدران الوعي، ارفعيني إلى أمومة أخرى”. فإنه باضطراره للنظر من خلال المراية الخلفية، يدرك أهمية الوقت الراهن ويفكر فيما سيجعله حقاً يعيش حياة تستحق؟ وما الذي سيبقى خالداً؟

كتب بمزيج الدقة ولغة الشاعر الملائمة للمشاعر، للذاتية في إدراك العالم المحسوس. تكمن النظرة غير المادية للخلود في آثار الأقدام التي نتركها وراءنا على هذه الأرض، تلك التي تقفز على “الأشكال الخاصة بالظواهر التي ينتمي إليها الزمن، والتي هي بالتالي قابلة للإفناء” بتعبير شوبنهاور. وفعل ذلك بمساءلة الذات، بالتفكير فيها كموضوع وبالبحث داخل علاقتها بالعالم. إنه الخلود الذي لا يحتاج برهاناً، بقاء الأثر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى