الرئيسيةالسياسة

عرض “الطفل في المدينة” و أول مهمة نضالية (الحلقة 2)

“حكاية معتقل سري”، يحكيها أحمد حبشي، المعتقل السياسي السابق الذي قضى سنوات خلف الأبواب الموصدة للزنازن الباردة في زمن الجمر والرصاص، ضريبة عن مواقفه ومواقف رفاقه في العمل السري، منظمة 23 مارس”، التي سعت للثورة المسلحة، قبل العودة للعمل السياسي العلني.

حبشي الذي يروي قصته في زمن الجمر والرصاص، مثله مثل رفاقه قاوم العزلة وبرودة السجن، وحارب خوف سوط الجلاد وكأبة ظلمة السجن، وصبر على مختلف وسائل التعذيب، “الطيارة” و الشيفون”..، إليكم الحلقة الاولى من “حكاية معتقل سري”.

“قدمنا عروضا بدار الشباب وبمقر دار أمريكا وبقاعة عبد الصمد الكنفاوي ، أعجب بالعرض كل من شاهده وفي  مقدمتهم مسؤولو وزارة الشبيبة والرياضة بالمدينة ، الذين وضع رهن إشارة مجموعتنا مقر النادي الثقافي ببوشنتوف قبل أن يفتح في وجه العموم ، بحيث أعطيت التعليمات للحارس أن يفتح لنا أبواب النادي مساء كل جمعة حيث كنا نعقد لقاءاتنا ونقوم فيه بالتداريب . بعد هذه التجربة أصبح الأستاذ التسولي يعتمد علي كثيرا في إدارة الممثلين والسهر على تطبيق الإخراج الذي يسلمني مسوداته بعد إعدادها . ظل عملنا الموازي لتواجدنا بفرقة الشهاب وتوطدت علاقاتنا مع العديد من العاملين في المجال ، فكان أن قدمنا مسرحية “رموليس العظيم” للكاتب الألماني فريدريتش دورمات و”زياد وحليمة ” حيث لمع نجم ثريا جبران  ومسرحية “يوسف بن تاشفين ” التي اعتمدت كثيرا على العناصر التي قدمت مسرحية ” وراء الباب ” .

حافظنا على تجربتنا الموازية واتسع محيط علاقاتنا كأصحاب تجربة مختلفة في رؤيتها للعمل المسرحي شكلا ومضمونا ، فكان أن سعينا لتأسيس فرقة ” المسرح الباسم” وفقا للضوابط القانونية المعتمدة في تشكيل الجمعية ، كان الحماس كبيرا لكن سرعان ما بدأت تظهر بوادر الاختلاف حول طبيعة العمل وخلفياته، انسحب المرحوم محمد بن ابراهيم ، الذي كان حماسه كبيرا بحيث وضع كل إمكانياته المادية بما في ذلك شقة كانت في ملكية عائلته ، اتخذناها مقرا للتدريب ، بعد أن اعترضت السلطات على بناء عشوائي بالخشب أقامه على بقعة أرضية ورثها عن والده ، حيث أعدها كمقر  للفرقة ” المسرح الباسم” . فالمرحوم كان مهووسا بالمسرح الكوميدي وأداء الأدوار التي اشتهر بإبداعه الفائق في مجال ميزه عن غيره من الممثلين . فتحية تقدير لروحه الطاهرة. كانت بداية اضطراب أصاب المجموعة ، توقفت معه الفرقة عن إعداد مسرحية يوسف الثانية ” الرحلة الطويلة ” صادف دلك التحاقي بمدرسة المعلمين كطالب معلم داخلي ، ثم التعيين بضاحية مدينة برشيد ، وأصبحت لا ألتقي أفراد المجموعة إلا في نهاية الأسبوع . لم يكن يتسع الوقت  ليكون حضوري فاعلا بالمستوى المطلوب ، لا ألتقي المجموعة إلا في نهاية الأسبوع أو في العطل المدرسية ،ومع ذلك ظلت مكانتي محفوظة بينهم، وكثيرا ما كان التداول في ألقضايا الأساسية يتم بحضوري أوانتظار عودتي .

أبرز ما أنتجناه في هذه الفترة مسرحية ” الصفر” للكاتب الموهوب المرحوم محمد جبران. مسرحية تتناول يوميات عاملي نظافة في حي شعبي، يقضيان يومهما في الشارع يترصدان سلوك الناس ومعاناتهم ، ويبيتان قرب مطرح النفايات يستعيدان بحرقة ماضيهما وما يعانيه البسطاء أمثالهم من حيف وجور. عندما انتهى من كتابتها عرضها على بعض أعضاء المجموعة ولم يعيروها أي اهتمام ، وبقي ينتظر عودتي ليعرف رأيي في ما أنجزه ، وما ان انتهى من قراءتها حتى فاجأته بإعجابي الشديد بعمله، فقد كان فعلا إطارا رائعا لعرض القضايا المجتمعية التي كانت تشغل الناس وتقض مضاجعهم. ويفسح المجال لإعداده للمسرح في صيغة تعكس ما كنا نتداول فيه كأعطاب مجتمعية وشروط معيشية لا آفاق لها. أكدت له أن المسرحية سيكون لها صدى وأن عليه عرضها على المخرج الموهوب المرحوم محمد السحماوي، فما كان منه إلا وان رابض بباب منزل هذا الأخير  ينتظر عودته. فكانت هي المسرحية التي لفتت الأنظار أكثر إلى حضورنا المسرحي وأكدت أنا أصحاب رؤية وتصور للعمل المسرحي . هكذا أصبحت فرقة “المسرح الباسم” ذات شأن في الوسط المسرحي بالمدينة وبعد ذلك على الصعيد الوطني، خصوصا بعد تقديمها لمسرحيتي  ” الكيرة”  و” حلاق درب الفقراء”، وأصبح كل من محمد جبران ويوسف فاضل اسمان بارزان في عالم الكتابة المسرحية وفي القصة والرواية . رغم النجاح الذي عرفته الفرقة والصدى الذي تركته ، لم يكن كل ذلك كافيا للحفاظ على وحدة المجموعة ، فسرعان ما بدأت الخلافات تطفو وتحتد ، وبدأ نوع من الفرز يصيب ما كنا تعتقد أنه من أسباب تلاحمنا، إلى أن انشطرنا إلى مجموعتين ، واتضح ان من بقي في الباسم مجموعة من شبيبة الاتحاد الوطني للقوات الشعبية ، بينما أسست المجموعة الثانية ” المسرح الأحمر” .

لم أكن حاضرا لحظة التأسيس وفجاءني الأصدقاء بان أختاروني رئيسا للفرقة الجديدة وتسلموا الوصل الذي يثبت ذلك . بالفريق الجديد أنجزنا أول عمل أعده محمد جبران، بعد أن سلمته نصا لأدوار ألبي ، ” قصة حديقة الحيوان” ، المسرحية تعرض أجواء لقاء في  حديقة عمومية بين رجلين من فئتين اجتماعيتين مختلفتين ، بتطور بينهما النقاش إلى صراع عنيف حول من له أحقية الجلوس على الكرسي ، ينتهي الصراع بموت الفقير ممتدا على الكرسي بطعنة من غريمه ،ويهرب الثري بعد أن أظهر صرامة في الدفاع عن حقه في الاستفراد بالجلوس. وتنتهي المسرحية بأن يتمدد الفقير على الكرسي بعد أن يخفي كل آثار الجريمة واثقا بأن غريمه لن يعود للجلوس على الكرسي  . المسرحية أظهرت جليا خلفية اختياراتنا ، في أجواء ثقافية وسياسية كانت موشومة بمعالم تيار فكري وسياسي بدأ تتضح بعض معالمه في أواخر الستينات وبداية السبعينات.

فكان أن التحق بالمجموعة محام متدرب ، أخذ شيئا فشيئأ يؤطر نقاشاتنا ، وينقلنا من نقاش القضايا الاجتماعية إلى أجواء الصراع السياسي في المجتمع ، وبدأنا نقتنع بضرورة عرض مختلف القضايا المجتمعية المرتبطة بسوء التدبير وغياب شروط الحرية والحق في العيش الكريم . فكانت مسرحية ” الطفل في المدينة ” التي كتبها يوسف فاضل على إثر الأحداث التي عرفتها الثانويات وظهور الحركة التلاميذية في مختلف المؤسسات التعليمية ،فهي تعرض ما عاشته حركة الشبيبة التعليمية في تلك المرحلة من ملاحقات وما مورس عليها من اضطهاد ومحاكمات شملت العديد من تلاميذ الثانوي.

النص يتناول كل ذلك من خلا مشاهد التعذيب والاستنطاق .  في النص ركز فاضل يوسف على حالة الاستنفار التي قامت بها السلطات في بحثها عن طفل مطلوب للعدالة حيا أو ميتا ، وسيتعرض مواطنون في سبيل ذلك إلى التنكيل وسوء المعاملة . دفعنا نجاح المسرحية إلى تعميق النقاش حول سبيل الاستمرار في نفس الاختيار، وصار نقاشتنا تأخذ طابعا سياسيا أكثر،  مما شجع المحامي المرحوم محمد مداد إلى دعوتنا إلى القيام بعملية نضالية للتنديد بالممارسات البيروقراطية قي مركزية الاتحاد المغربي للشغل ، وذلك بتوزيع مناشير داخل المقر المركزي للنقابة بالداراليضاء، لتحريض العمال وتحريرهم من قبضة قيادة لا تخدم إلا مصالحها الطبقية . كانت الخطة كما عرضها علينا الأستاذ ، أن نستغل صبيحة يوم أحد حيث تجتمع أغلب النقابات القطاعية ، فيصعد كل واحد منا إلى طابق ويقتحم اجتماع نقابة من النقابات ، يوزع المنشور الذي يهاجم القيادة ،وينسحب في سلام . كان الحماس بيننا كبيرا للقيام بهذه الخطوة النضالية ، وكان علينا أن نقنع محمد جبران أن يتخلى عن كثافة شعره الذي كان قد استطال بشكل لافت بعد إصراره على الانخراط في هذه العملية النضالية.  وفي أمسية الاتفاق على تدبير الخطة وتوزيع المهام ، حضر جبران وقد قص شعره دفعا لكل الشبهات ، بينما حمل الأستاذ مداد المناشير وأخذ يسلم لكل منا الحصة التي عليه أن يوزعها. لكننا فجأناه بأننا كنا قد تداولنا في غيابه حول الموضوع واقتنع أغلبنا على استحالة القيام بهذه العملية الانتحارية ، بل جعلناه يقتنع هو الآخر بصعوبة خوض مغامرة محفوفة بالمخاطر”.

يتبع..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى