الرئيسيةكتاب وآراء

ما ينبغي أن يُقال يخصوص “قضية” المكي الحنودي َ

إبراهيم المراكشي

في البداية لا بد من التنبيه إلى أننا سنتحدث عن جماعة، ظلت إلى وقت قريب مجهولة لدى الرأي العام الوطني، جماعة شكلت خلال الحقبة الكولونيالية الإسبانية جزءا مما اصطلح عليه بالمغرب غير النافع؛ أي تلك الأراضي الجبلية، الوعرة، القاحلة سواء في باطنها أو على سطحها.

وبعد مرور ما يزيد عن 60 سنة من عمر “استقلال” البلاد، نجد أن جماعة لوطا لم تخرج بعد عن دائرة هذا التصنيف. وفي هذا تتقاسم الجماعة مسؤولية الوضع مع الدولة. هذا من جهة، ومن جهة أخرى تنتمي جماعة لوطا تاريخيا إلى ما كان يسمى ببلاد السيبة، أي المناطق التي لا ترى مانعا في الإقرار والاعتراف بالسلطة الدينية للسلطان، لكنها في نفس الوقت ترفض سلطته الزمنية بامتناعها عن أداء الضرائب والمكوس، وفي معظم الأحيان، يكون الظهير الذي يصدره السلطان بتعيين قائد تلك المنطقة المتمردة مجرد اعتراف بأمر واقع ناجم عن اختيار السكان بإرادتهم الحرة.
لنستحضر جيدا هاتين الملاحظتين أثناء تحليلنا لمنطق وأبعاد تدوينة رئيس جماعة لوطا، الذي نجح من وراء ذلك في بلوغ نصف مبتغاه، لكته فشل في النصف الآخر. كيف ذلك؟
سنناقش التدوينة من زاويا قانونية، وسياسية وترابية وانتخابية. فكيف بدأت الحكاية؟
أثير الجدل مباشرة يعد تدوينة رئيس جماعة لوطا، نعيد التذكير بمضمون ما جاء فيها:
“سكان جماعة لوطا الأعزاء والعزيزات بصفتي رئيسا لجماعة لوطا وضابطا للشرطة الإدارية حسب القوانين والأنظمة الجاري بها العمل -وهذا هو الأصل- أرخص لكم بالتجول بتراب جماعة لوطا وارتياد المقاهي .. من الفطور إلى الساعة 11 ليلا خلال شهر رمضان ، مع الالتزام ببعض الإجراءات الإحترازية الضرورية”.
هذه التدوينة جاءت ليلة اتخاد الحكومة، يوم الأربعاء 7 أبريل 2021، لقرار حظر التنقل الليلي خلال شهر رمضان من الساعة الثامنة ليلا إلى الساعة السادسة صباحا، مع استثناء الحالات الخاصة.
قبل أن يختم تدوينته بالقول: “وبيننا وبين الحكومة المحكمة الإدارية المختصة”. في الواقع، ليست هذه المرة الأولى التي يخرج فيها رئيس جماعة لوطا بتدوينات على حسابه الشخصي بالفايسبوك تخبط بشكل عشوائي، ذات اليمين وذات الشمال؛ فللرجل سوابق في هذا الباب.
رئيس الجماعة لوطا في تدوينته الأخيرة وضع مسبقا حكما لفض الخلاف بينه وبين الحكومة، وألا وهي المحكمة الإدارية؛ وهو ما يكشف عن فقر كبير في مفاهيمه القانونية. فما اتخذه رئيس الجماعة ليس بقرار إداري يحمل اسم الجماعة وشعارها، وتوقيعه بصفته رئيسها، وإنما مجرد تدوينة في الفضاء الأزرق. فهل من اختصاص المحكمة الإدارية النظر في”مشروعية” التدوينات وفي الطعون المقدمة بخصوصها؟ طبعا لا!
وهذا الجانب لم تنتبه إليه أيضا وزارة الداخلية وتعاملت مع تدوينته وكأنه قرار جماعي، وربما تكون قد انتبهت لذلك، لكنها غضت الطرف عنه لعلة في نفس يعقوب. فوزارة الداخلية لها سوابق مع رئيس جماعة لوطا، وظلت تتحين الفرصة لتأديبه على خرجاته السابقة المثيرة للجدل. ويبدو أن السيد المكي الحنودي، قدم لها  الفرصة لذلك على طبق من ذهب.
تقنيا الجماعة، وموظفيها، غير معنيين وغير ملزمين بتنزيل مقتضيات هذه التدوينة، مادامت لا تتوفر فيها عناصر القرار الإداري الجماعي. من هذا المنطلق كان بإمكان الوزارة “الوصية” أن تغض الطرف، وألا تعير لتدوينته أي اهتمام، لكن ما دفع الدولة لتتدخل بكل ثقلها هي أن أثر التدوينة وتأثيرها على الرأي المحلي، وانعكاساتها، التي تجاوزت تراب الجماعة، كبيرين. لقد أثارت تدوينته ضجة واسعة في وسائل التواصل الاجتماعي، وجرى تداولها على نطاق واسع. وهذا هو السبب الذي دفعت الدولة، رغبة منها في احتواء الوضع بسرعة، إلى تحريك النيابة العامة، التي أمرت بوضع السيد المكي الحنودي رهن تدابير الحراسة النظرية بمركز الدرك الملكي بإمزورن، قبل أن يقرر وكيل الملك لدى المحكمة الابتدائية بمدينة الحسيمة متابعته في حالة سراح بعد أن دفع كفالته المالية.
ردة فعل الدولة هذه لم يكن يتوقعها صاحب التدوينة نفسه، وأمام هول العاصفة، اضطر الرجل إلى التصريح أن الأمر لم يكن سوى مجرد دعابة، لكن بعد فوات الأوان… كان ينبغي أن يختم تدوينته بذلك.
علما أن وزارة الداخلية كانت أمامها مدخلات كثيرة لاحتواء الوضع برمته، فمن المعلوم أن هناك قاعدة قانونية تقتضي خضوع السلطة الأدنى للسلطة العليا. وفي هذا الإطار، نجد أن صلاحيات رئيس الجماعة في ممارسة الشرطة الإدارية ليست مطلقة، وإنما محكومة بضرورة الحفاظ على مبادئها العامة (الأمن والنظام العامين، الصحة العمومية، إلخ.)، وفي هذه الحالة، فإن دعوة رئيس الجماعة ساكنته للخروج على قرار الحكومة ومخالفته يمكن تفسيره بكونه اخلالا بالنظام العام ومسا خطيرا بصحة المواطن؛ ثم لقد تناسى رئيس جماعة لوطا أنه يمارس صلاحياته في الشرطة الإدارية تحت إشراف مؤسسة العامل، ومجال نفوذ هذا الأخير أوسع وأشمل، ويضم أيضا مجال جماعة لوطا، وقد قلنا بأن السلطة الأدنى تتبع السلطة العليا، وفي هذه الحالة، نجد سلطة مؤسسة العامل أقوى وأكبر من سلطة رئيس جماعة لوطا… وإذا أخذت وزارة الداخلية هذه الاعتبارات فقط، ودون العودة إلى التنقيب في مضامين القوانين التنظيمية الثلاث المنظمة للجماعات الترابية، أو الاستناد إلى المرسوم بمثابة القانون المحدد لحالة الطوارئ، تظل كافية لوحدها لكي تبطل “قرار” السيد الحنودي. وهنا يكمن المشكل أساسا، وهو أنه ليس في يد الوزارة “الوصية” أي قرار جماعي صادر عنه، وإنما مجرد تدوينة لا يُعلم الوضعية التي كان فيها صاحبها أثناء كتابتها.
بيد أن وزارة الداخلية، وفي هذا الباب، نظرت للموضوع بحساسية سياسية؛ إذ رأت في خروج رئيس جماعة لوطا عبر تدوينة معاكسة ومخالفة لقرار حكومي، محاولة لإحياء مفهوم بلاد السيبة في الضمير اللاواعي للمواطن… بلاد السيبة التي كانت تاريخيا ترفض الخضوع للحكم المركزي، وتستغل فترة ضعفه لتنتزع منه بعض المكتسبات الإضافية. ولا يمكن في هذا الصدد إنكار أن الحكومة الحالية توجد بدورها في فترة ضعف نتيجة تداعيات الجائحة، رغم الاختلاف الكبير في السياقات والظروف التاريخية. فماذا مثلا لو سار رؤساء بعض الجماعات الأخرى على نفس نهج رئيس جماعة لوطا؟
لم يكن بإمكان الدولة أن تتغاضى عن سلوك رئيس الجماعة المثير للجدل، لأن من شأن ذلك أن يشجع رؤساء جماعات أخرى على اتخاذ نفس الخطوة، وأن يشجع المواطنين في المدن على التمرد بتحدي قرار الحكومة، خاصة وأنه يضر بالمصالح الاقتصادية للعديد من الفئات الهشة، أو التي باتت مهددة بالهشاشة. والدولة المغربية المعاصرة، بتجربتها وحنكتها الطويلة، تعلم جيدا وتدرك الثمن الذي دفعته قديما حينما فقدت هيبتها. إن الحفاظ على النظام العام من أهم مقومات الدولة، بل جوهر وجودها؛ والغريب أن تدوينة رئيس جماعة لوطا التي تشدق من خلالها باختصاصاته، وصلاحياته في ممارسة الشرطة الإدارية، نجد أن الحفاظ على النظام العام والأمن العام والسكينة والصحة العموميتين من مقوماتها وأهدافها الرئيسية. وقرار الحكومة ينسجم في صميم هذا الإطار، ويستهدف تحقيق ذلك.
ما هي الدوافع التي دفعت رئيس جماعة لوطا إلى الإقدام على هذه الخطوة؟
مما لا شك فيه أن هذه التدوينة يمكن إدراجها ضمن خانة التسويق الترابي. فبعد تدوينته الأخيرة التي ملأت الدنيا وشغلت الناس، أصبحت هذه الجماعة حديث الساعة لدى الرأي العام الوطني، واحتلت واجهة الأخبار لدى الشبكات الإعلامية الوطنية. وصاحب التدوينة نفسه لم يكن يتوقع أن تثير كل هذه التفاعلات؛ لكنها خطوة مدروسة بعناية وبذكاء انتخابي من لدن صاحبها. ففي أيام قلائل فاق متابعي صفحته على الفايسبوك المليونين، بل يمكن الجزم أن الرجل ضمن منذ الآن احتفاظه برئاسة جماعة لوطا، وعينه الآن بكل تأكيد على البرلمان، والطريق بات سالكا أمامه لتحقيق ذلك، ولن يوقفه سوى حكم قضائي يدينه؛ ثم هناك عامل شخصي لا يمكن إغفاله.
لا يمكن إنكار أن الرجل يبحث عن الأضواء والشهرة، خاصة في ظل سوابقه في مجال التدوينات التي تخرج عن المألوف. أوليس هو من قرر تخصيص الفائض في جماعته كإعانة مالية لمساعدة الصين على تجاوز تداعيات فيروس كورونا المستجد؟!
قد يبدو لدى البعض أن الرجل مجنون أو فيه شيء من جنون العظمة، إلا أن المقربين من هذا الرجل يعترفون له بالذكاء، وبأنه يحسب خطواته جيدا، إلا أنه أحيانا تكون النتائج المنتظرة  أعلى من المستوى المتوقع بشكل سلبي.
رئيس الجماعة حينما قرر في السابق، في تدوينة ساخرة على حسابه الشخصي بالفايسبوك، مساعدة الصين، بعد أن دفع مجلس الجماعة إلى الموافقة على توجيه فائض الميزانية لذلك، يكون قد أعلن بذلك خروجه الرمزي عن “الجماعة” وعن الاجماع، وشق عصى الطاعة بتحديه لقرار وزارة الداخلية، التي مارست ضغوطا رهيبة على الجماعات من أجل تخصيص فائضها لمعالجة تدابير جائحة كورونا. ومن أجل أن تحقق الجماعات ذلك، جمدت نفقات الاستثمار وقلصت نفقات التسيير في حدودها الدنيا.
ما نريد قوله في هذا السياق، هو أن للسيد المكي الحنودي سوابق في هذا الباب مع وزارة الداخلية. ولا يستبعد أن تكون “محنة” الرجل اليوم، مجرد قرصة أذن عن قرارات سابقة يقف ورائها. وإلا كيف يمكن تفسير قرار رئيس جماعة صغيرة أن يسبح ضد التيار، وأن يخالف مذكرة لوزارة الداخلية، ويخصص فائض جماعته للصين؟  حتى وإن ظل القرار حبرا على ورق.
كيف يعقل أن جماعة لوطا، التي تعاني من نقص في الطرق والمسالك المعبدة، أن تقدم دعم مالي إلى الصين؟ كيف يستقيم ذلك؟
حتى الخبر على مستوى الإعلام شاذ ومستفز بشكل كبير، مثل خبر الرجل الذي عض كلبا. وحين نعلم حجم هذا الفائض المالي الهزيل جدا، والذي لا يتعدى 6 ملايين سنتيم، ندرك جيدا أن لرئيس الجماعة وراء ذلك رغبة جامحة لبلوغ مجد الشهرة.
هل ينبغي شيطنة رئيس جماعة لوطا؟ لا يجوز ذلك. أعتقد أن السيد المكي الحنودي بتدوينته رمى حجرة في مستنقع آسن، وأعاد فتح النقاش في حدود العلاقة بين الجماعات الترابية والمركز، ومدى استقلالية الجماعات، وفي مستوى الامكانيات التي وضعت رهن اشارتها لتنزيل َتفعيل اختصاصاتها.
إن المركز لا يمكنه أن يكون على دراية بخصوصيات كل جماعة على حدة، و بأدق تفاصيلها، فأهل مكة أدرى بشعابها. فالحكومة تضع السياسات العامة، لكن تنزيلها ينبغي أن يتم بشكل مرن يراعي خصوصيات الجماعات.
في هذا الإطار، ما المَانع إذا كانت خصوصية جماعة ما من حيث المساحة وعدد السكان والتباعد بين المساكن والدواوير تسمح لها بعدم تطبيق قواعد الحجر الصحي، أو التخفيف من عدد ساعاته أو من مداه الجغرافي؟ هل من الضروري تطبيق قواعد واجراءات الحجر الصحي بنفس الطريقة على جميع الجماعات؟ علما أن هناك بعض الجماعات لم تسجل ولو إصابة واحدة، وأن هناك اختلافا بين العديد من الجماعات من حيث الإصابات. فجماعة لوطا مثلا ليست هي جماعة ملوسة أو جماعة الخميس الساحل؛ ثم هناك بون شاسع بين الجماعات ذات الطابع الحضري والجماعات ذات الصبغة القروية في طريق التعاطي مع إجراءات السلامة والوقاية من فيروس كورونا المستجد.
أعتقد أن النقاش ينبغي أن يسير في هذا الاتجاه، أي تقييم حدود العلاقة بين المركز والجماعات الترابية، وطبيعة اللامركزية الترابية بالمغرب، واستقلالية الجماعات في ممارسة صلاحياتها، إلخ. في هذا الاتجاه، ينبغي أن يسير النقاش العمومي بخصوص هذا الموضوع، غير أن الدولة غيرت من مجرى رياحه، ونهجت مقاربة أمنية استباقية في التعاطي معه، ومع صاحبه، وكأنه مجرم. أما النقاش العمومي في الفضاء الأزرق فظل سطحيا يغلب عليه سمة التهكم والسخرية، وأما النقاش الأكاديمي الرصين فهو الغائب الأكبر.
شخصيا، لا أنظر للموضوع فقط من جانبه السيء، بل العديد من جوانبه ايجابية. في اعتقادي، يمكن أن يشكل أرضية لنقاش حقيقي وبناء حول مدى استقلالية الجماعات تحديدا، ودورها في إقرار جهوية “متقدمة”، إن كانت فعلا لدى الدولة نية صادقة للمضي قدما، حتى تكون لدينا مستقبلا جهوية وفق النموذج الألماني أو النموذج الإسباني.
السيد المكي الحنودي محظوظ جدا لأن ما قام به هو مجرد تدوينة فقط، فمحنته تدوينته التي ارتأى فيها طرح وجهة مخالفة لرؤية الحكومة، أما لو كان قد اتخذ قرارا جماعيا لكانت محنته أكبر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى