الرئيسيةكتاب وآراء

لماذا لم يٌوجه بايدن الدعوة إلى المغرب للمشاركة في القمة الدولية حول المناخ؟

محمد الشرقاوي

يزداد السّجال حول غياب المغرب من قائمة الدول الأربعين التي تلقت دعوة البيت الأبيض للمشاركة في القمة الدولية عن بعد لمناقشة سبل الحد من الاحتباس الحراري والمكاسب الاقتصادية التي ينطوي عليها خاصة في حقبة تفشي كورونا. ومن المقرر تنظيم القمة في 22 و23 من أبريل الجاري، وهي اللبنة التي ستمهد لمؤتمر المناخ الذي ستنظمه الأمم المتحدة (COP 26) في غلاسكو في سكوتلاندا في نوفمبر المقبل. وتشمل قمة البيت الأبيض مشاركة رؤساء دول كبرى مثل روسيا والصين، وأخرى صغرى مثل الكونغو وبوتان وفيتنام وبنغلاديش وجامايكا.

يقول المبعوث الأمريكي الخاص المكلّف بقضايا المناخ ووزير الخارجية الأسبق #جون_كيري في تغريدته أمس إنه “يشعر بالسرور بالحديث إلى وزير الخارجية بوريطة، وأن المغرب شريك في الحملة الدولية حول التغيّر المناخي.” وأضاف أنه “عاين التزام الملك محمد السادس عندما استضاف المغرب مؤتمر COP 22. ونحن حريصون على تعميق الشراكة على الطريق نحو (مؤتمر) غلاسكو.”

قبل أربعة عشر شهرا، استضافت برلين المؤتمر الدولي حول الأزمة الليبية دون توجيه الدعوة إلى المغرب الذي كان قد استضاف #مفاوضات_الصخيرات التي توصلت إلى أهم اتفاق سياسي لتسوية الصراع في ليبيا في السنوات العشر الماضية. واليوم، يتكرر السؤال ذاته: لماذا لا يُستدعى المغرب إلى #قمة_البيت_الأبيض وهو الذي استضاف #مؤتمر_المناخ COP 22 في مراكش في نوفمبر 2016؟

ذهبت بعض التحليلات الصحفية إلى الاعتداد بما صرح به جون كيري حول اعتبار “المغرب شريكا في الحملة الدولية حول التغيّر المناخي”، وأن مشاريع الطاقة المتجددة في المغرب “حظيت بإشادات دولية في الأشهر القليلة الماضية.” لكنها لم تتناول السؤال الأهم: لماذا لم تشفع تلك المعطيات للمغرب في أن يكون في مقدمة الدول المدعوة لقمة البيت الأبيض، أو لماذا لم يتدارك السيد كيري الموقف، بعد ردّه على الاتصال الهاتفي لوزير الخارجية بوريطة، بتوجيه الدعوة إلى الرباط وتوسيع القمة إلى 41 دولة؟

يمكن العودة بسؤال مواز إلى يناير 2020 خلال انعقاد مؤتمر برلين، ولماذا لم تقلب الدبلوماسية المغربية قرار الاستبعاد إلى قرار استحضار المشاركة المغربية في المؤتمر، وبالتالي تعزيز الدور المغربي في العلاقات الدولية المعاصرة؟ وينم تحليل الغياب المغربي عن وجود سببين رئيسيين: أولهما، #نكوص_الدبلوماسية_المغربية في الخارج واتساع الفجوة بين المركز على تركيب الخطاب السياسي في الداخل وعدم اتساقه مع مستوى الدور المغربي في الخارج في تدبير الأزمات وسائر التحديات الدولية في الوقت الراهن. وينطوي هذا النكوص الدبلوماسي على طبيعة الإجراءات والتواصل مع العواصم الكبرى عبر شتى السفارات المغربية التي تظل رهينة “التعليمات”، أو بالأحرى انتظار الأضواء الحمراء والخضراء من الرباط.

في السنوات الأربع الماضية، ازداد منطق الإدارة الدقيقة micro management في المركز ولدى دواليب وزارة الخارجية في الرباط إزاء البعثات الدبلوماسية في سائر السفارات والقنصليات المغربية. ويغلب هذا التركيب البنيوي على الدبلوماسية المغربية في اتجاه مركزية الرباط، فينال من مستوى الاجتهادات والمبادرات الشخصية للدبلوماسيين المغاربة مقابل الخشية من الخروج عن النص أو إثارة حفيظة بعض المسؤوليين في الرباط.

يعزز هذا الوضع الابتعاد عن فلسفة الدبلوماسية الحقيقية التي تكمن في المزج بين العلم والفن، وبين النص والاجتهاد، وأن لا مجال لدبلوماسية حية فعالة دون دبلوماسيين حيويين ومتمسكين بروح الابتكار والمبادرة. ولا عجب أن يغدو أغلب الدبلوماسيين المغاربة في الخارج، مع استثناءات قليلة، مسؤولين بيروقراطيين ينسجون عمل اليوم على منوال الأمس، بانتظار نهاية السنوات الأربع لإرساليتهم وانتقالهم إلى عاصمة أخرى، أكثر من أن يكونوا احترافيي الابتكار الدبلوماسي. وكلما زادت مركزية الرباط في تدبير العمل الدبلوماسي في الخارج، إلا وهيمنت الرؤية من الداخل إلى الخارج دون موازنة فعلية بالرؤية من الخارج إلى الداخل، أو الرؤية من داخل كل عاصمة كبرى وخصوصياتها وثقافتها السياسية ومدى التوافق أو الابتعاد عن سياسة المغرب.

أما السبب الثاني فهو ما يمكن الاصطلاح عليه #نقمة_السياحة_على_السياسة. وقد انطوى اختيار عدة منظمات حكومية أو غير حكومية دولية على اختيار مراكش مثلا لعقد مؤتمراتها وأنشطتها ليس لأهميتها السياسية أو بعدها الاستراتيجي، بل لكونها #عاصمة_سياحية تمثل في أذهان الكثير من الغربيين بوابة الشرق. فتصبح مراكش أو فاس أو طنجة خيارا جغرافيا مناسبا لتقليص تكاليف سفر المشاركين القادمين من القارات الخمس، وأيضا منتجعا منعشا لهم بعيدا عن رتابة مكاتبهم الاعتيادية. وهنا يزداد السؤال عن الدواعي الحقيقية في اختيار مراكش لاستضافة مؤتمر المناخ الذي نظمته الأمم المتحدة عام 2016.

لا تضارب بين الدبلوماسية السياحية والدبلوماسية السياسية، وقد كان المغرب سخيا عند استضافة الحوار الليبي في الصخيرات في أغسطس عام 2015. وقد أشاد برناردينو ليون المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة وقتها “بالاستضافة الكريمة لجولة الحوار ودعم عملية الحوار الليبي”. بيد أن المعطيات الجديدة تنمّ عن انكماش في دبلوماسية وزارة الخارجية في الرباط، وتكشف فشلها في تحوير استضافة الحوار الليبي في الصخيرات ومؤتمر المناخ في مراكش إلى #رصيد_استراتيجي_مثمر للمغرب في السياسة الدولية. وتنذر أيضا بمزيد من التعثر إزاء ألمانيا وبقية الاتحاد الأوروبي، والاتحاد الأفريقي، ناهيك عن بيت أبيض يقرّ بأهمية المغرب باعتباره “شريكا في الحملة الدولية حول التغيّر المناخي”، لكن لا يدرجه في قائمة المدعويين لقمة 22 و23 من الشهر الجاري!

أستاذ تسوية الصراعات الدولية وعضو لجنة الخبراء في الأمم المتحدة سابقا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى