الرئيسية

عودة مغترب اختياريا

حسن الدرس

عاد إلى الدوار و هو ثمل كل ما مر بجانب بيت ما يتذكر بمشقة النفس من يكون صاحبه، حتى بلغ منزلهم نزل من السيارة ثم عاد إليها فارا من كلاب منزلهم : اللعنة حتى كلاب والداي لم يتعرفوا عني، فكيف سيعرفني الناس..سمعت أمه نباح الكلاب فخرجت مسرعة إليه مرددة وليدي هادا و كأنها اشتمت رائحة دمه أو رائحة ثمالته أما عطره فلا يمكن لسيدة بدوية مسكينة أن تميزه…
استقبلته بعناق حار ثم دخلا المنزل، قالت له : هل أعد لك شيئا لتأكله؟ قال لها : الآن لا، لكنني سأمكث هنا بعض الوقت، غير شوفي لا جامعة شي بيض بلدي، فرحت الأم فرحا شديدا بخبر مكوثه..لاحظ الولد عدم وجود والده بالمنزل، فسأل أمه أين يكون، أخبرته أنه ذهب لجنازة أحد ساكني الدوار، فقال لها : و لماذا لم تخبريني بذلك؟ قالت له : يا ولدي أعلم أنك غير اجتماعي و لن تذهب على كل حال..لكنه كلمها و هو يعيد انتعال حذائه، فقالت لقد تغيرت حقا يا بني…
بحث في المطبخ لم يجد ڤاني و اكتفى بمدغ النعناع ليتخلص أو يغطي رائحة الخمر، فألسنة البدويين لن ترحمه و ستشوه سمعته، ردد مع نفسه هادا نعناع بوري ريحتو قوية ما غتغلب ريحة الشراب و حمل معه بعضا منه كذلك، ليستمر في مدغه على طول الطريق لأنه لن يتقبل أي خطأ من هذا النوع، فالناس هنا محافظين…
بلغ الجنازة سلم على والده الذي عرفه على من يجلسون بمائدته، ثم سأل عن أهل الميت لأنه لا يستطيع التعرف عليهم هو الذي لم يتعرف حتى منزل الجنازة رغم وصف أمه لولا صوت قراءة القرآن و ظهور الخزانة من بعيد، قالوا له أنهم غير موجودين داخل الخزانة حاليا و أن والده سيعرفه إياهم فور دخولهم، و حتى هته اللحظة كان والده لا يزال مندهشا من تغير ابنه و قدومه للعزاء على غير عادته.
و كعادتنا نحن أبناء البادية نخشي أو نستحيي أو لا أدري، المهم لانستطيع الجلوس في نفس المائدة التي بها آباؤنا، ذهب و بحث عن مائدة ثم أخرى إلى أن استقر به الحال بمائدة فارغة لأنه لم يتعرف عليه أحد و هو بدوره لم يعرف أحدا، اختلطت الثمالة مع الضجيج مع صوت القرآن، بقي يتدبر القرآن و لو أنه لم يستطع إتمام أي معنى، إلى أن أتى والده و أخذه إلى بعض الرجال من أهل الميت، فرآهم مبتهجين فرحين، كيف لا و أنه مات ابنه المشاكس الذي شوه سمعتهم بالقبيلة المحافظة و لم يعمل معهم لا بالحقل و لا خارجه، فقط كان مصروفا زائدا و الأكثر بهجة أنه مات في حادث و سيجنون وراءه بعض المال…
سرعان ما سمع سبحان الله سبحان الله و كان أحد أقارب الميت قد جاء ليوقظه، فرأى عيناه منتفختين محمرتين من أثر البكاء، فتوجه إلى والده سائلا : ألم يأتي ٱهل الميت بعد؟ قال والده : بلا لكن رأيت أنك غفوت و لم أرد أن أزعجك، ثم أخذه إليهم، فوجدهم كالأشباح بحت أصواتهم و انتفخت عيونهم و كأنهم بكوا لعقود..فردد في نفسه اللعنة الوضع مغايرا تماما لما رأيت عند غفوتي، أيعقل أن الميت غير نافع و ضار كما يهمز الناس هنا و كما أشار لي والدي…
هؤلاء الناس صادقون جدا، كيف يعقل أنني فكرت بطريقة مادية؟ و كيف يمكنني أن أخدع هؤلاء البسطاء؟ لأظهر لهم أنني الفتى البار و أنني أنتمي للمنطقة؟ لقد كنت حاقدا لأن أبي مجرد وافد، و لم يملك غير السكن الذي منحه إياه جدي لما تولهت أمي به حبا، فلم نتملك تلك القطعة الصغيرة إلا بعد موت جدي؟ ما العمل؟ فالناس هنا يعتبروننا دائما غرباء أو يصفوننا بولد فلانة، لأنها بنت المنطقة، و إن عرفوا من أكون بعد هته الزيارة التي ستخلف لديهم الفضول و يعرفونني، و هذا منقصة في حد ذاته بمجتمع أبوي، نعم سأناقشهم بعد كل صلاة جمعة، في شأن المنطقة و حالة الطرقات، و أظهر غيرتي على المنطقة و تديني، سيقترحونني هم للإنتخابات و إن لزم الأمر أن أدفع أحدهم لذلك، نعم أقربهم لي نسبا، يال هذا الوضع سأكون مضطرا لمجالسة هؤلاء البلداء، لكنني سأتحمل من أجل لقب الرايس عوض ولد فلانة…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى