افتتاحيةالرئيسيةالسياسة

جائحة سياسية بامتياز

منير الطاهري

أحيانا نحتاج إلى كثير من التركيز والصبر كي نفهم خزعبلات بعض السياسيين المغاربة، صحيح أن ما يعانيه مجتمعنا من فقر وأمية وتوقف في مستويات النمو يعود بالأساس إلى عدم قدرتنا على إعادة نقد الذات وتدريب أجيالنا بمنهجية تعلم المشي بالمشي على ثقافة الفصل بين المؤسساتي والشخصي بين الانفعالي والعقلاني بين السياسي والديني، لكن العناصر التكوينية لهذا الوضع السيزيفي تعود بصفة أساسية لطبيعة نخبتنا السياسية التي استسلمت بأريحية وبلا ندم عند أعتاب نموذج سياسي هجين تبعي شرس وحربائي ….

نخبة سياسية اختصرت مسافات الصراع في حلول ذاتية ريعية وفي التفاوض حول حصتها من الكعكة بما يناسبها ويناسب عائلتها وأصهارها ومريديها.

الجزء الكبير من معاناة الناس، يكمن في طبيعة التشخيص الذي تقترحه نخبتنا لحالتنا المستعصية، فهي نخبة لاتخجل من وصف مجتمعنا بالمجتمع الجاهلي وتسقط عليه مواصفات مجتمع قريشي صحراوي رعوي وجد مند أربعة عشر قرنا بشبه الجزيرة العربية، سواء عند ما وصف الحزب الإسلامي الحاكم تحالفه الميكيافيلي الهجين مع حزب وطني آخر انسلخ عن مرجعيته الإيديواوجية التقدمية، بتحالف صلح الحديبية، وقبلها عندما أطل علينا رئيس الحكومة السابق بخطاب عفى الله عما سلف، أو عندما عبر عن ذلك صراحة في خطاب موجه لشبيبة الحزب بآكادير بأن مرجعية الحزب هي مرجعية ابن تيمية، أو عند مقارنة الوزراء الإسلاميين قيادي الحزب في أكثر من مناسبة، بسيرة الرسول الكريم.

ويبقى الشكل الأكثر وضوحا  لاستثمار المرجعية الدينية في الخطاب السياسي ما نص عليه ميثاق حركة الإصلاح والتوحيد الجناح الدعوي، للحزب الحاكم، عند استشهاده بالآية الكريمة: وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات لَيسْتخلِفنّهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليُمكّنَنّ لهم دينهم الذي ارتضى وليُبَدّلنّهم من بعد خوفهم أمْنا يعبدونني لا يشركون بي شيئا.

المتتبعون ينتظرون من نخبتنا إعطاء تفسير علمي وسياسي واضح لوضع الانتقال الديموقراطي البطيء، تفسير يركز على اللحظة وشروطها الوافعية الملموسة ولايغيبها، تفسير يوضح إكراهات اللحظة والمصالح المتصارعة في مغرب الآن والتنازلات والتوافقات الممكنة، هذه هي التفسيرات التي يحتاجها المجتمع لأنها تفسيرات تجعل عملية التفاوض حول تشكيلة الحكومة ويرنامجها السياسي، شأنا عاما من حق جميع المغاربة العلم بها وتتبع تنزيلها ومراقبة مؤشرات التحقق، لأنها مؤشرات تخصهم وتخص أبناءهم ومستقبلهم قبل كل شيء.

من جهة أخرى، ابتلينا بتشخيص سطحي لنخب سياسية من طينة أخرى، نخب محافظة من قبيل الحركة الشعبية والاتحاد الدستوري وغيرها من الأحزاب التي كانت تسمى أحزاب الإدارة، نخب تقليدية مازالت تدافع عن موروث الثقافة المخزنية التقليدية، وتؤسس علاقاتها الحزبية الداخلية على الولاء والمصاهرة والقرابة العائلية والقبلية والمصالح والصفقات المتبادلة ولا تجد أي حرج في الدفاع عن الحاجة إلى ملكية تنفيذية متحكمة في الحياة السياسية وتقديم مبررات مختلفة لتعطيل ميكانيزمات الانتقال الديموقراطي أو وقفها مؤقتا بدعوى المستوى المتدني للنضج الاجتماعي والوعي السياسي.

هذه النخب التي لا تتوفر على أي مشروع مجتمعي ولا تمارس السياسة كنضال حزبي مع القواعد الشعبية، ولا يعنيها في شيء قياس مؤشرات النمو وتترد كثيرا بقدر ما تندم أكثر على تطبيق مكتسبات التصريح الحكومي وتتبع تنفيذ البرنامج السياسي للحكومة، إنها نخب الجاه والمال والأصل النبيل والعائلات الفديمة التي تشكل جوهر الأوليغارشيا المخزنية في المغرب.

بين النخب الدينية التي تنهل مرجعيتها من القرون الوسطى ونخب الولاء لنظام الريع المخزني سليلة لفديك والمال، ظهرت نخبة ثالثة من قدماء السياسيين الأشراس، وهي نخبة ثورية انقلابية على المكتسبات الديموقراطية، نخبة تعتنق الإيديولوجيات النكوصية الداعية إلى التراجع ألف خطوة إلى الوراء من أجل الإحجام عن التفكير في الخطوات الممكنة إلى الأمام.

نخب تقدم تشخيصا متدبدبا قد ينهل أحيانا من مرجعيات الحركة الوطنية، لكنها نخبة تحترف البروباغاندا السياسية  ولاتستعمل هذا التشخيص إلا للمزايدة السياسية أو للحملات الانتخابية

النخب الثلاث سيصطف إلى جانبها جيش عرمرم من المنافقين والمخادعين والمحتالين أشباه المثقفين، نجباء سياسة الحسابات الضيقة و التنوعير والتبنديق والكدب والاحتيال، والتي تسعى بلا حرج إلى توقيف عجلة التاريخ وإخراج الدولة العميقة من جحورها كي تتربع على موازين الحياة العامة

هنيئا لنا بهاته النخن السياسية البعيدة عن المواطنين والمتحالفة أغلبية ومعارضة ضد أقلام الحرية والحق في التعبير، والمتربعة على صمام الحياة العامة.

هنيئا لنا.بهؤلاء القادة السياسيين المترافعين بجدارة وبطش عن بطونهم وشركاتهم وأبنائهم وخليلاتهم ومصالحهم الضيقة…

هنيئا لنا بهاته الجائحة السياسية.

إننا أمام فشل اجتماعي كدس وما زال يكدس أفواجا من النازحين/ الناجحين والمحظوظين في لعبة التمخزن والتسابق من أجل التمترس في نظام شبكي ريعي لا يخجل من التنظير لمقومات الدولة العصرية وفرص الصعود في الاقتصاد العالمي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى