الرئيسيةكتاب وآراء

تاريخ الجوائح الوبائية: من مفهوم التقدم الى مفهوم الصيرورة

أيوب برجال : طالب باحث في ماستر سوسيولوجيا المجالات القروية والتنمية

يصعب علينا بدون العودة الى التاريخ تفسير وتحليل الأبنية الخفية التي يبرز بها السياق الوبائي في كل فترة وحين، فالأوبئة كانت ولا تزال ملازمة للبشرية في كل الأزمنة والأنظمة الاجتماعية غير أنها تزداد حدة وفتكا وسرعة في الانتشار خصوصا مع التطورات الحاصلة اليوم جراء العولمة السريعة، التي أصبح معها عالم اليوم عبارة عن مساحة صغيرة يسهل الوصول الى كل أرجائها بسهولة، ومعها ينتشر الخطر أيضا بشكل سريع. ان العودة الى التاريخ هنا ليست فقط بغاية مقارنة بين الأوبئة والجوائح التي سادت خلال مجتمعات معينة، والوباء الحالي كوفيد 19 بل ان الغاية الكبرى من كل هذا هو البحث في دروب التاريخ عن الاليات التي احتكم اليها الانسان للتفاوض ومقاومة هذه الأوبئة والجوائح بمختلف المجتمعات التي سادت قبل النظام الرأسمالي الحديث، اذ يصعب علينا بناء نموذج نظري علمي لفهم الآني ومعانيه دون العودة الى سياقه التاريخي والكشف عن المعاني الاجتماعية التي يفرزها كل سياق من السياقات السائدة، ذلك أن العلاقات الاجتماعية تعبر عن نفسها بواسطة جماعات بشرية مختلفة، يرتهن وجود الواحدة منها بوجود الأخرى،

وتجمع بينها علاقة تشكلها كوحدة فعلية، ونبتعد هنا قدر المستطاع عن استخدام مفهوم التقدم لما يحتويه بشكل ضمني على امكانية القياس الكمي والنوعي وهذا يفترض كما ذهب الى ذلك غرامشي ” معيارا ثابتا أو قابل للثبات لكنه في كلا الحالين معيار نستعيره من الماضي، من حقبة معينة من هذا الماضي أو من بعض الجوانبه التي يمكن اعتمادها كمعيار” وغالبا ما يحيل هذا المفهوم على سيطرة الانسان على الطبيعة واخضاعها لصالحه بشكل عقلاني غير أن الفلاحين مثلا ما يزالون عاجزين عن فهم ” التقدم” وما زالوا يعتقدون بأنهم أدوات بيد قوى الطبيعة والصدفة وما يزالون يملكون عقلية سحرية ودينية من بقيا القرون الوسطى، فالتقدم بهذا المعنى لا وجود له الا كحكم تقييمي شخصي تسقط في أحكام القيمة أكثر مما هي تحديدات علمية موضوعية،

وأمام كل هذا نود أن نستخدم في هذا الإطار مفهوم الصيرورة التاريخية لكونها الأقرب الى حقل السوسيولوجيا من غيرها، اذ تحيل دلالاتها على التطور المستمر لقوى الانتاج منذ العصور الغابرة الى أيامنا هذه، والانتقال من مجتمعات الصيد واللقط الى مجتمع الصناعة والتكنولوجيا الدقيقة لتشكل بذلك صيرورة لتطور العلاقات الاجتماعية بين الناس كونهم غير منعزلين عن بعضهم البعض بل جماعات في جماعات بمجتمعات، فالانتاج في كل المجتمعات هو انتاج اجتماعي يدخل الناس في علاقات متبادلة من نوع أو اخر ضمن عملية الانتاج.

وضمن هذه العلاقات البشرية المختلفة تتداخل أشكال التفاوض والمقاومة للأوبئة والجوائح التي اصطدمت معها البشرية عبر تاريخها فالحديث عن طاعون ” جيستنيان خلال القرن 7م ليس كالحديث عن الانفلوانزا الاسبانية مع بداية القرن 20م وليس نفسه الحديث عن السارس أو كوفيد 19 الأخير، ذلك أن كل فترة من هذه الفترات لها طبيعتها الخاصة وعلاقاتها الاجتماعية وتختلف باختلاف السياقات الاجتماعية ، ولا أقصد هنا بالفترة – المدة الزمنية بل تتعلق بنمط الانتاج وعلاقات الانتاجة القائمة، ذلك أن ما عرفته اوروبا مثلا خلال القرنين 18 و19 م من تطورات على المستوى الاقتصادي والسياسي والاجتماعي اذ شكلت مهد قيام النظام الرأسمالي ليس هو ما عرفته الدول المستعمرة كالمغرب الذي ألقي النظام الرأسمالي عليه بشكل تبعي، اذ لا يجب اسقاط نظريات كان ميدان انتاجها بلدان تعيش وفق نمط محدد على بلد مغاير في البناء الأقتصادي والاجتماعي والسياسي، وما دمنا أمام الجوائح الوبائية فان تناولها كما أشرت سابقا ليس تناولا طبيا بيولوجيا بل يتعداه الى المستويات الأخرى التي ينتعش فيها الوباء.

لقد ارتبط ظهور الأوبئة في التاريخ البشري بشكل رئيسي بالحروب والمجاعات التي كانت تصيب المجتمعات البشرية مما كان يمنحه أرضية خصبة للانتشار والتوسع وذلك ما حدث مثلا مع طاعون عكس ما نعرف اليوم مع أوبئة القرن 21 اذ أنها اصابت البشرية في عز رقيها الاقتصادي وشعاراتها العقلانية

ورغم أن المصادر التاريخية لا تكشف في الغالب، عن التاريخ المظبوط لبداية الوباء وتاريخ نهايته، وهي قلما تحدد بدقة المجالات الجغرافية التي انتشرت فيها، وبذلك نكاد لا نعرف مخلفاته، اذ في غالب الاحيان ما تعمم فتتحدث عن المغرب عامة، أو تركز على منطقة محددة كفاس مثلا مما يجعل اللبس يحيط بامتدادات الوباء في مناطق اخرى، وقد لاحظ في هذا السياق الباحث “عمر بنميرة” في كتابه “النوازل والمجتمع ” أن المعلومات الواردة في المصادر حول سنوات الجفاف وما يتبعها من مجاعات ارتبط أكثر بفترات العزوف المناخي والمجاعات،

مما لفت انتباه المؤرخين عن الأوبئة، لكن هذا لا ينفي بعض المصادر المتناثرة هنا وهناك اذ اورد الحسن الوزان في ” وصف افريقيا” أن الوباء يظهر في بلاد البربر على رأس كل عشرة سنوات، أأو خمس عشرة سنة أو خمس وعشرون سنة” يرجع هذا الاختلاف في وثيرة وشدة الأوبئة الى اختلاف التنظيم الاقتصادي والاجتماعي والسياسي القائم، اذ خلال فترة الاستقرار السياسي يتمكن السكان من التغلب على الأثار التي يفرزها انتشار الوباء والتقليص من حدته عبر تخزين المؤن، في حين تزداد حدة فتكه خلال فترات الاضطراب المجتمعي و الفترات الانتقالية للانظمة السياسية كالفترة التي مثلها المرابطون وبعدهم الموحدون

بالاضافة الى كل هذا فان الأوبئة في تمثل المغاربة كانت مرتبطا بقوى غيبية تعلقت في غالبها بالسخط الالاهي بسبب انتشار المناكر وهو الأمر الذي يتبين من خلال المرسوم الذي ألغى به مولاي سليمان المواسم أذ يقول ” إن البدع والمناكر إذا فشت في قوم أحاط به سوء كسبهم، وأظلم ما بينهم وبين ربهم، وانقطعت عنهم الرحمات، ووقعت العلات، وشحت السماء، وسبحت النقماء، وغيض الماء، واستولت الأعداء، وانتشر الداء، وجفت الذروع، ونقصت بركة الزروع لأن سوء الأدب مه الله يفتح أبواب الشدائد ويسد طريق المنافذ” ومقابل هذا المنظور الذي يحمل المسؤولية للقوى الغيبية والعقاب السماوي نجد منظورا اخرا معاكس يعتبر انتشار الأوبئة هي من مسؤولية الحكام بسبب تعاملهم مع النصارى والذي ازداد ترسخا خلال القرن 19م والاقتحام الأروبي للمغرب وقد دعا خلال تلك المرحلة ” محمد بن جعفر الكتاني الى قطع جميع العلائق مع المسيحيين وحملهم مسؤولية المصائب التي ألمت بالبلاد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى