كتاب وآراء

قراءات في بعض الأعمال الفنية لنبيل العمراوي:

منير الطاهري

هو مغني وملحن وشاعر، قصائده تلمع بروحه التي تخترق الحواس والقيم، قصائد قد تكون الخط الفاصل في تاريخ الأغنية المغربية، لأنها ليست قصائد غنائية عادية وإنما ملاحم فنية تجمع بين السوريالية والسخرية السوداء والاحتفال الشعبي .

تجربة نبيل العمراوي الفنية، تجعلنا أمام مرحلة فريدة في تطور الأغنية المغربية قد يكون الشاب بصدد تأسيسها، مرحلة فريدة من الاستمرارية والقطيعة مع التاريخ الموسيقي المعاصر ببلادنا:

استمرارية للرواد الأوائل من قبيل الحسين السلاوي والحاجة الحمداوية ومحمد رويشة وناس الغيوان وقطيعة مع كبوات الأغنية المغربية العصرية التي لم تتمكن من الحفاظ على مكتسبات جيل المجددين من قبيل عبد الوهاب الدكالي ومحمد الحياني وعبد الهادي بلخياط وبعدهم ميكري  وهوبا هوبا سبيريت.

ما يهمنا في هذه القراءة، ليس الوقوف على القيمة الجمالية الموسيقية لأعمال الشاب، لأن هذا العمل ليس من اختصاص المقالة الصحفية يقدر ما هو من اختصاص النقاد الموسيقيين، رغم أن القيمة الفنية للمحاولات الموسيقية لنبيل العمراوي تنحو نحوا رصينا نحو بناء صرح جديد للأغنية المغربية،  بإيقاع طربي غزير بالمكونات التراثية الأصيلة الأمازيغية والشعبية لفن أحواش والغيوان ومحمد رويشة.

موضوعنا سيركز بصفة أساسية على الكتابات الغنائية لهذا الفنان دو النفحة “البريلية” نسبة إلى جاك بريل، كمؤلف وملحن ومغني لمنتجاته الفنية، هذه الكتابات لا تختلف كثيرا عن الطابع العنيف لكتابات آرتر رامبو الفرنسي، خصوصا في أعماله الشهيرة  (إشراقات)، و (فصل في الجحيم) كما سنجد أن هذه الكتابات ستعتنق في صيغها ومضامينها واقعية التعرية والفضح التي أسس لها فؤاد نجم في شعر أبدعه الشيخ إمام في إطار الأغنية الملتزمة.

ربما لم يعرف تاريخ الشعر المغربي الزجلي الغنائي شخصا مفعما بالتمرد والانطلاق مثل نبيل العمراوي الذي انفجر مؤخرا  بأغنيته الجديدة  ” وصلاتكم شي حاجة من الشمس”، أغنية كالقنبلة الموقوتة، تفيض بالغضب العارم ضد كل شيء بدءا بالعادات والتقاليد إلى الموروث الديني والسياسي .

في هذه الأغنية، سينتقد الجنون والهبل الشعبي الملازم لحياة المغاربة، متحصرا على ضياع الهوية والآمال، وغير متردد في فضح السكيزوفرينية البنيوية الملازمة لشخصية الإنسان المغربي الذي لم يعرف ولم يستطيع أو لم يتجرأ، كذلك على تحديد مواقفه بصراحة إزاء القهر الذي يعيشه والتناقضات الاجتماعية، وكذا إزاء موروته الثقافي المتناقض مع نظام عقلاني عالمي محيط، هذا العجز عن الصراخ والتعبير سيجعل المغاربة أغرابا عن عالمهم مثقلون بثقافة دينية تقليدية محافظة لم تسمح لهم بالاندماج في روح العصر.

كشف المستور في هذه الأغنية، بعنف وغضب، لم يمنع الشاب من تقديم اعتذاره عن كلمات اللوم الموجهة لهؤلاء المترددين، ليعتذر لمجانين عصره عن صراحته وينصحهم بأنه من الأفضل لهم اختيار الجنون الحقيقي بدل التخفي وراء الهبل الذي لازمهم ( شحال قدك ماتبقى هبيل، ياتسطى فري، يا اما برك )

 

الأغنية هي تأكيد لأسلوبه النقدي الجارح والمرح ضد التدين التقليدي والخوف وفقدان الثقة في النفس، أسلوب نقدي يعبر عنه في أغنية طربية سوداء أخرى سماها ( وفين آسماعين ) والتي سيوجه من خلالها انتقادات لادعة لشباب مغربي منكسر بلا آمال ولا طموح (كايضور فالزناقي) شباب لم يجد بعد الجواب الملائم عن وضعه، شباب يعيش الحب في التلفزيون وثقافته يجمعها من نقاشات الطاكسي الكبير، شباب ينظر إلى الطحالب الانتهازية كنموذج للنجاح، شباب لم يتمكن من تحديد موقفه لأنه غارق في مستويات مقلقة من التناقض والسكيزوفرينيا عبر عنها نبيل العمراوي في خطاب مباشر كما يلي : انت كافر وإمام…ضو وظلام… خوا وزحام… حزام وبزيم ….لارج وسليم

لقد لمع نبيل العمراوي في سماء الأغنية المغربية مع أغنيته التي لقيت صدى واسعا تحت اسم “سكوندال” والتي سيعري فيها عن مأساة الانتظار الأزلي الذي يعيشه الناس، كاشفا الوضع المأساوي الذي يعانيه المواطن المغربي والمفروض من سلطة سياسية قد لا تسعف حثى مرضاها عند إصابتهم بأزمة قلبية ناتجة عن توثراتهم ومعاناتهم من مآسي العيش اليومي (صبرك صرفو غير بالحيلة لا تجيك الإسعاف روطار ).

في أغنية أخرى بعنوان: تحية لدوار العالم الثالث سيضيف نبيل العمراوي بهارات طربية،  تحيي بطريقة ساخرة “المرقة اللي بايتة” و “الجيل القادم المجروح” وتتساءل عن متى ستنتهي “الحكرة والزرواطة”.

في أغنية أخرى تحت عنوان في طبيعة ما والتي يمكن اعتبارها أغنية وطنية بامتياز لأنها تفيض بالصور الشعرية في حب الوطن والأرض، سيخاطب الوطن في صورة امرأة جميلة (والزين) ويطلب منها أن تنسى الخونة والانتهازيين والمرتزقة.(نساي العياشة والخواشة والغشاشة وكاع هادوك، نساي الموضة وكاع لحموضة أصحاب الباروك…. ) ويطلب منها أن تتذكر أهلها الطيبين الذين انصرفوا في صمت ( وتفكري الناس لملاح اللي ما خلاو ما يتقال من غير راحة فالبال بنينة)

هذا العمل الفني الذي يحلو للشاب نبيل العمراوي تسميته بالنيو شعبي سيقدم من خلاله أطباقا سوريالية مفتوحة على التأويل والاحتمال، أطباق يريد ان يقول منها أشياء دفينة، تخاطب اللاشعور الجمعي للجمهور، وتقدم رؤية معينة عن العالم، وبذلك فأغاني الشاب هي استمرارية بشكل أو بآخر لأسلوب الحركة الفنية السوريالية التي يمكن أن سنستشهد لها بهذا المقطع في أغنية اللوحة:

نعس نعسة خفيفة مورما كلا بيصارة د الفول

و حلم غايلقاها فالغوز كي الشجرة د اللوز

فاق لݣا راسو باقي خارج من الفصول

و مال فصل الجوع مت مومابغاش يدوز؟

و بوسة ذهبية تلمع الكبت الشايع

مع غوتة سكوتية خارجة من الشعب الضايع

و الموجة الموجة الموجة الموجة جاية تفني

القصر المبني فوق الرملة

و هاكا هي حية من ديما، من طلوع الشمش

ماحافياش لينا الذاكرة واخا الحنك قايس الرمش

و الهدية الهدية الهدية جاية فرحانة

بريوس شبعانة ݣملة فالمراية الكذابة خليهم يشوفو

و ݣول لعشران الخوف: طز، جمافو

! و المراية الكذابة خلاتهم يشوفو

كلشي جميل، كلشي سعيد، كلشي طويل

كول شي فنيد، شوف شي طبيب، ماتكونشي عنيد

و وقف تشوف اللوحة!

بغا يفهم الوليد ب تيو ليموني

هذا غي غدا فالجردة تاتجي الزردة من المرود

و بنتبالݣرينات خلاص لبسو ليها التوني

ݣولو لعبادين الظل راه طلعو القرود

و بوسة ذهبية تلمع الكبت الشايع

مع غوتةسكوتية خارجة من الشعب الضايع

و الموجةالموجةالموجةالموجةجاية تفني

القصر المبني فوق الرملة

و هاكا هي حية من ديما، من طلوع الشمش

ماحافياش لينا الذاكرة واخا الحنك قايس الرمش

و الهديةالهديةالهديةجاية فرحانة

بريوس شبعانة ݣملة فالمراية الكذابة خليهم يشوفو

و كول لعشران الخوف: طز، جمافو!

و المراية الكذابة خلاتهم يشوفو

كلشي جميل، كلشي سعيد، كلشي طويل

كول شي فنيد، شوف شي طبيب، ماتكونشي عنيد

و وقف تشوف اللوحة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى