الرئيسيةكتاب وآراء

أحداث العرجة وميزان القوة الهشّ بين الجزائر والمغرب!

د.محمد الشرقاوي

أستاذ تسوية الصراعات الدولية وعضو لجنة خبراء الأمم المتحدة سابقا.

“يموت” عبد الله العروي ثانية، و”يوقّع” الرئيس بايدن على اعتراف سلفه ترمب بسيادة المغرب على الصحراء. ويزداد الترويج لدعاية أو “پروپاگوندا” التضليل ورمي بالونات الدخان أمام أعين المغاربة من أجل تفادي أسئلة المرحلة: ما مآل الأزمة الدبلوماسية مع ألمانيا وسط التنافس المغربي الجزائري على مشاريع إمدادات الطاقة إلى أوروبا، ومتى يتم تدشين القنصلية الأمريكية المرتقبة منذ أكثر من ثلاثة أشهر في الداخلة، وما هي حقيقة العائدات السياسية والاقتصادية من مشروع التطبيع مع إسرائيل؟

لم تقدم الرباط ردّا على المهلة التي حدّدتها السلطات الجزائرية في الثامن عشر من مارس الجاري لسكان منطقة “العرجة ولاد سليمان”، على بعد سبعة كيلومترات إلى الشمال من مدينة فگيگ، بضرورة إخلائها والتخلّي عن مزارعهم التي عاشوا على مردودها منذ عقود. لكن الرباط ارتأت نشر قوات الشرطة والدرك لفرض حصار على المنطقة. وأفادت بعض المصادر المحلية بأنّ “السلطات المغربية منعت المزارعين من الوصول حتى إلى الأراضي الموجودة في الجانب المغربي، وقيل لهم أنه لا يمكنهم الوصول إليها على الأقل هذا اليوم.” وعزت السلطات الجزائرية قرارها بشأن استعادة العرجة إلى مساعيها لـ”إغلاق المنافد” التي كانت “تستعملها عصابات الجريمة المنظمة لتهريب المخدرات على مستوى واحة لعروضة دائرة بني ونيف بولاية بشار”، حسب رواية وكالة أنبائها الرسمية. في المقابل، وصف رئيس الحكومة المغربية سعد الدين العثماني ماحدث بأنه “عمل غير مقبول ومدان”، وألمح إلى أنه لديه “الثقة في أن السلطات المغربية المعنية، والمتابعة للموضوع، ستعمل بحزم وحكمة على إيجاد حل ناجع له” خلال حديثه في الجلسة الافتتاحية للدورة الاستثنائية لبرلمان حزبه “العدالة والتنمية. لكن السيد العثماني ينطلق من دوره كأمين عام لحزب مشارك في الحكومة، وليس صاحب قرار في عملية الحكم، فيما يظل الرد الرسمي مغيبا في ثاني أزمة إقليمية بعد الأزمة مع السفارة الألمانية.

بمنطق تحليل الصراعات والأزمات، هي أهمية أحداث العرجة في في رصد تقلبات الموقف السلبي أصلا أو معضلة الخلافات الممتدة بين الجزائر والمغرب؟ وكيف يمكن اعتبارها أحد أدوات نظام الإنذار المبكر Early warning system لاستشراف تجليات التصعيد بين الجارتين في المستقبل؟

توافقات الأمس… وحسابات اليوم!

يقتضي تحليل الصراع الكامن بين الجارتين استحضار السياق والديناميات قبل التنبؤ بالمآل. وخلف قرار الجزائر بسط سيادتها الفعلية على المنطقة هذا الأسبوع أكثر من سبب، وأكثر من تقاطع مع اعتبارات سياسية إقليمية ودولية ينبغي أخذها بعين الاعتبار في استشراف ما قد تنحو إليه العلاقات بين البلدين مستقبلا. لم تكشف الرباط عن موقفها وسط حيرة السّكان المحليين في الأسابيع القليلة الماضية وقلق حزبي الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية من تطورات المرحلة. ويقول بيان الفرع المحلي للاتحاد الاشتراكي إنّ “القرار المبرم بينَ السلطتينِ المغربية والجزائرية، لا ندري على أي اتفاقيةٍ يستند، علماً أنَّ اتفاقية 1972 إن كانت المعتمدة في أصلها، فهيَ غير واضحة المعالم الحدودية بتاتا.” وينتقد بيان الحزب واقع أن “الدولة المغربية غررت بسكانِ وفلاحي واحة فكيك وورطتهم، إذ تركتهم يستثمرونَ لسنين في أراضٍ قد تنتزع منهم في أية لحظة كما هو الحالُ الآن.”

تتمسك الجزائر ببسط سيادتها على المنطقة بمقتضى اتفاقية يونيو 1972 التي توصلت إليها مع الرباط لترسيم الحدود، ووقعها وزيرا الخارجية المغربي الطيبي بنهيمة والجزائري عبد العزيز بوتفليقة، وتم تسجيلها لدى الأمانة العامة للأمم المتحدة وفق المادة 102 من ميثاق المنظمة العالمية، وذلك بعد تسع سنوات من تردي العلاقات الثنائية بفعل المواجهة المسلحة في حرب الرمال، وقبل 22 عاما من إغلاق الحدود عام 1994. فبادرت الجزائر بنشرها في جريدتها الرسمية يوم 15 يونيو 1973، وبعثت حشدا من الضباط لرسم معالم الحدود، فيما لم يظهر نص الاتفاقية في الجريدة الرسمية المغربية إلا في 24 يونيو 1992، أي بعد عشرين عاما من توقيعها.

ويوضح البند الأخير في الاتفاقية استراتيجية الطرفين الجزائري والمغربي وقتها بأن “نعلن أن إبرام المعاهدة القاضية بتسطير الحدود الجزائرية المغربية، ومعاهدة التعاون من أجل استثمار “كارة الحبيلات”، يؤكد عزمنا الوطيد على تثبيت دعائم السلم الدائم.”ومما ساهم في تقارب الموقفين بين الرئيس بومدين والملك الحسن الثاني التوافق على الاستغلال المشترك لمناجم حديد “كارة الحبيلات”. وجاء في الجريدة الرسمية الجزائرية في عدد يوليو 1973 أن “شركة مغربية جزائرية رأسمالها مليونان من الدولارات يقدمها مناصفة المغرب والجزائر، ستستخرج على مدى ستين عاما، 700 طن من معدن الحديد، الذي سيصدر بعد عبور 400 كيلومتر في اتجاه المحيط الأطلسي، عبر ميناء طرفاية، وستبقى الجزائر مالكة للمناجم كلها بعد مرور ستين عاما، وستشكل لجنة مختلطة ستكلف، على مدى ثلاث سنوات، بتخطيط الحدود بين البلدين.” وتظل العلاقة عضوية في الاتفاقية بين “رسم الحدود” و”الاستغلال المشترك” لمعادن المنطقة.

من الناحية الاستراتيجية، كانت معاهدة تلمسان عام 1972 بمثابة مقايضة ضمنية بأن يعترف المغرب بجزائرية تيندوف، ويشارك في تسويق الحديد المستخرج من أراضيها، وأن تؤيد الجزائر مغربية الصحراء. وهو ما جاء تأكيده في تصريح الرئيس الجزائري بومدين في مؤتمر القمة العربية في أكتوبر1974 في الرباط، عندما شدد على أن مشكلة الصحراء لا تهم سوى المغرب وموريتانيا، وأن الجزائر تقف في صفهما، وتؤيد تحرير كل شبر من الأرض ليس في الصحراء الغربية فحسب، بل وأيضا في سبتة ومليلية وكافة الجزر التي لا تزال تحت الاحتلال الإسباني. وينقل الصحفي الراحل مصطفى العلوي في سلسلة مقالاته المنيرة “الحقيقة الضائعة” كيف دافع الملك الحسن الثاني عما اعتبرها طريقة تفادت المواجهة المسلحة قائلا “كانت هناك طريقتان لحل هذا المشكل، إما هذه التي ركبناها أنا وأخي الرئيس بومدين (يعني الاتفاق على حدود آمنة). وأما الطريقة الأخرى، تلك الطريقة التي لا منفذ لها إلا الحرب، وإلا التباعد، وإلا حفر هوّة شاسعة بين شعبين ودولتين، وذلك لاسترجاع 15 كيلومتر من هنا، ولاغتصاب(…) 20 كيلومترا من هناك.. فقررنا وفضلنا أن نسلك هذه الطريقة (طريقة الاتفاق)، ذلك أن مسألة الحدود اليوم صارت مسألة مصطنعة. كانت الحدود من قبل مسألة مهمة، لأنها كانت تحمي التراب من الجار، أما الآن، ونظرا للوسائل الحربية الجديدة، فيمكن أن يكون العدو على آلاف الكيلومترات، فأصبحت الحدود يجب أن تكون، لا أسوارا مشيدة، ولكن صداقات متينة.”

ويتذكر رئيس الوزراء المغربي الأسبق والزعيم الأسبق لحزب التجمع الوطني للأحرار أحمد عصمان أنه بعد توقيع اتفاقية الحدود عام 1972 “جمعنا الملك الراحل الحسن الثاني كزعماء أحزاب سياسية مرتين كي نوافق على الاتفاقية، وكانت المرة الأولى في افران والثانية في مراكش. وخلال اللقاء الأول في افران كانت الأحزاب السياسية كلها ضد اتفاقية الحدود.” ويضيف عصمان في مقابلة صحفية عام 2002 “لاحظنا أمرا غريبا حدث بعد فترة وجيزة عندما جمع الملك الراحل الحسن الثاني زعماء الأحزاب السياسية في اجتماع في مراكش قبل إلقاءه خطاب العرش، الذي تحدّث فيه عن قضيّة الحدود، ولوحظ فجأة أن كافة زعماء الأحزاب كانوا موافقين على اتفاقية الحدود، الا عبد ربّه، وهو موقف تاريخي اتخذته كشخص وكرئيس حزب، وأعلنت بمفردي خلال الاجتماع رفض الاتفاقية.” يبدو أن حدس عصمان كان يخشى عدم تباث الرئيس بومدين على موقفه من مطالبة المغرب بالصحراء من الاستعمار الإسباني ونجاح “المسيرة الخضراء” عام 1975، عندما احتضن جبهة البوليساريو واستثمر في حرب باردة مع المغرب، فضلا عن أمور أخرى لم تحسم الاتفاقية بشأنها.

خط الحدود المرنة منذ اتفاقية للامغنية!

من يتأمل الحدود الجزائرية المغربية يفترض أنه كان ينبغي أن يستند ترسيم الحدود منطقيا إلى خط مستقيم من الشمال إلى الجنوب بحكم طبيعة التضاريس، بدلا من مستطيلات متدرجة تنزح نحو الأراضي المغربية. ويمكن اعتبار استبعاد المزارعين المغاربة من العرجات هذا الأسبوع فصلا جديدا في مسلسل تاريخي مهدت لها الحكومة الفرنسية خلال وجودها في الجزائر (1830-1962) والمغرب (1912-1956). وقد بدأ مسلسل ترسيم الحدود عقب حرب إيسلي عام 1844، والتي مهدت لتوقيع اتفاقية للامغنية عام 1845، فيما فرضت السلطات الفرنسية اقتطاعات من أراضي المغرب وغرامات مالية على حكومة السلطان عبد الرحمان بعد توجيه ضربات إلى موانئ طنجة وتطوان وأصيلة بهدف منع المغرب من مساعدة المجاهدين الجزائريين آنذاك. ووقّع هذه الاتفاقيةَ التي شملت سبعة بنود الجنرال الكونت دو لاري عن الجانب الفرنسي وعامل مدينة وجدة احميدة بن علي الشجعي عن الجانب المغربي يوم 18 مارس 1845.

نصّ الشرط الأول في الاتفاقية على “إتفاق الوكيلين على ابقاء الحدود بين ايالتي المغرب والجزائر كما كانت سابقا بين ملوك الترك وملوك المغرب السابقين بحيث لا يتعدى احد حدود الآخر، ولا يحدث بناء في الحدود في المستقبل ولا تمييز بالحجارة، بل تبقى كما كانت من قبل استيلاء الفرنسيس على الجزائر.” وجاء في الشرط الثاني الشرط الثاني: “عين الوكيلان الحدود بالاماكن التي في ممرّ الحدادة وتراضيا عليها بحيث أنّها صارت واضحة معلومة كالخط ، فما كان غربي الخط يعني الحد فلإيالة المغرب وما كان شرقي الحد فلإيالة الجزائر.”

ونصّت الاتفاقية على رسم الحدود من قلعة عجرود (السعيدية حاليا) إلى ثنية الساسي، فيما لم يشمل الترسيم المناطق الجنوبية بدعوى “أنها أراض خالية لا تحتاج إلى رسم وتوضيح للحدود”، كما توضح بعض المصادر. وجاء في الشرط الرابع من اتفاقية للا مغنية ما يلي: “إن أرض الصحراء لا حدّ فيها بين الجانبين لكونها لا تحرث، وإنما هي مرعى فقط لعرب الايالتين التي تنزل فيها وتنتفع بخصبها ومائها. ولكل السلطانين التصرف في رعيته بما شاء وكيف شاء من غير معارض، إن امتازت. وإلا فمن أراد إحداث أمر في رعيته حالة اختلاطها برعية غيره فليكف عن غير رعيته، ويحدث في رعيته ما يشاء. فالاعراب الغربية هم لمهاية وبني كيل وأولاد الشيخ الغرابة وعمور الصحراء وحميان الجنبة، والاعراب الشرقية هم اولاد سيدي الشيخ الشراقة وكافة حميان من غير حميان الجنبة.” وتم فتح ملف الحدود مجددا في 1912، و1956، و1972، و1992، وهي أحدث مناسبة لتوافق الجارتين. ونصت اتفاقية 1992 على أنه لاعتبارات إنسانية، “سمحت الجزائر للفلاحين المغاربة بمواصلة نشاطهم الزراعي على التراب الوطني (الجزائري) الواقع بالقرب من مدينة العرجة بولاية بشار”.

مدخل زمني جديد في الصراع الجزائري المغربي

تستحضر أحداث العرجة عنصر اللحظة الآنية أو الوقتية Temporality، وكيف ندخل ذهنيا في تطور أي صراع خاصة الصراعات الممتدة لعدة عقود. وهل هناك اعتبار لطوبولوجيا الوقت وما يخفى في ثنايا كرونولوجيا تقلبات الصراع. فمسألة اللحظة الآنية أو المدخل الزمني إلى بحث مستقبل الصراع بين محطات الماضي والحاضر تظل مطروحة أمامنا في فهم التاريخ وبالاخص تاريخ الصراعات المستعصية منذ تساؤل الفلاسفة الإغريق خاصة أرسطو، وفي العصر الحديث هايدغر وميد ونيتشه وغيرهم، ممن تحدثوا عن الوقت الخارجي في تحديد مفهوم التاريخ خارج نطاق الصلة الأحادية بين الماضي والحاضر والمستقبل. وهل الحاضر هو مجرد تراكمات لأحداث وقعت في السابق؟

يقول ديفيد هوي في كتابه “وقت حياتنا: تاريخ حاسم للوقتية” The Time of Our Lives: A Critical History of Temporality، “يمكن استخدام مصطلح الوقت للإشارة إلى التوقيت العالمي أو الوقت على مدار الساعة أو الوقت الموضوعي. في المقابل، “الآنية” أو”الوقتية” هي الوقت بقدر ما يتجلى في الوجود الإنساني. لاحظ أنني تصرّفت بحذر ولم أحدّد الوقتية على أنها “الوقت الشخصي”، أو “الوقت المُعاش”، لأن هذه الشروط هي جوهر القضية. وبدلا من ذلك، أعتزم مناقشة الأطروحات الفلسفية لما يسمى “الوقت الذي عاشه الفرد”، أو “الوقتية البشرية” – وبالتالي، “وقت في حياتنا”. لأن الفلاسفة لا يفرقون في كثير من الأحيان لا تجعل هذا التمييز بين وقت الكون ووقت حياتنا، وسوف يكون من الصعب الحفاظ على ذلم في كل حالة. قد يكون علينا أن نسأل في بعض الأحيان، ما هو “الوقت”؟

لا أستحضر هذا الطرح النظري كترف في الكتابة، بقدر ما نحتاج إلى تركيب آنية ووقتية الصّراعات على أساس تحديد “الآن الخالصة” pure now سواء عند تحديد استراتيجية الجزائر بالمطالبة بهذه القطعة الصّغيرة من الأرض من فلاّحيها المغاربة، وهي بلد شاسع المساحة، وإنّما العبرة هي توجه الجزائر إلى تذكير المغرب باتفاقية 1972، وشعور المسؤولين في الجزائر بأنّ لديهم “ورقة رابحة” ولو رمزية إزاء نظرائهم في الرباط. ولم تكن أزمة العرجة لتطفو إلى السطح بهذا الشكل لولا وجود دواعي سياسية تعززت منذ الإعلان الرئاسي لدونالد ترمب بشأن مغربية الصحراء، وتحوّل المشهد بين الجزائر والرباط إلى ما يرقى إلى لعبة شطرنج عن بُعد.

لماذا المطالبة بملكية العرجات الآن؟

تتبع العلاقات الدولية في فترات الصراع قاعدة فيزيائية نظّر لها إسحاق نيوتن بالقول “لكلّ فعل ردّة فعل في الاتجاه المعاكس”. وقد شهدت الأشهر الخمسة الماضية سلسلة أفعال وردّات الفعل المتتالية في مستويات تصعيد جديدة، منها أزمة الگرگرات عندما تحركت القوات المغربية لتأمين الطريق التجاري البري باتجاه موريتانيا وبقية أفريقيا، ثم إعلان جبهة البوليساريو تحلّلها من اتفاقية الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة منذ سبتمبر عام 1991، واعتراف الرئيس ترمب بسيادة المغرب على الصحراء، وتوقيع الرباط اتفاقات مع إسرائيل بتزكية البيت الأبيض. وازدادت التصورات السلبية بين الجزائر والمغرب بفعل تردي الخطاب العام والشتائم السياسية والاستخفاف بالملك محمد السادس والرئيس عبد المجيد تبون بتشنجات الصحافة الصفراء ولغة الشتائم عبر المواقف المحسوبة على الأجهزة في الجزائر والرباط. وتزايد دور المؤسسة العسكرية في الجزائر بعودة بعض الجنرالات إلى الواجهة تحت ذريعة وجود “مؤامرة خارجية” تهدّد أمن بلادهم، والتلويح بأن اتفاقات المغرب مع حكومة نتنياهو تفسح الطريق أمام “وجود إسرائيلي” على حدود البلاد التي تعتد بأنها إحدى “دول المواجهة” مع إسرائيل.

في مقالة سابقة في شهر ديسمبر الماضي، ذكرتُ أن “عدائية حرب الرمال لم تمت بعد سبعة وخمسين عاما، بل تحوّلت إلى كرة ثلجية متعاظمة في تقديرات الجزائر تتداخل فيها إدارة قضية الصحراء، وتدبير العلاقات مع المغرب وفرنسا، وأيضا تبخيس الجهود الحالية لإنعاش مشروع الاتحاد المغاربي بعد سباته لأكثر من ثلاثة عقود. وكما قال الرئيس عبد المجيد تبون في مقابلة تلفزيونية فرنسية في يوليو الماضي، إنه “لا يؤكد ولا ينفي” عزم حكومته تشييد قاعدتين عسكريتين قرب الحدود مع المغرب.” واليوم، يتراجع منطق الجوار الذي كان يتغذى ببعض قيم السماحة المغاربية وتصرف العقلاء بغض الطرف عن الأمور الصغيرة رغم العلاقات الرمادية بين تفادي الحرب وعرقلة السلم.

نهاية النخوة المغاربية!

ما تؤكده قضية العرجة حاليا هو انحراف العلاقات الجزائرية المغربية عن مسار التعايش رغم الخلاف نحو معاملة الندية السلبية، أو المقولة البريطانية Tit for tat أو الانتقام المتكافئ، وفق نظرية اللعبة في العلاقات الدولية. ولن تتوقف هذه الندية السلبية عند هذا الحد، بل ستزداد بفعل انتعاش المشاعر القومية، وليس الوطنية في حقيقتها، بين استراتيجيات الجزائر والرباط نحو التخندق في مربع التلويح بردّ الصاع صاعين بشكل متبادل. وهذا مؤشر مهم على أن استراتيجيات التصعيد والانتقام بين الأجهزة في الجزائر والرباط ستحاول استغلال أي أمور كبرى أو صغرى في قضايا الجوار غير السعيد، وإدارة قضية الصحراء، وافتعال كل قضية يمكن تطويعها لإحراج الطرف الأخر أو النيل من مصالحه أو الإضرار بمصلحة فئة من سكانه.

ما يزيد من خشيتي على مستقبل العلاقات الجزائرية المغربية أن تتشبع النخب الأمنية والعسكرية في الجزائر والرباط بأسوء ما في نظرية اللعبة عندما ينحدر التخطيط إلى استغلال كل ما حافظ على استقرار علاقات الجوار لقرون خلت رغم ألاعيب جنرالات الاستعمار الفرنسي. والغريب أن ما فشل فيه الجنرال الكونت دو لاري عام 1845، والجنرال ليوطي عام 1912، والجنرال فيشي في الأربعينات، يسهل الآن تغريسه في عقول وقلوب النخب الحاكمة في البلدين: تلويح الرباط بأهمية “الاعتراف الأمريكي” بسيادة المغرب على الصحراء والاتكال على دور إسرائيل في خدمة المصالح المغربية. وفي المقابل، استثمار الجزائر في نظرية المؤامرة وأن “مخططا خارجيا” يحاك ضد أمنها القومي. قد يكون الإعلان الرئاسي لترمب “نعمة” على مدبري الدبلوماسية المغربية في مرحلة نشوة وطنية لم يظهر بعد حصادها السياسي من قبل السياسة التي تتبعها حكومة بايدن، ولم تغير مواقفها الدول الأعضاء في مجلس الأمن في نيويورك. لكن تبعاته السياسية والرمزية تزيد في حسابات الجزائر وتبعد منطق الوفاق الذي استمر لخمسة عقود بموازاة الخلاف على مستقبل الصحراء. وبالتالي، لا يمكن التقليل من تأثيرها السلبي بزعزعة توازن القوى الذي كان هشّا في الأصل. لكنه يصبح رهينة لهذه الندية السلبية ومنطق ردّ الصاع صاعين، وعزم العاصمتين على مزيد من التسلح وبناء معسكرات وقواعد على الحدود. وعلى طول هذه الرؤية التصعيدية غير المعلنة بين الجارتين، قد تتجه الأمور إلى محاكاة منطق الحرب الباردة والحدود المسيجة على طريقة الكوريتين.

سيزداد تنافس القوميات ولعبة الشطرنج السياسي بين الجزائر والرباط بتوظيف الخطاب العام وبعض الأقلام في إيجاد غرف الصدى لنداء القطيعة والانتقام. وقد بدأت بعض الأصوات بالتمرد على اتفاقية 1972، وضرورة تعديلها على “قاعدة الإنصاف والاستغلال المشترك للمناطق الحدودية”، كما دعت فيدرالية اليسار الديمقراطي. وتنادي أصوات أخرى بضرورة إستئناف السجال حول الصحراء الشرقية، والمطالبة بالأراضي التي أقرها المغرب لصالح السيادة الجزائرية.

وحتى شعار “خوا خوا” الذي ينتشر بين المهاجرين الجزائريين والمغاربة سيتراجع بفعل تنافس القوميتين السياسيتين بين الجزائر والرباط، وبلورة قوميات ثقافية واجتماعية متصارعة وليست متجانسة حتى بين الشتات الجزائري والشتات المغربي خاصة في أوروبا. ومن مؤشرات هذا التناطح القومي الجديد اشتباك بعض الباعة الجزائريين مع أصحاب محلات جزارة في بروكسيل هذا الأسبوع بعد أن رفض أصحاب المحل أن يعرض الباعة الجزائريون بضاعتهم بجوار المحل. هذا مثال واحد على منطق القطيعة والندية السلبية بين مغاربيين على بعد ثلاثة آلاف كيلومتر من منطقة العرجات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى