الرئيسيةالسياسةكتاب وآراء

جلسة مجلس النواب لخامس مارس: سؤال الأخلاق والدستور والوطنية

كمال الفاسي

لقد كان يوم 5 مارس الحالي محطة هامة في تحديد المعالم الكبرى للمشهد الانتخابي لسنة 2021، بمصادقة مجلس النواب على النصوص القانونية المرتبطة بالمنظومة الانتخابية في القراءة الأولى لها، غير أن ما يميز العمل البرلماني منذ 20 مارس 2020 هو أنه يحاول ضمان استمرارية العمل التشريعي والرقابي، مقابل احترام التدابير الكفيلة بحماية الصحة العامة للسادة النواب وأطر البرلمان والقطاعات الحكومية المتدخلة.

ولكن بسبب التعديلات الجوهرية التي تمس المنظومة الانتخابية سيتواجد بالجلسة العامة للخامس من مارس الحالي كل نواب الفريق الأول بالغرفة الأولى، في خرق لما تم الاتفاق عليه بمكتب مجلس النواب منذ بداية الجائحة عبر الاقتصار على مشاركة كل فريق بعدد محدود من ممثليه بما يتناسب مع حضوره العددي ضمن الغرفة الأولى، في ظل هذا الحادث ظهرت إلى العلن مجموعة من المواقف الذاتية قبل أن تكون عبارة عن تحليل علمي للحدث تتحدث عن بلطجة تشريعية من قبل فريق العدالة والتنمية.

غير أنه إن كان من المقبول اعتبار تواجد كل نواب الفريق الأغلبي بمثابة تدني أخلاقي وسياسي من قبلهم عبر عدم الوفاء بتوافق أخلاقي كان قد تم التوافق عليه، فإنه يجب التنبيه إلى مجموعة من الملاحظات الأساسية المرتبطة بالموضوع:

أولا: الاتفاق على مستوى مكتب مجلس النواب هو توافق أخلاقي سياسي، وليس بدستوري، مما يجعل التساؤل مقبولا من جديد عن مصير هذا التوافق في حالة غياب شروطه الموضوعية، التي تتمثل في قبول كل النواب عبر الفرق التي ينتمون إليها بالتنازل عن مجموعة من الحقوق الدستورية المكفولة لهم بصفتهم ممثلي للأمة، من أجل ضمان حسن سير السلطة التشريعية من جهة، وحماية الصحة العامة من جهة ثانية، إذ لم يعد فريق يقبل بهذا التوافق التنظيمي بمبرر وجود اتفاقات ضمنية هدفها الايقاع به سياسيا.

غير أنه إذ كان مثل هذا التحليل يمكن حزب الأغلبي من كسب بعض النقط على الصعيد الأخلاقي، فإنه يفقدها بمجرد العودة إلى محطات العمل البرلماني خلال هذه الولاية، حيث لم يتفاعل الفريق بمثل هذا الحزم مع العديد من الملفات التي تمس عمق حياة الأفراد، مما يجعلنا أمام تناقض مصلحي خطير إذ أن النواب من أجل مصالح سياسية للحزب يتشبثون بالدستور وبالتطبيق الحرفي له، ولكن عندما يتعلق الامر بمصالح أفراد يفترض فيهم الدفاع عنها بكل قوة من منطلق تمثيلهم للأمة، فقد كان نفس الفريق بمثابة الداعم لهذه النصوص عبر التصويت عليها أو عبر منهجية الامتناع أو عدم الحضور كألية لحفظ ماء الوجه.

في ضوء كل المعطيات السالفة، يمكن القول إن الفريق الاغلبي سقط في منزلق أخلاقي عبر هذه الممارسة، غير أن المقاربة الأخلاقية والالتزام بها لا يمكن أن نطالب به فاعل سياسي واحد في مقابل مجموعة من الممارسات غير أخلاقية للعديد من الأحزاب من جهة، ومن جهة ثانية فإنه من حيث الأصل السياسة ليست مجالا للممارسات الأخلاقية بل مجالا للممارسات الهادفة إلى تحقيق المصالح السياسية.

ثانيا: بنفس النفس الأخلاقي، يمكن القول أن تغيير المعالم الكبرى للمنظومة الانتخابية بما ينعكس بشكل مباشر وقوي على نتائج صناديق الاقتراع بهدف الحد من أي قوة سياسية محتملة لفاعل سياسي ما لا يمكن اعتباره إلا ممارسة غير أخلاقية، إذ أن قواعد التنافس الشريف في المجال السياسي تفرض وجود استقرار في المنظومة الانتخابية، ولا يمكن تعديلها إلا من أجل تكريس الحكامة والشفافية والنزاهة الانتخابية وليس من أجل توجيه ضمني لنتائج صندوق الاقتراع عبر إنتاج قواعد قانونية هجينة لا نظير لها بالأنظمة الانتخابية المقارنة.

ثالثا: إن حق النواب في حضور الجلسات العامة حق دستوري لا يقبل التفويض، ولا يمكن منع أي نائب من ممارسته ما دام يتوفر على صفة ممثل الأمة، وأنه لم يتم اسقاطها عنه بقرار للقضاء الدستوري من جهة، كما أن هذا الحق يجد أساسه في نص الدستور والقوانين التنظيمية من جهة ثانية، مما يطرح التساؤل عن أي فكر قانوني يمكن من إعمال قواعد التحليل والتفسير على النصوص السالفة الذكر في تقاطعها مع قرارات مكتب مجلس النواب للقول بأنه لا يمكن لنواب العدالة والتنمية الحضور بشكل جماعي للبرلمان؟، إن مثل هذا الطرح لا يمكن أن يكون إلا مجرد خروج صريح على القاعدة الدستورية، وعلى مبدأ تراتبية القواعد القانونية من حيث درجتها، مما يعني أن حضور الفريق بشكل كامل هو استخدام للحق الدستوري في التصويت المكفول لكل نائب بالمجلس بنص الدستور. وأن منع أي نائب من حضور الجلسة العامة إذا تم إثباته سيجعل النص مهددا بجزاء عدم الدستورية من طرف القاضي الدستوري بعلة خرق قواعد الشكل، المتمثلة في حرمان نائب أو أكثر من ممارسة مهمتهم التشريعية.

وعليه، يمكن القول إن حضور فريق العدالة والتنمية بشكل كامل بجلسة 5 مارس لا يمكن وصفه بالبلطجة التشريعية، لأنه ممارسة لحقوق دستورية لا يمكن لأي اتفاق تنظيمي تقييدها، ولا يمكن ممارسة الوصاية عليها أو الحد منها بأي مبرر كان، ومن طرف أي كان.

رابعا: إن حديث العدالة والتنمية عن كون القاسم الانتخابي على أساس عدد المسجلين مخالف للدستور يطرح إشكال عميق في فهم هذا الحزب للضوابط الدستورية، إذ أن المعرفة المسبقة بعدم الدستورية تفرض على القائل بها ألا يثير كل تلك الزوبعة التي حدثت بل كان يكفي عدم تصويت ممثلي فريقه على النص، ومن ثم ممارسة  حقهم الدستوري وفق الفصل 132 من الدستور عبر مسطرة مراقبة دستورية القوانين، التي من حيث الأصل سيخضع لها النص المعدل بحكم أنه قانون تنظيمي، وبالتالي نكون أمام فرضيتين، الأولى في حالة صحة الموقف القائل بعدم الدستورية، فإنه يجعلنا أمام فريق برلماني يفتقر لبعد النظر بخصوص مساطر التشريع، وهو ما يطرح سؤال جودة النخب لديه، والثانية في حالة عدم صحة ذلك الموقف فإن القائل به مثله مثل من عاب عليه مشاركته بكل نواب الفريق بالجلسة العامة المذكورة بعلة استغلالهم للدستور بشكل غير أخلاقي، وتفسيره ببعد ذاتي يحقق مصالح القوى السياسية مما يمس بالديمقراطية كخيار وثابت وطني بموجب دستور 2011.

خامسا: التصويت على القاسم الانتخابي لم يكشف عن أي جديد في المشهد السياسي، بل شكل نوعا من التأكيد على المشهد السابق الذي يعرفه أغلب المواطنين بخصوص الصورة النمطية حول الأحزاب، بكونها مجرد تنظيمات تهدف إلى تحقيق مصالح قيادتها الذاتية دون أي مساهمة في تحقيق الصالح العام، الذي يمثل غاية وجودها وبسببها يمنح لها الدعم العمومي، ويؤكد من جهة أخرى أن البعد الأخلاقي لدى الأحزاب المغربية ضعيف جدا، بل ينعدم في بعض المحطات إلى درجة التوظيف غير الأخلاقي لنصوص الدستور الذي يشكل أسمى وثيقة بالمغرب.

وعليه، يمكن القول إن المشهد السياسي والحزبي والانتخابي بالمغرب تنطبق عليه القولة العامية: ” العجل لي غينطحك مزال تيرجع لور”، مما يفرض على كل الفئات التي يهمها هذا الوطن في مقدمتهم الشباب والفئات المثقفة ذات الحس الوطني، العمل على الانخراط في الفعل السياسي الوطني والمسؤول لحماية الوطن.

طبعا الوطنية من الصعب تحديدها، ولكن لن أجد أفضل من لحظة عودة المنتخب المغربي ضد نظيره الجزائري في النتيجة في أخر أنفاس المباراة بتونس سنة 2004 ضمن نهائيات كأس الأمم الإفريقية، إذ أن الجميع بكل مدن ودواوير المغرب أحس بشعور الفخر والفرح رغم أنه لا يدرك ولا يفهم في كرة القدم أي شيء، ولكنه انخرط في ذلك الشعور الوطني دون أي توجيه بل بمشاعر دفينة في اللاوعي لا تظهر إلا عندما يكون هناك عنصر أجنبي، ونتمنى أن تظهر دائما في لحظة تصادم المصالح الخاصة مع المصلحة العامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى