الرئيسيةكتاب وآراء

لماذا نحن باستمرار إلى الماضي البعيد ونعتبره زمنا جميلا ؟

مومني عزيز

أكيد أن كل شخص فينا عاش طفولة ذهبية مليئة بالمغامرات والمواقف الجيدة مع أفراد أسرته ،والمقربين في عائلته وأصدقائها لم يكن فيها أي تعقيد أو تكاليف لأن الإنسان في صغره يعيش في كنف أسرته، وهي التي تعفيه من مشقة وعناء البحث عن متطلبات الحياة..

زمن الطفولة عند الناس يتغير من شخص لآخر ،وفرق كبير بين من بدأ دراسته في سن مبكرة في أرقى المدارس وكانت كل أشكال الكتب والدعم النفسي، والإجتماعي تحيط به منذ صغره، ومن بالكاد يدرس في مدرسة عادية بعد مشي مسافة طويلة كل يوم مع ما يصاحب ذلك من مشاق، وعنت وشدة في العيش…
رغم بساطة الحياة آنذاك إلا أن والدينا لم يبخلوا علينا بشيء، وقدموا لنا كل ما في استطاعتهم من متطلبات الحياة ليفرحوا قلوبنا ،وليقوموا بواجباتهم اتجاهنا…
رغم إمكانياتهم البسيطة ،وكبر العائلة التي يتحملون مسؤولية نفقتها إلا أنهم كانوا محافظين، ومتزنين وراقين فكريا…
فترة الطفولة تمتد إلى سن 14 حيث الكثير تفتقت لديه مواهب ،وأحب بعض الهوايات منذ صغره مثل القراءة الكثيرة للقصص والمجلات، رغم توالي الأحداث في صغرنا ،وكان عنصر المفاجأة حاضر بقوة إلا أننا سلكناها بتبصر والكثير بدأ يصلي منذ صغره، ويقرأ القرآن الكريم ويحافظ على صلاة الجمعة….
الإنتقال من البادية إلى مجمع سكني ثم إلى مدينة بالتتابع في سنوات الدراسة يجعل التلميذ يتعرف على ناس كثر متنوعي المشارب، والمرجعيات سواء لهم علاقة بحياته الدراسية أو العائلية، ولا يخلو مكان ولا زمان من قدوات ومبدعين، وناسا متقدمين في عقلياتهم ينيرون حاضر ومستقبل الآخرين خاصة التلاميذ، ومن ولجوا لسن الشباب….
من حسنات الزمن الجميل أننا التقينا فيه بناس أياديهم بيضاء، وساعدونا كثيرا على تخطي الصعاب، وكانوا بالنسبة لنا كالمنارة التي تهدي الحيارى…كنا نراهم ونحن تلاميذ يعشقون العلم، والثقافة والإستقامة ويهدون الآخرين بسمتهم، وسعة صدورهم وأخلاقهم الحسنة…
كان في الزمن الجميل الوفاء، والإيثار والتعاون حاضرا بقوة بين الاصدقاء، وبين أفراد الأسرة والعائلة الواحدة…
عكس زمننا السيء الذي نعيش فيه، والذي انقلبت فيه الموازين، وأصبح كل شخص يقول نفسي نفسي قبل يوم القيامة…
على طول فترة الزمن الجميل رأينا أشخاصا وأحببنا أشخاصا بصدق وإخلاص، وبدون شروط لأننا رأينا فيهم المبادرة الفردية وعلو الهمة، والقدرة على الإنجاز والجرأة والشجاعة والإقدام، والجود والسخاء وكانوا قدوات حقيقية وقدموا لنا الشيء الكثير رغم أنهم ليسوا من أفراد عائلاتنا….
جمال الأزمنة والأمكنة يكون بالسعادة والهناء، والرأفة والإكبار لشخصك التي وجدتهم فيها…بل خلال الزمن الجميل كنا نرى معية الله معنا، ولطالما رأينا آياته في خلقه، وآثار رحمته ونعمه الكثيرة في واقع حياتنا…
فعلا يجوز لنا أن نشبه الزمن الجميل كأنه جنة في الأرض كنا نعيش فيها لا تصنع، ولا رياء ولا سوء خلق كانوا فيه..لكن حينما انصدمنا بواقع سيء مليء بالجشع والكبر، والتعالي والفسق والفجور، وكل الشرور تذكرنا الماضي والزمن الجميل الذي تقربنا فيه إلى الله كثيرا ،واشرقت تقوى الله في قلوبنا خلاله…لم يكن يجرؤ أن يواجهنا حتى أكابر الناس، ومجتهديهم والمميزين فيهم…وفي هذا الزمن الاغبر أصبح يتجرأ علينا أراذل الناس من النكرات ،والأصفار والأميين، ومن لم يجلس في مقاعد الدراسة يوما واحدا….
فعلا كان زمنا جميلا جدا قرأنا فيه مئات الكتب، وترك بعض الناجحين بصماتهم على شخصياتنا، وأرونا بعشرات الطرق معالم الطريق المستقيم الذي سلكه الأنبياء والصحابة، والتابعين والسلف الصالح بحلو منطقهم عشنا لحظات إيمانية قوية كأننا كنا مع النبي، والصحابة في دار الأرقم بن أبي الأرقم….
عشرات الجلسات التربوية ،والايمانية التي حضرنا إليها في الزمن الجميل أعطتنا مناعة ،وحصانة إيمانية ضد الإنحراف…كيفلا وقد عشنا القيم التربوية ،والأخلاق الإسلامية في واقع حياتنا لسنين طويلة…
بل حرصنا على التنزيل العملي لما تعلمناه في واقع حياتنا جعل الكثيرين يحبوننا بدون شروط، وبفضل تعلقنا بالله، وتوفيق الله لنا سبقنا أقراننا سواء في الطفولة أو الشباب أو الكبر في عدة مجالات…
كنا نحرص أن نصنع على عين الله فنتقرب إلى الله بالنوافل بعد أن نحافظ على الفرائض كنا نفهم في الفقه، والدين رغم أننا لسنا فقهاء ولا علماء…لكن التقائنا بالدعاة إلى الله والعلماء والمبدعين، والمميزين سواء بمشاهدة فيديوهات خاصة بهم في السابق أو ملاقاة كثير منهم في المساجد، وفي بعض الندوات والمحاضرات ببعض البنيات الثقافية….كل ذلك جعلنا نستأنس بكلامهم، ومنطقهم الحلو الذي اكتسبوه بعد قراءتهم لكثير من أمهات الكتب المتخصصة… وقيامهم بمجاهدات وتزكية لأنفسهم ،وترقيهم في مقامات الإيمان….
روعة الزمن الجميل تكمن في الفوائد، والدروس الكثيرة التي استفدناها منه، وجعلناها أساسا لحاضر جميل، ومستقبل سيكون أجمل بإذن الله…
تعلمنا منذ الصغر أننا نحرس المال والعلم يحرسنا ،والعلم أفضل من المال لذلك ركزنا على العلم فجاء معه المال…وتعلمنا منذ الزمن الجميل أن الدنيا كلها وسيلة فقط ومزرعة للآخرة، وعلينا أن نزرعها بالاعمال الصالحة والحسنات، وأغلب الخوف الذي رافقنا في الزمن الجميل، والآن أن يغضب الله عنا أو أن يبعدنا عن بابه ،وعن الهداية والإستقامة والثبات… إيماننا بالله ثابت ويقيني ونعود إلى الله باستمرار كلما أخطأنا ،ومن أمانينا أن يرضى الله عنا ويغفر لنا ويدخلنا جناته…تعلمنا أن الدنيا لا تدوم على حال ،وأن عباد الله الاذكياء طلقوها، واتخذوا صالح الاعمال سفنا إلى الله فلم يغتروا بها….تضحك يوما وتبكي أسابيع..ومن اتخذها غاية كمن يبني منزلا جميلا جدا فوق ماء البحر….
هذه بعض الخواطر التي تذكرتها عن الزمن الجميل الذي يجب أن يكون أساسا لحاضر أجمل،ومستقبل رائع يسع الدنيا و الآخرة ،ورؤية الله في الجنة إن شاء الله….
كتابة عزيز مومني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى