الرئيسيةكتاب وآراء

القوى المجتمعية ومسارات المطالبة بتعديل النصوص القانونية

كمال الفاسي/ باحث في العلوم القانونية

في دولة المؤسسات القائمة على الديمقراطية كآلية للتدبير السياسي يعتبر القانون بمثابة تعبير عن إرادة الشعب، طبعا هنا القانون لا يعبر عن إرادة كل الشعب بل عن إرادة الأغلبية الديمقراطية من هذا الشعب إما عبر الاستفتاء أو عبر المؤسسة التشريعية.

ومن هذا المنطلق تتعارك القوى الحية داخل المجتمع المكون من الشعب من أجل جعل أفكارها وموقفها ترقى إلى درجة فكر مجتمعي لدى هذا الأخير، وجعل القيم التي تكافح وتمارس من أجلها الفعل السياسي أو المدني قيما له من أجل الحصول على ثقته، إن كانت حزبا سياسيا عبر التفويض الشعبي للوصول إلى المؤسسة التشريعية لتعديل القانون بما يلائم قيمه التي يفترض أنها قيم الشعب الذي منحه الثقة.

وإما أن تكون عبارة عن تنظيم مدني، فيحصل الحزب الذي يتقاطع معه ويسانده على هذه الثقة، ويدفعه إلى تعديل القانون بما يلائم تلك القيم، أو يختبر هذا التنظيم تجدره بالمجتمع عبر آليات الديمقراطية التشاركية من خلال ملتمس التشريع كما في القانون المغربي، أو عبر آليات الترافع المدني مع أعضاء المؤسسة التشريعية أو مع القطاعات الحكومية أو الأحزاب السياسية المشكلة لهذه السلط، ولكن لا يعني تقديمه هذا الملتمس بالوصول إلى العدد المطلوب من التوقعات أو قيامه بالمرافعات أنه أصبح قوة مجتمعية يجب أن يعدل القانون وفق تصوراته بل فقط يصبح من حقه أن تكون تصوراته للقانون محط نقاش من طرف ممثلي الأمة، لتقرير ما إن كانت هذه التصورات ترقى إلى درجة القيم والتصورات المجتمعية التي يجب ملائمة القانون معها لانحرافه عن الإرادة الشعبية أم لا يرقى إلى درجة ذلك.

وبالتالي، أي مطالبة بتعديل القانون في القضايا التي لها ارتباط بقيم وتصورات المجتمع تفرض على من يكافح من أجلها أن يتغول في المجتمع لإقناع أكبر قدر من الناس بها، كما أن للطرف النقيض أن يمارس نفس الفعل من أجل إقناع الناس بعدم جدية هذا التصور، ليبقى الفيصل للمواطن عبر الآليات الديمقراطية في إطار احترام حرية التعبير للجميع وفق ما يسمح به القانون.

وعلى النقيض من ذلك، فكل المحاولات لفرض تعديل القانون خارج قواعد اللعبة الديمقراطية عبر سياسة الضغط الخارجي بإعداد تقارير للمنظمات الدولية بهدف دفعها لممارسة الضغط على الفاعل السياسي ليصدر نصوص خارج قواعد اللعبة الديمقراطية تعتبر اغتيال لهذه الأخيرة، ونفس الأمر بخصوص الاستقواء بهذه التنظيمات ولعب دور الضحية في مواجهة الآليات الديمقراطية.

ومن جهة ثانية، عندما يكون لدى أفراد موقف مخالف للقانون يجب المطالبة بتعديله عبر الآليات الديمقراطية بالنزول إلى قلب المجتمع وإقناعه، وليس عبر رفع الشعارات بمواقع التواصل الاجتماعي وبغرف الفنادق المصنفة، لأن المشرع يشرع لكل المجتمع من أجل أمنه واستقراره، وليس من أجل أمن واستقرار غرف الفنادق المصنفة.

إن أي مبادرة تعلن رفضها للقانون ومطالبة بتعديله وتعمل على وصول إلى هدفها وفق الآليات الديمقراطية تظل حركة صحية يجب أن توفر لها فضاءات للتعبير عن مواقفها، ولكن في مقابل يجب التعامل بكل حزم في مواجهة كل جهة ترفض القانون، وتطالب بتغييره، وتحاول التحدي عبر رفع شعارات للخروج عن القانون الساري المفعول، لأن في مثل هذه الدعوة مساس بسيادة الدولة ونوع من المساس باستقرار المجتمع عبر محاولة نقله من وضعية التنظيم والضبط التي يمارسها القانون إلى وضعية الغاب التي تكون بالخروج عن القانون، مما يفرض مواجهة كل خارج عنه بالجزاء الذي يحدده لمثل هذه الحالات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى