الرئيسيةكتاب وآراء

احتجاجات الفنيدق متوقعة الحدوث

جمال العسري

الانتفاضة الشعبية التي عاشتها شوارع مدينة الفنيدق مساء البارحةً، انتفاضة كانت متوقعة الحدوث و لا يمكن بتاتا وصفها بالمفاجأة ، الجميع كان يعرف أنها واقعة و لا مفر من وقوعها ، فقط توقيت وقوعها هو الذي كان مجهولا ، طبيعي أن تنتفض ساكنة مدينة الفنيدق ، هذه المدينة التي تفتقد لأبسط شروط المدينة ، و التي تعيش و منذ شهور عديدة تدهورا خطيرا ، تدهور ناتج عن انهيار اقتصادها ، و عن انهيار نمط حياتها الاجتماعية ، مدينة الفنيدق و ككل المدن الحدودية عبر بقاع العالم يقوم اقتصادها على التهريب المعيشي ، فعلى إيقاع التهريب كبرت و نمت المدينة و هاجر إليها و استوطنها الآلاف من المواطنين القادمين من كل أنحاء الوطن ، لتصبح الفنيدق القلب النابض لتجارة التهريب و لتصبح المزود الرئيس لعشرات الأسواق الممتدة عبر ربوع الوطن ، أسواق اختصت في بيع المواد القادمة من سبتة ، أسواق انتشرت بالعديد من المدن المغربية ( تطوان ، طنجة ، القصر الكبير ، العرائش ، الدار البيضاء …. ) ، مدينة الفنيدق قامت أساسا على التهريب المعيشي ، و فجأة و قبل شهور أقدمت الحكومة المغربية على إغلاق معبر سبتة ، رضوخا من جهة لضغط العديد من الشركات المحلية و تشجيعا للصناعة المحلية و من جهة أخرى في إطار الصراع السري بين كل المغرب و إسپانيا ، كان من الممكن التصفيق لهذا الإغلاق خاصة مع ما أصبح يعرفه المعبر من إهانات و إذلال للآلاف من المواطنين و المواطنات على يد ” الگوارديا سيڤيل ” أو الشرطة الإسپانية ، كان من الممكن التصفيق لهذا الإغلاق لما يسببه من ضياع الملايير من الدراهم و من العملة الصعبة يوميا على المغرب و تحويلها نحو سبتة ، كان من الممكن التصفيق لهذا الإغلاق تشجيعا للصناعة المحلية …. كان من الممكن التصفيق لهذا الإغلاق لو رافقه اهتمام من الحكومة بالمدينة و ساكنتها ، لو أن الحكومة وفرت للساكنة بدائل اقتصادية ، لو أنها وفرت لآلاف الشباب و النساء فرص الشغل ، و الواقع أن الحكومة أقدمت على إغلاق معبر سبتة ، باب الرزق الوحيد للساكنة ، و تركتها لمصيرها ، و الأمر من هذا هو تزامن هذا الإغلاق مع انتشار جائحة كورونا و ما رفاقها من إغلاق و من تضييق بسبب قوانين حالة الطوارئ الصحية ، لتزداد سوء أوضاع الساكنة ، و يزداد التدهور و الانهيار ، لدرجة وجد شباب المدينة أنفسهم محاصرين بين موتين ، موت الجوع و البطالة ، و موت الهجرة السرية إلى الجارة سبتة ، و هكذا تتالت يوميا وقائع الانتحار و معها وقائع الموت غرقا ، ليصبح إيقاع المدينة قائما على الجنائز ، جنائز الموت الذي استقر في المدينة و أصبح يرفض مغادرتها .
أمام هذا الواقع تنبه العشرات من المواطنين و المسؤولين السياسيين و الحقوقيين و النقابيين و الجمعويين للخطر المحدق بالمدينة و بشبابها و أصدروا قبل بضعة أيام نداءا للحكومة سموه ب ” نداء الفنيدق ” و الذي تشرفت بتوقيعه ، نداء يحمل موقعوه الحكومة مسؤولية أي انفجار قد يقع بالمدينة ، و مسؤولية التدهور الحاصل للمدينة ، و مسؤولية القتل البطيئ لساكنتها ، و كما طالب النداء الحكومة بالإسراع بوضع برنامج اقتصادي لإنقاذ المدينة ، برنامج اقتصادي يتطلب إنجاز العديد من المشاريع على أرض الواقع ، مشاريع توفر فرص الشغل لنساء و رجال و شباب المدينة ، كما طالب موقعو النداء الحكومة بأن تستفيد مدينة الفنيدق من ” ميناء طنجة المتوسط ” أحد أكبر موانئ القارة الإفريقية و الذي يدر الملايير من الدراهم على الاقتصاد الوطني ، و الذي لا تستفيد منه شيئا مدينة الفنيدق و هي أقرب المدن لهذا الميناء ، كما طالب النداء الحكومة بأن تعمل بجد لإيحاد اقتصاد بديل لنشاط التهريب المعيشي ، و في انتظار إيجاد هذه الاقتصاد البديل و هذه المشاريع الاقتصادية و التي تتطلب بعض الوقت و هو أمر مفهوم ، في انتظار ذلك على الحكومة أن تعيد فتح معبر سبتة لتعيد الحياة و الأمل للمدينة و ساكنتها ، أما استمرار الحال على ما هو عليه ، أي استمرار الإغلاق و استمرار الإهمال ، فلن يؤدي إلا لمزيد من التدهور و مزيد من الاحتقان الذي سيصل للانفجار ، انفجار قد تصل شظاياه إلى العديد من المدن و خاصة المدن الشمالية التي ترتبط مجموعة من أسواقها بما يدخل من معبر سبتة من مواد ، و التي تضرر تجارها من هذا الإغلاق ، و تكفي جولة قصيرة بأسواق كاسبراطا بطنجة و سوق سبتة بالقصر الكبير و سوقي تطوان ليحصل إدراك هذا التدهور ، و هذه الأضرار التي خلفتها شظايا إغلاق المعبر على هذه الأسواق و على تجارها ، فهل ينتبه المسؤولون لما زرعوه ؟؟ هل ينتبهون للخطأ الكبير الذي ارتكبوه ؟؟ هل سيقررون إصلاح الخطأ ؟؟ أم سيلجؤون كالعادة إلى العلاج الذي لا يعرفون علاجا غيره : مزيد من التضيق مع المزيد من اللامبالاة ؟؟؟؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى