الرئيسية

جائزة أدب الطفل في المغرب: تساؤلات وملاحظات

الحسن بنمونة

لا أدري إن كان يحق لي الاعتراض على حدث ثقافي تعرفنا إليه نهاية هذه السنة، (وأنا أعني بها طبعا سنة 2020). الأمر هنا يخص الجائزة التي تبنتها الوزارة منذ سنوات، دعما للإبداع الوطني في مجالات مختلفة. هذا إنجاز يُحمد لوزارة الثقافة المغربية، التي فرض عليها ما يحدث من تحولات في الفكر والثقافة، على المستوى العربي والعالمي؛ أن تساهم بطريقة من الطرق في الاهتمام بمن يشتغل بالكتابة، على أساس تقديم دعم مادي ومعنوي لهؤلاء؛ فالجوائز التي تُنال تكون دائما مرفقة بمقدار من المال، هو مقتطع من المال العام طبعا، وهذا الجزء من هذا المال العام، لا بد أن يسلك الوجهة الصحيحة، وإلا عُدَّ ريعا تستفيد منه فئات أو شخصيات مخصوصة، وهذه الجائزة تكون أيضا مرتبطة بالشهرة، التي ستفتح أمام الكاتب أبواب دور النشر، التي ستتهافت على كتاباته، وقد يسأل عنه المختصون، والدارسون، والمكتبات العالمية، (إننا هنا نتحدث عن الأدب الذي يُوجَّه للطفل، وما عداه لا يهمنا في شيء). ولكن إن كان العمل الأدبي الذي نال رضا اللجنة المكلفة بالتحكيم والاختيار، لا يرقى إلى المأمول «البسيط» في الكتابة، بَلْهَ المرجو فيها، فهذا يعد ريعا تستفيد منه فئات أو شخصيات معينة، يعاد إنتاجها هنا وهناك بطريقة من الطرق.
الوثيقة المنشورة في موقع وزارة الثقافة المغربية، تقول: «وقد ترأس أشغال اللجن الأستاذ عبد الإله بلقزيز، وأسندت رئاسة اللجان الفرعية إلى كل من الأستاذة.. و ..و.. والأستاذ محمد أديوان (صنف السرد والإبداع الأدبي الأمازيغي والكتاب الموجه للطفل والشباب)». والسؤال الذي يجوز إثارته هنا هو: هل يصح اختيار كاتب يرأس لجنة صنف أدب الطفل من خارج السياق، الذي ينتمي إليه هذا الأدب، يعد مشروعا ومؤكِّدا مصداقيةَ هذه الجائزة؟ فالجائزة آلت إلى الإصدار الأول في دورتين؛ الدورة الأولى والثالثة، في مجال أدب الطفل، الذي يتميز بخصائص من حيث اللغة، والمضمون والأسلوب، مع العلم أن كثيرا من المشاركين كتبوا قصصا كثيرة، ومنهم ربما من كتب العشرات، التي نشرت في أرقى دور النشر العربية. وكأن ليس ثمة قصص أخرى تمثَّلتْ فيها اللجنة (وهي شخص واحد فقط، مادامت الأسماء المشاركة في الاختيار متوارية عن الأنظار). الجدة والتفرد والاختلاف، والصنعة الأدبية والإدهاش، غير التي تم اختيارها.

ما نسعى إليه هو أن نقرأ كتبا تفوز بجائزة تدعى «جائزة المغرب للكتاب»، تشرف أدبنا المغربي، في العالم أجمع، وتستطيع منافسة ما يكتب هنا وهناك. فهل يتحقق هذا في المستقبل؟ يتحقق إن قطعنا الصلة بالاحتكام إلى الأهواء..

إننا نتحدث عن الإبداع، الذي يفرض على اللجنة أن تهتم به، وتعمل على قراءته قراءة فاحصة، بعيدا عن الأهواء، التي تفسد النظر، لأن الجائزة لا يستحقها إلا الكاتب الذي أنتج عملا يثير الانتباه إلى لغته وجدَّته وصنعته، وأسلوبه وفكرته، أما إن كانت الجائزة غير معنية بالجيد في الإبداع، وكانت تهتم بالأهواء التي تحيلها مباشرة إلى هذا أو ذاك، لاعتبارات تخرج على نطاق القواعد المسطرة، التي تضمن شرعية هذه الجائزة ومشروعيتها في الحقل الأدبي المغربي، وما سيترتب عنها من شهرة واتساع نطاق وجودها إلى أمكنة أخرى، فإنه يكون على اللجنة المكلفة بتسيير شؤون الجائزة، أن تتدارك الخطأ، فتعين من يمتلك هذا الاختصاص أو ذاك، حتى لا تصبح هذه الطريقة في التعامل مع الأدب، منهاجا شائعا ومستساغا.
نتحول الآن إلى الحديث عن المشكلة التي استرعت انتباهنا، في هذا الأدب المسمى بأدب الطفل، الذي يتميز عن سواه من الآداب الأخرى بمميزات؛ منها أنه يكون مرفقا برسوم تتفرد بميزة الإبداع والتفرد، تمثل حكاية أخرى إلى جانب الحكاية المكتوبة، وأسلوب في الطبع يثير الفضول، والورق الذي اختير للقصة، والإخراج الفني، ولا بأس إن كان الرسام هو الكاتب عينه، ولكن التميز واجب، وهو أساس الإبداع الذي نريد له الانتشار في ثقافتنا، وفي الثقافات الأخرى.
أولا: التفرد في الكتابة، وتحقق إرث أدبي من الأسس التي لابد أن تتوفر في المشارك، فإن لم يكن يملك إلا إصداراً واحداً، في صنف أدب الطفل، وكان يملك إصدارات في مجالات أخرى، فالعبرة في ما أصدره في الاختصاص الذي يُختبر فيه، لا في الاختصاصات الأخرى، وإلا عد هذا تطفلا.
ثانيا: الجائزة لا تختص بالإصدار الأول في أدب الطفل، ولكن يبدو أنها صارت كذلك، إذ لم تسلم من هذا الظاهرة إلا الدورة الثانية. الجائزة تنظر في النص طبعا، وفي الإرث الأدبي الذي تتبناه وثيقة السيرة الذاتية، التي ترفق بهذا النص، وإلا ما جدوى هذه الوثيقة؟
ثالثا: أنت تكتب في مجال يفرض عليك شروطا، ويتطلب أساليب معينة، لتبهر بها القارئ المفترض. ولا شك في أن كتابا آخرين، لم يكتبوا كتابا واحدا فقط، بل كتبوا العشرات، نالت شهرة بين القراء في المشرق العربي خاصة. فإن كان من يكتب عملاً واحداً، هو من يحق له أن يفوز بالجائزة، فأي عبرة في أن يكتب الكاتب عشرات الأعمال؟ يكفيه كتاب واحد، شر كتابة العشرات.
رابعا: التساؤل المشروع الذي يحتاج إلى إجابة هو: هل يصح أن يتكفل شخص واحد، بغض النظر عن الثقافة التي تمكن منها، وأهلته لأن يكون أهلاً لهذه المهمة، بأمر النظر في مجالات مختلفة من الإبداع؟ وهل يصح أن يتكفل بمجال ليس من اختصاصه، لأنه ببساطة من اختصاص نخبة من الكتاب الذين يمتلكون ثقافة تخص كتاب هذا الصنف المسمى بأدب الطفل، ويمتلكون ثقافة بالأسماء التي انتشر صيتها في بقاع العالم العربي، وحققت شهرة جعلتها محط اهتمام دور النشر الشهيرة.
خامسا: إن حديثنا عن أدب الطفل في المغرب، لا يزال يكتنفه قدر من الغموض واللبس، فالقيمون على الشأن الثقافي في المغرب، وجزء منهم ينتمون إلى وزارة الثقافة المغربية، لا يمتلكون نظرة دقيقة عن الحقل الأدبي في المغرب، لهذا تكون نظرتهم قاصرة، يرهنون كتابة قصص الطفل بهذا الكاتب أو ذاك، فتترتب عن هذه النظرة القاصرة، مآسٍ تؤثر في الشأن الثقافي بعامة.
سادسا: هذا يعني، أن الجائزة المسماة بجائزة المغرب للكتاب، لا تمنح إلا لفئة معينة، مع العلم أن القاعدة الأساسية هي أن تمنح لمن يستحقها؛ لمن حقق شهرة داخل المغرب وخارجه، وصنع لأدبه أسلوبا أثار دهشة كبار الناشرين، وكبار الكتاب.
سابعا: الثقافة لا شأن لها بالصداقة.. لها ارتباط بما نبدع، فإن كان الإبداع متميزا، جاز الاهتمام به، ولكن إن كان مجرد كتابة لا فن فيها، فلا عيب إن لم تنل الاستحسان، لأن الصرامة واجبة هنا، إذ يجوز أن يكتب أي كان قصة، وهو براء من الكتابة والأدب، فينال ما يبتغي. والمعروف في الأدب خاصة، أن العمل الوحيد لا يفي بالغرض، إذ يقتضي الأمر كتابة أعمال أخرى. وقد يحدث أن ينال كاتب بإصدار واحدا الجائزة، ثم يتوارى عن الأنظار، وكأن مشاركته كانت تواطؤا مقصودا.
ما نسعى إليه هو أن نقرأ كتبا تفوز بجائزة تدعى «جائزة المغرب للكتاب»، تشرف أدبنا المغربي، في العالم أجمع، وتستطيع منافسة ما يكتب هنا وهناك. فهل يتحقق هذا في المستقبل؟ يتحقق إن قطعنا الصلة بالاحتكام إلى الأهواء..

كاتب قصص وروايات أطفال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى