الرئيسيةكتاب وآراء

الكورونا والحمولة الأخلاقية الزائدة

وسام سعادة

فيروس كورونا حيثما أنتَ الآن، وسواء عرّضك لاختباره بشكل مباشر، أو خفي عليك أنّه استوطن جسمك خلسةً وهو ماض في طريقه الى الآخرين، أو قصرت بينك وبينه المسافة، على مسمع أخبار الإصابة والمعاناة بل الموت من حولك، هو فيروس يشعرك طول الوقت بأنّه يراكم فوق منكبيك حمولة «أخلاقية» زائدة. كمثل أن تتسبب في تعاسة الغير، لا بل من هم الأقرب إليك، بمجرد أن تُصاب به فتُصيب، وأن تتحول من «مطارد» من قبل فيروس الى «معتدى عليه» الى «جسم في خدمة فيروس للإغارة على الآخرين».
كأنه لا يسرّ هذا الفيروس أنك أمسيت ضحية له، فيبعثك الى الأنام ناقلاً، عضواً عاملاً في الشبكة الكونية التي يقودها، جنديا في جيشه العظيم.
تنبثق عن الحمولة الأخلاقية الابتزازية التي يراكمها الفيروس فوق كل واحد منا، مجموعة متنوعة من»المعضلات». تبتدئ من تحديد المعيار القيمي الذي على أساسه يمكن مخاطبة ضمائر الناس للطلب منهم التقيد بالكمامة، وتعرّج على تحديد من الأولى بأجهزة التنفس الاصطناعي، ومن الأولى في أخذ اللقاح، وما هو التصرف المجدي حيال الذين يرفضون «التطعيم» ناهيك عن الإشكاليات المتصلة بالتوفيق العسير بين أولوية مكافحة وباء كوكبي وبين أولوية تأمين لقمة العيش.
ما يفاقم هذه الحمولة ويجعلها «جلطة نفسية شاملة» هو طغيان أنماط وأساليب الفصل بين الأخلاق وبين الفكر، بحيث نحشر نفسنا ما بين عدميّ يهاتر بأن الأخلاقيات أمزجة وعوائد لا أكثر، وبين قصير نظر يخال أنّه لا مكان في الحقل الأخلاقي للمعضلة والحيرة، وأن الأمر الأخلاقي يُعرف رأساً من نقيضه بالغيب أو بالحدس، بلا برهان، أو بالزجر والنهر، بلا تبيين.
لقد مثّل التعامل مع القضايا الأخلاقية من حيث هي «معضلات» يمكن بناء نماذج ذهنية افتراضية لها، الفتح الأساسي للفلسفة التحليلية «الأنغلو ساكسونية» (أي، أساساً، المنطلقة من «التحليل المنطقي للغة») مرة وقد توسعت الى المجال القيمي – الأخلاقي. بعض من هذه الحمولة الأخلاقية الزائدة للوباء سيكون من الأنسب التعامل معها باشاعة هذه النظرة الى المشكلات الأخلاقية كمعضلات بالدرجة الأولى.
و»المعضلة» ليست لغزاً ولا هي مأزق مسدود. المعضلة هي تعارض بين القيم في وضع محدد. بحيث يستوجب الأمر الاختيار. وهذا التعارض بين القيم ليس» تأملياً» فقط بل هو «عملي» بالدرجة الأولى، لأنه يعني الاختيار بين فعلين مختلفين ليس بالمتسع الجمع بينهما في الوضع المطروح.
قد تكون الفلسفة التحليلية في المجال الأخلاقي قد غالت في أمر المعضلات واختزلت كل شيء بها، ولعلّ مشكلتها الفعلية أنّ المعضلات عندها تميل الى التمحور حول سؤال واحد في نهاية المطاف «من الذي ينبغي التضحية به في الوضع المعنى». الا أن التداول في المسائل الأخلاقية من دون مكانة حيوية لـ«المعضلات» هو أمر أسوأ بكثير.
لقد توفيت في أواخر نوفمبر الماضي رائدة الخوض بـ«المعضلات» في الفلسفة الأخلاقية المعاصرة، الأمريكية جوديث جارفيس طومسون، عن 91 عاماً، هذا في وقت كانت تستعاد فيه من مواقع متنوعة وبرؤى مختلفة، بعض المعضلات التي سبق لها معالجتها قبل نصف قرن من الآن، وذلك بداعي الإجابة على الأسئلة الراهنة، وفي طليعتها معرفة على أي أساس يمكن التسويغ، من موقع الفكر الليبرالي، لموجب التقيد الإجباري بالكمامة، أو كيف يمكن التسويغ لأولوية هذا على ذاك بالنسبة إلى جهاز تنفس، أو بالنسبة إلى قائمة المسجلين لأخذ اللقاح.
هذا مع أن المعضلتين التي اشتهرت طومسون بمعالجتهما لا علاقة لهما بدينامية «العدوى» وإن لعبتا دورا أساسيا في تطوير التفكير حول الحق والواجب وحول الشخص ونطاقه وحريته. أكثر من ذلك، قامت طومسون بنفي أشباح العدوى حيث هي غير موجودة.

لئن بدأت الليبرالية في زمن جون لوك (ت 1704) بالنظر إلى الملكية الشخصية كامتداد لجسد المالك، فقد عكست طومسون الآية، النظر الى الجسم نفسه كملكية شخصية لصاحبه

فالمعضلة الأولى تعلقت بالإجهاض. قبل طومسون كان المعسكر المؤيد للاجهاض يبني حجيته على نفي صفة «الشخص» عن «الجنين» في بطن أمه، ما يقود الى نفي الأمومة عن الأم قبل أن يلد الطفل. ما دام ليس شخصاً، فليست له كيانية. عكست طومسون المسائل، الجنين شخص له حق الحياة مثل أي شخص آخر، لكن ليس له حق إجباري في البقاء في بطن أمه ان هي لم ترد ذلك.
طرحت هذه الفيلسوفة نموذجاً غريباً. افتراض انك تستيقظ لتجد عازف كمان شهير الى جانبك في السرير، ويجري إعلامك ان السلطات الطبية ارتأت بعد فحص ملفاتها، انك صاحب الجسد الوحيد المؤهل إنقاذ هذا العازف. بأن يجري وصل جهاز جريان الدم في جسمه بالكلى في جسمك لاستخراج السموم منه. وذلك على مدى تسعة أشهر يستعيد بعدها عافيته وينفصل عن جسمك. أما إذا قررت فصل جسمك عنه قبل ذلك حكمت عليه بالموت.
ارتأت طومسون انه من المبرر أخلاقيا، ان يفصل المرء جسمه عن حياة العازف قبل الفترة الضرورية لنجاته، وبالتالي أن «تدعه يموت» ذلك أن الحق في الحياة لا يتضمن استخدام جسد لجسد آخر كي يستمر في البقاء، وعندما تنفصل عن عازف الكمان هذا قبل المدة المطلوبة لعلاجه من خلال الكلى التي في جسمك أنت، فأنت لا تحرمه من الحياة، انما تحرمه من استخدام جسدك ولو انك بذلك «تدعه يموت» وهذا فارق أساسي. في حال قررت ابقاءه معتاشاً عليك تسعة أشهر كاملة سينم قراراً عن «الجود» لكنه ليس واجباً اخلاقياً.
على هذا قاست طومسون الإجهاض: فهو لا يحرم الحياة للجنين، بل يحرمه من استخدام جسم المرأة الحامل به الذي ليس له. وهذا فتح اشكالية مستقبلية، حين تتأمن تكنولوجيا طبية لابقاء الجنين حيا بعد انقاذه: فطومسون تقول بوجوب ذلك، وغيرها يخالفها ويربط الأمر بقرار الأم.
لقد تركز أغلب النقد الموجه لطومبسون سواء من أنصار تشريع الإجهاض أو من أخصامهم حول صوابية هذه المقارنة بين عازف الكمان وبين الجنين، لكن اهم ما قامت به طومسون هو دفع المنطق الليبرالي الى أقصاه، فهو بعكس الرائج ليس منطقاً نفعياً، أي أن المعيار فيه ليس عواقب الأمور او نتائجها، وليس منطقاً واجبياً تجاه الآخر، بل مبني على التقيد الكامل بمنطلق أن لكل جسده، ولكل واحد السيادة الكاملة على هذا الجسد، انما، في حالة طومسون، بما في ذلك الجنين. له السيادة المطلقة على نفسه، لكن ليس له حق مكتسب في بطن أمه، فهذا مرتبط بمجالها السيادي هي.
لئن بدأت الليبرالية في زمن جون لوك (ت 1704) بالنظر الى الملكية الشخصية كامتداد لجسد المالك، فقد عكست طومسون الآية، النظر الى الجسم نفسه كملكية شخصية لصاحبه. الأجسام غير متعلقة ببعضها البعض اضطرارياً، انما يمكن أن تجود على بعضها البعض. أو بمعنى آخر، مع فلسفة طومسون ظهرت ماهية الليبرالية: إنها «دعه يعمل، دعه يمت». أقل ما يقال اليوم، ان التشابكية الاضطرارية بين البشر، بحكم تفشي الجائحة، والعزلة الإجبارية المنشودة بين كل نفر وآخر، انما تعرّض منطق طومسون لاختبار قوي.
هل يمكن القول ان طومسون استعدت لهذا الاختبار بالمعضلة الشهيرة الأخرى التي خاضت بها، عنينا معضلة عربة الترام؟ سبقتها اليها الفيلسوفة فيليبا فوت، حين سألت عن موقف سائق ترام تتعطل فرامله وعليه ان يسلك احدى سكتين، فإما ان يدهس خمسة على واحدة، او شخص واحد على الأخرى. قسم كبير من الناس سيقول ان الأفضل التضحية بواحد من خمسة. تدخلت طومسون لتعديل النموذج. لنفترض ان الترام فقد السيطرة على الفرامل ويتجه لدهس خمسة انفار غير قادرين على الحركة متواجدين على السكة، وانت فوق الجسر وتعلم جيدا انه اذا رميت الرجل السمين الذي يقف بالقرب منك على السكة بإمكانك ان تضحي به لإنقاذ الخمسة، هل تفعل؟ وهل يكون فعلك أخلاقيا؟ وعلام سيختلف الامر عن الفعل السابق؟
سؤال طومسون هذا هو الذي يتراءى لنا في جميع الأسئلة اليوم. هي أجازت ان تدع عازف الكمان في المثال الأول يموت، ودافعت عمليا عن حق السمين في ان لا يرمى من الجسر في المثال الثاني. لكن ماذا لو قلبت المسائل؟

كاتب لبناني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى