الرئيسيةكتاب وآراء

هل سيؤدي نزاع الصحراء لحرب عالمية؟

مصطفى سلمى ولد سيدي مولود

خلق وضع ما بعد 13 نوفمبر ديناميكية جديدة على مستوى نزاع الصحراء الذي ظل يراوح مكانه منذ أزيد من ثلاث عقود. فقد حقق المغرب أحد أكبر أهدافه بعد أن باتت أراضيه متصلة بعمقه الأفريقي دون حواجز، وأصبح في وضعية مريحة يستطيع معها الإستمرار في النزاع إلى ما لا نهاية دون أن يتأثر إلا بالقدر الذي سيتأثر به غريمه الجزائر إن حصل توتر في المنطقة.

والجزائر التي كانت حرب الصحراء بعيدة عن حدودها، ولا يصلها من تأثيراتها إلا ما تصرفه على جبهة البوليساريو من أموال، استيقظت صباح 13 نوفمبر على أصوات قذائف حرب الصحراء على حدودها لأول مرة منذ اندلاع النزاع قبل قرابة نصف قرن من الزمن. ورأت أن التطورات الجديدة في النزاع قد تقلب الطاولة عليها إذا ما استكمل المغرب الـ15 كيلومترا الفاصلة بين حزامه الدفاعي في قطاع المحبس وحدودها مع موريتانيا عند نقطة 75 كلم من تيندوف، وتصبح البوليساريو مشكلتها بعد أن كانت قضيتها منذ نشأتها منتصف السبعينات.

الوضع ما بعد 13 نوفمبر وضع الجزائر أمام ثلاث خيارات:

1: القبول بالأمر الواقع على الأرض ومجاراته كما كان حاصل منذ توقيع اتفاق وقف إطلاق النار بين جبهة البوليساريو والمغرب سنة 1991، وخسارة مجهود خمسة عقود من الإستثمار في نزاع الصحراء، مع استمرار إثقال كاهل الخزينة الجزائرية المنهكة أصلا بتمويل مخيمات الجبهة في تيندوف وقطاعاتها العسكرية المحاصرة بين موريتانيا والحزام الدفاعي المغربي في مناطق شرق الحزام في انتظار اندثار وتلاشي القضية الصحراوية مع الوقت.

2: التسليم بالتفوق المغربي ودفع البوليساريو لقبول مقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، مع تفاهمات تضمن للجزائر مصالحها في المنطقة.

3: الدخول في حرب مباشرة مع المغرب لمحاولة تغيير معادلة كفة النزاع التي مالت لصالح المغرب بشكل قياسي، يصعب معه استعادة توازنها بالطرق الديبلوماسية.

لم تكن الجزائر بعيدة عن ما حصل في الكركرات، وقد أرسلت صحافتها إلى الرابوني يوم 27 سبتمبر، لإجراء لقاء متلفز مع غالي قبل أن تذهب المجموعة التي أغلقت المعبر أزيد من 20 يوما، وصرح فيه أن أي مساس بمواطن صحراوي يتظاهر في الكركرات يعتبر إعلان حرب ما يفهم منه أن عملية غلق المعبر كانت بأمر أو مباركة من عسكر الجزائر.

ليس من الوارد أن لا تكون القيادة الجزائرية تعلم وتضع في الحسبان أن المغرب يتحين الفرصة لفرض الأمر الواقع في منطقة الكركرات وإخراج المعبر الذي يربطه بالعمق الأفريقي من دائرة المزايدات التي تعيق تجارته مع أفريقيا. الشيء الذي يطرح أكثر من علامة استفهام حول التوقيت والمبررات والأهداف التي أرادت الجزائر تحقيقها من وراء تدخل البوليساريو في الكركرات، التي نتج عنها ليس فقط تسهيل تجارة المغرب مع إفريقيا، بل إعطاءه الحجة لتجاوز الحدود التي رسمها اتفاق 1991، وهي سابقة قد تفتح الباب أمام المغرب للتقدم في مناطق أخرى إذا ما تعرض لاستفزاز مماثل.

من ردة فعل الجزائر والبوليساريو المحتشمة على التقدم المغربي في منطقة الكركرات يمكن قراءة أن الجزائر:

– أصبحت ترى في جبهة البوليساريو عبئاً عليها، ودفعتها للانتحار في الكركرات لتجعلها تقف على حقيقة أن الموقف محسوم ميدانيا لصالح المغرب، وتضطرها إلى مراجعة خياراتها والقبول بتسوية معه. وهو خيار ليس له ما يبرره في ظل التقدم المغربي على كافة المستويات على حساب الجزائر وحاجة الأخيرة للبوليساريو كورقة مساومة ضد المغرب.

– أن الجزائر تعمدت أن يخرق المغرب وقف إطلاق النار كما تسوق دعاية الجبهة، لتجد البوليساريو الحجة للعودة للحرب التي ستصبح الحدود مع الجزائر ساحتها، فتكون سببا لدخول الجزائر في حرب مع المغرب. وهو تفكير بليد يدحضه وضع الجزائر السياسي والإقتصادي والأمني، فالجزائر غير جاهزة بأي حال من الأحوال لحرب مفروضة عليها، وأحرى أن تختارها لنفسها.

ما يرجح أن القيادة الجزائرية دخلت معركة الكركرات بسوء تقدير لردة الفعل المغربية، أو أن طرفا دوليا غالطها ودفعها لارتكاب تلك الحماقة سعيا منه لوضع أطراف النزاع أمام أمر واقع يحتم عليهم التوصل إلى تسوية أو مساومة الجزائر في بعض مواقفها.

وهذا الرأي تزكيه التصريحات والتحركات الجزائرية التصعيدية بعد انقشاع غبار معركة الكركرات، وإعلان جبهة البوليساريو التنصل من إتفاقية وقف إطلاق النار والعودة لحرب تعلم الجزائر أنها محسومة عسكريا لصالح المغرب إذا ما خاضتها قوات جبهة البوليساريو منفردة، وقد تكون سببا لطرد قوات الجبهة من المناطق الصحراوية شرق الحزام وتدفع بها للتراجع نحو الأراضي الجزائرية، وتفقد الجزائر آخر أوراق ضغطها في صراعها مع المغرب.

لذلك لم تتعدى حرب البوليساريو الجديدة بلاغات يومية عن حرب افتراضية، حاول الإعلام الجزائري النفخ فيها وتسويق أن المنطقة باتت خطرة لجعل الاستثمارات الأجنبية تتوقف في المغرب ويهجره المستثمرون والسياح بهدف الإضرار به اقتصاديا ويرضخ للشروط الجزائرية.

البوليساريو لا تستطيع محاربة المغرب عسكريا لوحدها، وحرب الإعلام الجزائري لم تحقق أياً من أهدافها، بل وضعت الجزائر في حرج كبير أمام الرأي العام العالمي. وبقاء الوضع على حاله يزيد من أعباء الخزينة الجزائرية، فالبوليساريو بعد 13 نوفمبر لم تعد قادرة على تحقيق أياً من أهداف الجزائر.

وبين أن يعود المغرب لوضع ما قبل 13 نوفمبر، أو أن تسلم الجزائر بالأمر الواقع وتخضع للشروط المغربية أو أن تقدم تنازلات كبيرة في مواقفها الدولية، تظل احتمالية حرب مسلحة جزائرية مغربية أكثر من راجحة، وقد بدأت الأطراف تحتاط وتعد العدة لخوضها. فالمغرب فتح عدة ثغرات في الحزام الدفاعي استعدادا لضم باقي المناطق الصحراوية شرق الحزام خلف حزامه الدفاعي وإبعاد قوات البوليساريو منها لتقليص جبهة المواجهة مع الجزائر التي بدأت ترسل إشارات من تيندوف على استعدادها وتهيئها لتلك المواجهة التي لم يعد يحول دونها غير أن تنتقل معارك الجبهة من العالم الإفتراضي إلى أرض الواقع. فلن تكسر الجزائر التفوق المغربي دون حرب تدمر الطرفين ليبدأوا السباق من جديد من نقطة الصفر.

يتبع

المفتش العام السابق في شرطة جبهة البوليساريو والمعتقل السابق لدى هذه الأخيرة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى