الأجناس الكبرىالرئيسيةالمجتمعروبرتاج

هل تعرف حال المهمَّشين في جبال المغرب؟

يُحاول الطبيبُ بذلَ كلّ جُهدهِ كي يُسعفَ المريضَ، فلو زرنا المستشفياتِ، فإنّنا لن نُفرّق بين الأطبّاء والممرّضينَ وأهلِ المرضى، الجميعُ خائفٌ على انتهاءِ حياةِ من يحبّهُ، ولو كانَ الموتُ آدميّاً، لتسابق الكلّ على قَتلِهِ؛ هذا طفلٌ لم يبلغ الحلمَ قد رَحل، وهذه زهرةٌ في مُقتبلِ العُمر تتألّمُ؛ إذ لا عُمُرَ للتّعبِ، قد يُصيب الكبيرَ وقد يتخطّاهُ إلى الصّغيرِ، وما دام الدّواءُ حاضراً، فإنّ الأملَ يُزاحمُ اليأسَ، وتبقى الكلمةُ للأجلِ. حينما يموتُ شخصٌ ما، لا يؤلمنا موتهُ ونحنُ قد أسعفناهُ ولم نترك من جهدنا عليهِ، لكنّ الذّنبَ يلتهمنا إن تركناهُ دونَ علاجٍ، أو تجاهلناهُ، خصوصاً إن حصل على حينِ غفلةٍ، وغادَرنا، وكانت هُناك امكانيةٌ ليعيشَ لو تمّ اسعافهُ في الوقتِ المُناسب.

لا توجد عبارةٌ أقسى من: “لو أتيتم بهِ قبل وقتٍ قليل”، فلكم تُعذّبنا هذه الـ”لو”، التي لا يُوقفها سوى أنّنا نركنُ للقدرِ، ونهوّنُ فاجعتنا بتكرارِ: “إنّا لله، ولله ما أعطى، وله ما أخذ”، فالإيمانُ مُهمٌّ بشدّة في مثل هذه اللحظات. قبل سنواتٍ، كانت الثلوجُ تغطّي قريتنا وبعضَ القُرى المُجاورة لنا، فكانت هناكَ امرأةٌ حامل تسكُنُ في أحدِ جبالِ الأطلسِ المتوسّط، فلم يشأ المخاض إلّا أن يزورها في ليلةٍ ثلجيّة، وبسبب وعورة الطّريقِ لم تصل إلى أقربِ مدينةٍ فيها مستشفى إلّا بعدَما أزهَقت روحَها في الطّريقِ، أتساءَلُ: هل كانَ هذا قَدَراً، أم يُمكن إيقاف تكرّره بإنشاء مراكزِ ولادة قريبة من كلّ مجموعةٍ سَكنيّة/جبلية مُتناثرة؟ ألم يكن بالإمكان إسعاف هذه المرأة لو كانَ الطّبيبُ أقربَ قليلاً؟ أضعُ يدي على قلبي، وأجيبُ: “للهِ ما أعطى، وله ما أخذ”.

قد لا نَستطيعُ إرجاعَ حياةٍ، لكنّنا نستطيعُ أن نعتَبِرَ منها، قد يكونُ الوقتُ فاتَ على مُساعدة ميّتٍ، لكنّ الوقت لم يَفُت بعد على مُساعدةِ الأحياءِ، فقد مات مئات النّاس الذينَ يسكنونَ في أعالي الجبالِ، أو المناطق المنعزلة، بسبب بُعد المستشفياتِ، وغياب الطّبيب عن المستوصفِ، وعدم وجود طريق يفكُّ عنهم العُزلة، فهل يُعتبرُ إحداثُ طريقٍ بمثابة شيء كبير في مثل هذا الزّمن الذي نعيش به؟

يحبُّ أهلُ المدينةِ الذّهابَ في العُطل نحوَ القُرى، والبوادي، فلا يَرَونَ من الصّورةِ إلّا نصفها، يستيقظونَ متى استراحوا، ويأكلونَ أكلاً صحّياً، ويردّدونَ طوال الوقتِ: نغبطكم على هذه العيشةِ، كم أنتم محظوظونَ لأنّكم هُنا، ومُرتاحونَ من صَخَبِ المدينة. فيُصدّق الكبارُ والصّغار الأمرَ ويبدؤون بتناقُلِهِ قائلينَ: “كلّ أهلِ المدينةِ يرغبون في الفرار إلى هُنا”، بعدَ كلّ وجبةٍ، يذهبُ الضّيوف للمشي أو التنزّهِ بين الحقولِ، والأشجارِ، وهذه تخافُ من كلبٍ، والأخرى تصرخُ من طيفِ أيّ حيوانٍ أليف وتظلّ ممسكةً بأمّها طوال الوقتِ، ولا أحدَ منهم يدري، ما الذي يعانيهِ أولئك النّاسُ في البردِ، ولا مقدار التّعبِ الذي يجعلهم يسقطونَ كالموتى بعدَ الثامنةِ مساءً، فإن تمنّيتَ عيشتهم، فدعني أسألك سؤالاً واحداً: هل تعرف-حقّاً- حال المهمّشينَ في الجبال؟

التعليم في جبال الأطلس

يترُكُ العديد من الأطفال الدراسة بسبب البُعدِ، وقلّة الدّراهِمِ، وقد يتحمَّلُ التلميذُ الذي يدرسُ في الصّف الأوّل أو الثّاني وحتّى السادس مشقّة الذهابِ والإيّاب كلّ يومٍ لأكثر من عشرة كيلومتراتٍ، في حينِ أنّه وفي روايةٍ أخرى، لا يُمكن للأهلِ أن يتركوا طفلهم يذهبُ وحده ولو كانَ في الصّف التاسعِ. يذهبُ الأولادُ لمسافةٍ طويلة، في أحسنِ الأحوالِ بملابسَ دافئة، وفي أسوئها بجوارِبَ مُتآكلة وأحذيّة بلاستيكيّة تُساعد على تشقّق أرجلهم أكثَرَ. فكيفَ سيمكن لطفلٍ كهذا أن يكمل تعليمَهُ؟

والتعليمُ يكونُ عقيماً أكثر عند الفتياتِ اللواتي لا يُكملنهُ إن لم يجدنَ دعماً، فمنذ صغرهنّ يتعلّمن الطّبخ، والتنظيفَ، وتكونُ البنتُ صديقة أمّها في عملِ البيتِ، والجذعَ الذي تستندُ عليهِ جذور البيتِ إن غابت الأمُّ، تطبخُ لهذا وذاك، وتنظّف هنا وهناك، مع بعض الأشغال الإضافية الأخرى. كانت تدرسُ معي فتاةٌ تأتي قبل ساعة من الموعدِ على قدَمَيها، والطّريقُ وَعرٌ، وقبلَ هذا تكونُ قد استيقظت في السّاعة الخامسة، لتعجنَ الخُبزَ، وتنظّف البيتَ، وتساعدَ أمّها على حلبِ البقرِ، ثمّ تأتي بعدَ إنهاكٍ مُسبقٍ، ولم أرَها تشتكي من قبلُ، بل كانت تحبّ الدّراسةَ، إلّا أنّ الأب كانَ مُخيّراً بينَ إتمامها لدراستها أو إتمام أخيها لدراستهِ، فاختارَ دراسة وَلَدِهِ، تحتَ ذريعة أن الابن سيكونُ مسؤولاً عن بيتٍ، وهو أكثر حاجة إلى الدّراسة منها، ولا يمكنه تحمّل مصاريفهما معاً.

المعاناة مع الثلوج

هُناك وثائقيٌّ نُشِرَ بعنوان “تحت الثّلج” يشرح قليلاً من معاناة سكّان البوادي المعزولة مع الثّلجِ، ومجرّد مشاهدة ذلك الوثائقيّ يشرحُ جزءاً من المعاناةِ، فكما نعرفُ جميعنا، فلا يعمل هؤلاء النّاس غالباً سوى في الفلاحة ورعاية المواشي، ممّا قد يجعل الدّخلَ محدوداً أو يَرفَعَهُ، فحينما يقتربُ عيد الأضحى، تجد خرفانَهم تُباعُ، بعدما جهّزوها طوال السّنة بمشقّة الأنفس، فلا يوجد لديهم مصدرُ دخلٍ في وظيفة ما، أو عملٍ آخر ليعوّضوا به، لذلك تجدهم يبيعونَ، ليشتروا، ويزرعونَ، ليحصدوا. ولا توجَدُ فترة أقسى على الفلّاح من وقت هبوب الثّلجِ، فبينَ أن يضيعَ ما زَرَعَ، ويفسُدَ، لا تخرُجُ أيضاً الخرفانُ والبهائم الأخرى لترعى، بل يجب أن يشتري لها علفاً ويحضرهُ لها، ممّا يزيدُ من مصاريفِه، ويخيّرهُ في أسوأ الأحوالِ بينَ أن يأكل هو وأسرته، أم تأكل بهائمهم والخرفان.

يحتاجُ النّاس في هذه الفترة إلى التدفئة، فالليالي الباردة تكون قاسية، ولا يمكن للأغطية وحدها أن تَحميهم من برودَتها، ممّا يلزمُ إحضار الحطب والذّهاب للغابةِ، وكما نعرفُ ففي بعض الأحيان تظهرُ حيواناتٌ خطيرة، فهي الأخرى تجوعُ، فتوسّع منطقة خروجها لتبحث عن الأكلِ، وأوهَنُ الشّرِّ أن يذهبوا في ذلك البردِ الشّديدِ، ويأتوا محمّلينَ بالحَطَبِ، فيرتّبونَهُ على ظهورهم، كما يوضع الطّفل على الظّهر، إلّا أنّ الحطَبَ يكونُ أثقَلَ وأبرَدَ، ولا يُحَصَّلُ بسهولةٍ. فالقَطعُ يحتاجُ إلى عضلاتٍ، وقد يجرحُك شرخٌ، وقد يكونُ من العَصيِّ قطعُ غصنٍ، وقد تكونُ يدكَ أجمدَ من أن تستطيعَ الحِراكَ.

يشتري النّاس المؤونة استعداداً لمثل هذه اللحظاتِ، إذ لا يمكنهم الخروجِ في تلك الطريق الوعرة، فالثّلج يخبّئ الكثير من الفخاخ، قد تضعُ رجلك وتحسب أنّها على تُرابٍ، وإذ بها على بركةٍ ستسقطُ فيها ولن تعرفَ الخروجَ إلّا بمشقّةٍ، إن خَرَجتَ. ومن الطّبيعيِّ جدّاً أنّ الأطفالَ لا يذهبونَ إلى المدارس إن اشتدّ الثّلجُ، وقسى البردُ، على أملِ أن تطلّ الشّمسُ، وتبدأ الحياةُ باستعادة عافيتها.

الماء ليس رفاهية

إن أردتَ أن تشرب تذهبُ مباشرة إلى الصنبور لتأخذ منه حاجَتَكَ وكِفايَتَكَ، وإن أردت غسل الملابس يكفيكَ وضعها في غسّالةٍ ستتكلّفُ بأخذ حاجتها من الماءِ، لكننّنا في البُعد الذي نتحدّثُ فيهِ، إن لم تَذهبَ لإحضارِ الماءِ من البئر فلن تشربَ، وإن لم تأخذ ملابسك إلى جانب منبع الماء لتغسلها هناكَ فلن تُغسَلَ، وإن لم تُحضر دلواً مليئاً بالماءِ فلن تغسل الأواني المُتّسخة، ولن تَطبُخَ. الماءُ عندنا تَرفٌ، وعندهم حاجةٌ مُهمّة تغيبُ من حينٍ لآخر، أو تنعدمُ لدرجة أنّهم يأخذونَ الثّلج ويضعونه في إناءٍ ليذوبَ؛ حينما تتجمّد المنابع.

كيف يمكنني أن أساعدَ هؤلاء النّاس على مواجهةِ ما يُقاسونَه؟

حينما يتّحدُ النّاسُ تبدو الفواجعُ أهوَنَ، ولا تضيعُ الجُهودُ، فالنّاسُ للنّاسِ، ويومٌ لك، وآخرُ عليكَ، قد تختلفُ المعاناة لكنّ التيسيرَ يأتي من البسيطِ، إن صَرفتَ الخيرَ عادَ لكَ بالخيرِ، وإن صرفتَ الشّر عادَ لكَ شرّاً، وهذه قاعدة معروفة، فمن سعى في جبر خواطر النّاسِ، جبر الله خاطِرُهُ.

العديد من القوافل تحزم أمتعتها من أجل زيارة ساكني القرى المعزولة، فلا بأس بأن نُساهم معهم، مساهماتٍ إن لم تكن ذات نفع وخير علينا فلن تعودَ علينا بأيّ ضرر.. أبواب المساهمة مُشرّعةٌ، ولا يتمّ احتقارُ صغرِ الدّراهِمِ ولا كبيرها، فقطرةً بقطرةٍ، يمتلئ البحرُ على أملِ أن يأتيَ يومٌ يعيشُ فيه الجميعُ بكرامةٍ، في وَطنٍ، يجبُ أن يحتَرِمَ ضُعفَ مواطِنيهِ، ويهتمّ بفكّ العزلة عنهم، حياتهم جميلة، ومُريحة، لكن: تنقصها أشياءٌ كثيرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى