الرئيسيةكتاب وآراء

أيهما أخطر: سرقة البيض أم الوطن؟ !

اسماعيل الحلوتي

في خضم الزوبعة الكبرى من الغضب الشديد التي أثارتها كارثة فيضانات مدينة الدار البيضاء، قلب المغرب النابض وعاصمته الاقتصادية، جراء تهاطل الأمطار الغزيرة التي كشفت في بضع ساعات من يوم الثلاثاء 5 يناير 2021 عن هشاشة البنية التحتية، وما ترتب عنها من أضرار بشرية ومادية بليغة، أدت إلى ارتفاع أصوات الاستنكار والتنديد باستشراء الفساد في الصفقات العمومية والتدبير السيء، والمطالبة بضرورة التعجيل بمحاسبة المتورطين، إقالة عمدة المدينة القيادي بحزب العدالة والتنمية عبد العزيز العماري، وفسخ العقد مع شركة “ليديك” الفرنسية المكلفة بالتدبير المفوض للكهرباء والماء والصرف الصحي السائل، بسبب ضعف خدماتها وإخفاقاتها المتكررة في مواجهة الفيضانات…

فإذا بالرأي العام يهتز على وقع حادث سرقة، فجرته متابعة إحدى المواطنات في حالة اعتقال بتهمة سرقة كمية من البيض، وهي واحدة من العاملات بوحدة صناعية خاصة بإنتاج البيض داخل النفوذ الترابي لإقليم الرحامنة، تعود ملكيتها لأحد ممثلي الأمة من حزب “الأصالة والمعاصرة” المعارض.
وسواء تعلق الأمر بسرقة 16 بيضة كما يتم تداوله على صفحات التواصل الاجتماعي وخارجها، أو بأزيد من ذلك بكثير كما يدعي البرلماني صاحب الوحدة الإنتاجية، وسواء قام هذا الأخير بتكليف محاميه بالتنازل عن شكايته ضد مستخدمته استجابة لعدة اعتبارات منها الإنسانية ومنها التدخلات الحزبية، أو من أجل استغلال الحادث في الدعاية لشخصه وحزبه في إطار حملة انتخابية سابقة لأوانها، حيث كان بإمكانه أن يعاقبها بوسائل أخرى، كاقتطاع ثمن البيض المسروق من أجرتها والوقف المؤقت عن العمل، مراعاة لظروفها العائلية ودون إثارة كل هذه الضجة.

فإنه فضلا عن أن السرقة فعل مناف للأخلاق، ليس له ما يبرره مهما كان حجمه وكيفما كانت درجة مرتكبه. تعد كذلك جريمة يعاقب عليه القانون، باعتبارها اعتداء على ملكية منقول وحيازته بنية تملكه، حيث أنه تعرض لها في عدة فصول ومنها الفصل 505 الذي ينص على: “من اختلس عمدا مالا مملوكا للغير يعد سارقا، ويعاقب بالحبس من سنة إلى خمس سنوات، وغرامة من 2000 درهم إلى 20 ألف درهم” وتتراوح العقوبة بالسجن في الفصل 509 ما بين عشر سنوات وخمس عشرة سنة وغرامة من 5 آلاف درهم إلى 50 ألف درهم، إذا ما اقترنت بظرفين من مجموعة الظروف المحددة سلفا، ومنها مثلا أن يكون السارق عاملا أو متعلما لمهنة، وارتكب السرقة في مسكن مستخدمه أو معلمه أو محل عمله أو محل تجارته، ويتلقى أجرا مقابل عمله.

وبصرف النظر عن كون الإسلام حرم السرقة والاختلاس وخيانة الأمانة والربا والغش والرشوة، واعتبر أن كل ما يؤخذ بغير حق يندرج في خانة أكل الأموال بالباطل. وبعيدا عن قوله تعالى في سورة المائدة الآية 38: “والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله، والله عزيز حكيم”، وعن العقوبات القانونية، فإن السرقة متعددة الوجوه والأشكال ولا يجمع بينها سوى أنها عمل مجرم قانونا ومحرم شرعا، إذ هناك سرقة من اختصاص الصغار وأخرى أخطر يقترفها كبار “اللصوص” الذين غالبا ما لا تطالهم يد القانون، في ظل ما يتمتعون به من سلطة ونفوذ. وهي في الحالتين معا سلوك ممقوت، يقتضي التصدي لصاحبه وحماية المجتمع وأفراده.

فطالما وجدنا عمالا في بعض المقاولات الصناعية والتجارية وغيرهم من العاطلين والمنحرفين يقدمون على ممارسة السرقة دون أدنى شعور مسبق بالعواقب، إما لسد بعض حاجياتهم البسيطة أو حسب نزواتهم العابرة أو كرد فعل عن رفضهم لظروفهم الصعبة. ولا يدركون خطورة تصرفاتهم إلا عند ضبطهم متلبسين، إذاك يشعرون بالندم على ما اقترفته أيديهم. وهؤلاء ليسوا في الواقع سوى ضحايا فشل السياسات الاقتصادية والاجتماعية للحكومات المتعاقبة، التي عجزت عن إصلاح منظومتي التعليم والصحة، تحقيق التنمية والعدالة الاجتماعية، الحد من معدلات الفقر والأمية والبطالة وتقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية…
وفي المقابل هناك صنف آخر من “اللصوص”، ولعله الأشد خطرا الذي ما انفك يتهدد خيرات البلاد ويرهن مستقبل الأجيال الصاعدة في كف عفريت. ويتعلق الأمر برموز الفساد من محترفي “السرقة” عبر مجموعة من المناورات والأساليب الدنيئة، حيث أن عددا منهم يلجأ إلى تفصيل القوانين على المقاس في استنزاف المال العام، من خلال تعدد التعويضات والامتيازات… ناهيكم عن التملص الضريبي وتهريب الأموال إلى الخارج واستغلال رخص النقل ومقالع الرمال والصيد في أعالي البحار وعائدات الفوسفاط… فاللصوص الحقيقيون هم أولئك الذين يعقدون الصفقات المشبوهة وينهبون الميزانيات الضخمة، وهم من أفرغوا صناديق التقاعد ويتقاسمون ثروات البلاد، تاركين خلفهم جحافل من الشباب العاطل والمهمشين. وهم الذين ساهموا في صناعة البؤس وارتفاع معدلات الفقر، وهم من أغرقوا البلاد في مستنقعات المديونية، واستولوا على أراضي الدولة بأثمنة زهيدة. ثم أين نحن من المشاريع التنموية المبرمجة، ومن ضمنها مشروع محاربة دور الصفيح الذي انطلق مع نهاية عام 2017، وصرفت عليه ملايير السنتيمات؟

إننا بحاجة إلى تطهير بلادنا وتخليق الحياة العامة، والسهر على عدم التسامح مع كل من ثبت تورطه في سرقة ما أو شبهة فساد إداري أو مالي، دون انتقائية ولا تمييز بين حجم المسؤوليات والمناصب. فالتخلص من الظواهر السلبية، لا يمكن أن يتحقق إلا إذا توفرت الإرادة السياسية وظروف العمل الكريم، وضمان مناخ اقتصادي وسياسي سليم، يحفظ حقوق جميع المواطنين على قدم المساواة، مراجعة الأجور العليا، التوزيع العادل للثروات الوطنية والقضاء على كافة أشكال الفساد والريع…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى