الرئيسيةكتاب وآراء

الأربعاء الأسود

حسن أوريد

دخل يوم 6 يناير التاريخ من أبوابه الواسعة، في تاريخ أمة تهزأ من التاريخ، وتعتبر كل شيء غير ذي أهمية بالقول «هو جزء من التاريخ». دخل إلى جانب تواريخ أخرى فاصلة، كما قصْفُ الطيران الياباني لمرفأ بيرل هاربر في 7 ديسمبر 1943، ما كان حافزا كي تدخل الولايات المتحدة الحرب العالمية الثانية، وتُغيّر مسارها، أو تاريخ 11 سبتمبر 2001 حين تم تحطيم برجي المركز التجاري الجديد، فرفعت الولايات المتحدة إثرها لواء الحرب على الإرهاب، وانغمرت في بارديغم جديد في سياستها الخارجية والداخلية، وتوارى انشغالها بالديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم.

تاريخ 6 يناير، يوم اقتحم رعاع مبنى الكابيتول، وانتهكوا حرمته وأتلفوا ممتلكاته، لن ينمحي بسهولة من نفوس الأمريكيين، رغم أنه لا يبلغ في حجمه وتأثيره ما كان للهجوم على مرفأ بيرل هاربر أو هدم البرجين التوأمين.

لم تكن الولايات المتحدة تفخر بقوتها الاقتصادية، ولا مقدراتها العسكرية فحسب، ولكن بقْيمها كذلك، من حرية ومساواة، وإمكانية أي كان تحقيق حلمه، وتلتقي جميعها حول الديمقراطية.. كانت الولايات المتحدة أول دولة في العالم طبقت مبادئ فلسفة الأنوار، التي بزغت من رحم عاصمة الأنوار، وحارب الفرنسيون جنبا إلى جنب مع الأمريكيين البريطانيين المحتلين، ونقل الآباء المؤسسون ما انتهى إليه فلاسفة الأنوار من سيادة الشعب، وتوازن السلط، والنفور من الأنظمة الوراثية، وكان ما لفت انتباه ملاحظ ثاقب النظر هو ألكسيس دو تكفيل، أن غرس الديمقراطية أينع في أمريكا، أكثر من التربة التي بزغ فيها، والتي ظلت مشدودة إلى مخلفات النظام القديم، وما يقوم عليه من تراتبية. كان الأمريكيون منذ الحرب العالمية الأولى يتباهون بنظامهم السياسي، وجعلوه عقيدة، منذ إرهاصات الحرب الباردة، وتباهوا بنظامهم القائم على حكم الأغلبية والحرية، وفعالية المجتمع المدني، على خلاف المنظومة الشيوعية التي تقوم على حكم الأقلية، والخوف والبوليس السياسي، ثم جعلوا الديمقراطية عقب سقوط حائط برلين واحدا من محددات سياستهم الخارجية. من دون شك بأن مهد الديمقراطية الحديثة هو بريطانيا، ولكن الأرض التي جعلت من الديمقراطية بمثابة عقيدة لها هي الولايات المتحدة. حتى عهد قريب، كان الرئيس أوباما يتباهى بأن البلد الوحيد في العالم الذي يتيح لواحد من الأغيار أن يتسنم سُدّة أعلى منصب في الدولة هو الولايات المتحدة، لذلك لم يكن اقتحام مبني الكونغرس الأمريكي، أن لا يسترعي الانتباه، أو يثير الأسئلة والتخوفات. ليست هي أول مرة في التاريخ يتعرض «معبد» الديمقراطية للانتهاك، فقد سبق لضابط إسباني أن دخل مبنى «الكورتيس» عام 1981 وهدد بمسدسه النواب المجتمعين، ليجهض المسار الفتي للديمقراطية الإسبانية، التي لم تكن تخلصت من مخلفات الديكتاتورية الفرانكوية (نسبة لفرانكو) وقصفت فوهات المدرعات مبنى الدوما في روسيا عام 1994، ولم يكن لأحد أن يزعم أن روسيا ديمقراطية راسخة، ولذلك طُوي الحدث بفشل المحاولة الانقلابية، لكن ما حدث من هجوم غوغاء على مبنى الكابيتول، للتأثير في الإعلان الرسمي عن نتائج الانتخابات في الدولة، التي تجعل الديمقراطية عقيدة، وتعلي من قيمة الحرية وسيادة القانون، أمر مثير، وهو أكثر من ذلك، مخيف.

ليست أقرب الصور لما حدث في واشنطن ما جرى في الكورتيس الإسباني، ولا في الدوما الروسي، وإنما ما تعرض له مبني «الرايخ شتاغ» في ألمانيا سنة 1933 من عملية حرق من قِبل عناصر نازية، لم تقبل بنتائج الانتخابات. خطورة ما حدث في واشنطن هو أنه ينطوي على نزوع فاشي، ليس ما حدث عملا معزولا وانفلاتا، ولكن التعبير عن اتجاه يؤمن بالقوة وسمو الإنسان الأبيض، ويعتبر آلية الديمقراطية تفضي إلى تنظيمات رخوة، وميكانيزمات غير فعالة. والاتجاه، كسابقه في إيطاليا وألمانيا في الثلاثينيات من القرن الماضي، وصل للسلطة عبر ميكانيزمات ديمقراطية. ليست الفاشية مرحلة انتهت وطُويت، فلكل زمن فاشيته كما يقول الكاتب الإيطالي بريمو ليفي. ترامب ليس شخصا، ولكن يحيل إلى ظاهرة تثير الكثير من الإعجاب لدى شرائح واسعة في الولايات المتحدة، وإلا لما حاز على سبعين مليون صوت، بل خارج الولايات المتحدة، ممن جعلوه رمزا لهم، من بوريس جونسون في بريطانيا وجاير بولسونارو في البرازيل أو مودي في الهند. نعم أبانت الولايات المتحدة عن سلامتها من خلال تحرك المؤسسات، على كل المستويات للحد من تصرفات رعناء تشين الديمقراطية، لكن الحدث ليس حريقا تم إطفاؤه، وإنما اتجاه له أذرع وامتدادات ومرجعية تنظيرية. ينسف الاتجاه دعوة أمريكا لرفع راية الديمقراطية، كما أن مقتل الشاب الافريقي الأمريكي جورج فلويد خلخل خطاب الولايات المتحدة حول حقوق الإنسان. لم تنته القصة، فالترامبية واقع، هي فصل من الشعبوية الزاحفة.

ما يعتمل في أمريكا لا يهم أمريكا وحدها، فهي قائدة العالم الحر، كما تنعت نفسها، وهي القوة العسكرية الأولى، وهي قطب الرحى في الناتو، وهي عضو دائم في الأمم المتحدة، فضلا عن المؤسسات المالية العالية، التي تخضع لها، أو مؤسساتها التي تؤثر في الاقتصاد. كل ما يحدث في أمريكا، ينتهي أثره إلى أرجاء المعمورة، لذلك لا يمكن أن نستهين بما وقع، ونعتبره شأنا أمريكيا صرفا. سابقة الفاشية تفيد بأنها أفضت إلى توزع مجتمعات، وشيطنة شرائح منها، وانتهت إلى العسكرة، وانغمرت دولها في مغامرات عسكرية، انتهت إلى اندلاع الحرب العالمية الثانية.. وكانت كل الخطاطة، التي انبنت عقب الحرب العالمية الثانية هي لدرء أي جنوح للفاشية، لكن الفاشية تلوح بيدها اليوم، من خلال الاتجاهات الشعبوية اليمينية في أوربا كلها، وفي الهند، وكانت تجد في ترامب أيقونتها.

الخطورة لا تكمن في تصرفات لرئيس يجمع الجميع على أنه أهوج، ولكن في الجذوة المتسترة تحت الرماد، والتي يمكن للأزمة الاقتصادية إن استفحلت، أو للشرخ الاجتماعي إن تعمق في الولايات المتحدة أن تنفث فيها فتحيلها أَوَارا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى