الرئيسيةكتاب وآراء

نشر صور المشتبه فيهم والجناة بين الواقع والقانون

العربي محمد مياد/ باحث وكاتب قانوني

درجت بعض المواقع الالكترونية والقنوات السمعية البصرية الخاصة على محاكمة بعض الأشخاص بمجرد تقديم الشكاية ضدهم سواء أمام الضابطة القضائية أو النيابة العامة أو وضع شكاية مباشرة أمام قضاة التحقيق، ولا سيما بعض الشخصيات العامة ، بل في بعض الأحيان لا تجد هذه المنابر حرجا في نشر صورهم وأسمائهم الكاملة وصفتهم ، أو ربط الفعل الجرمي بالصفة المهنية ، تحت عنوان “بنت وزير ” ، زوج قاضي ” ، “ابن وكيل الملك ” ، ابن عامل إقليم أو عمالة ، أو مدير عام وغيرها من العناوين البراقة ، حتى يعتقد المرء أن ذلك المسؤول هو الذي أوعز للجاني بالقيام بذلك الجرم .

ولنا أن تساءل كيف يتم تسريب مثل تلك الأخبار لجهات معينة دون غيرها ، ثم ما الغاية من ذلك التسريب ، وإلى أي حد تمارس المهمة بالحياد الواجب ؟ وإلى أي مدى يتم احترام السر المهني ؟
بداية لا بد من التذكير أنه طبقا للمادة 12 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان فإن ” كل شخص متهم بجريمة يعتبر بريئا إلى أن يثبت ارتكابه لها قانونا في محاكمة علنية تكون قد وفرت له فيها جميع الضمانات اللازمة للدفاع عن نفسه.” وهذا ما أكدته الفقرة 2 من المادة 14 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية عندما نصت على أن “من حق كل متهم بارتكاب جريمة أن يعتبر بريئا إلى أن تثبت عليه الجرم قانونا.”

واعتبارا أن دستور 2011، تضمن في ديباجته أن المملكة المغربية تؤكد وتلتزم ب ” حماية منظومتي حقوق الانسان والقانون الدولي الإنساني والنهوض بهما ، والاسهام في تطويرهما ؛ مع مراعاة الطابع الكوني لتلك الحقوق ، وعدم قابليتها للتجزيء .” لم يجد المشرع الدستوري بدا من اقتباس مضمون المادتين 12 و 14 السالفتين الذكر وإعادة اقحامهما في الفصل 111 عندما نص على أنه ” يعتبر كل مشتبه فيه أو متهم بارتكاب جريمة بريئا ، إلى أن تثبت إدانته بمقرر قضائي مكتسب لقوة الشيء المقضي به .”

وهذا يعني أن الجهة الوحيدة في المغرب التي توجه الاتهام وتباشر محاكمة المتهمين هي الجهاز القضائي المعروضة عليه القضية ، مع كفالة حقوق الدفاع . ويعاقب القانون كل من حاول التأثير على المحكمة بكيفية غير مشروعة، حتى لو أخذ هذا التأثير شكل استباق الحكم عن طريق تشويه سمعة الظنين وربط هذا التصرف بالفعل المنسوب إليه.

وأي تأثير هذا إن لم يكن صادرا عن جهة غير قضائية أو عن مساعدي القضاء، ذلك أن التكييف القانوني للجريمة من طرف النيابة العامة لا يعد تأثيرا على مجريات المحاكمة بل من صميم اختصاصها القانوني ، كما أن مرافعة الدفاع ركن أساسي في المحاكمة العادلة . في حين كل تدخل في مجريات المحاكمة سواء قبل وضع القضاء يده على النازلة أو أثناءها من طرف الغير حتى لو كانت الصحافة، يعتبر مسا خطيرا باستقلال القضاء ورغبة معلنة في التأثير على قناعته .
ولذلك فإن النيابة العامة وهي جزء لا يتجزأ من السلطة القضائية وتعمل تحت إشراف الرئيس المنتدب للسلطة القضائية شأنها في ذلك شأن قضاة الحكم، لما في ذلك من وحدة السلطة القضائية ، هي من تتولى إقامة وممارسة الدعوى العمومية ومراقبتها وتطالب بتطبيق القانون، في حين تختص المحكمة المكونة من قضاة الحكم بإصدار الأحكام سواء بالإدانة أو البراءة أو سقوط الدعوى العمومية ، دون غيرها من المؤسسات الدستورية ، وبغض النظر عما يروج خارج جلسات المحاكمة . ولذلك نص الفصل 109 من الدستور على أنه ” يمنع كل تدخل في القضايا المعروضة على القضاء، ولا يتلقى القاضي بشأن مهمته القضائية أي أوامر أو تعليمات ولا يخضع لأي ضغط. …..يعاقب القانون كل من حاول التأثير على القاضي بكيفية غير مشروعة .”

لكن من الناحية الواقعية يلاحظ أن بعض المنابر الالكترونية المحلية وتلك التي تبث من خارج الوطن ، التي تدعي أنها إعلامية تنصب نفسها فوق القانون وتنتحل تارة صفة النيابة العامة وتكيف بعض الأفعال حسب هواها وتجعل من المخالفة جنحة أو جناية أو على العكس من ذلك تنزل بالجناية إلى مرتبة مخالفة، بل وفي بعض الأحيان تطالب بتطبيق أقسى العقوبة على الجناة ضدا على توجه ممثل الحق العام، ولا تتقاعس عن نشر صور وأسماء الجاني أو المشتبه به فضلا عن تجييش الرأي العام ضد السلطات العمومية ورموز الوطن لأهداف غير مشروعة .

هذا في الوقت الذي لا يحق للمحكمة ذاتها الإذن بنشر صور المحكوم عليهم ، أما نشر الحكم فيتم ضمن شروط خاصة أتى على ذكرها الفصل 48 من مجموعة القانون الجنائي عندما نص على أنه “للمحكمة ، في الأحوال التي يحددها القانون ، أن تأمر بنشر الحكم الصادر عنها بالإدانة كلا أو بعضا ، في صحيفة أو عدة صحف تعينها ، أو بتعليقه في أماكن تبينها. والكل على نفقة المحكوم عليه من غير أن تتعدى صوائر النشر ما قدرته المحكمة لذلك، ولا أن تتجاوز مدة التعليق شهرا واحدا.”

وبناء عليه لا يتم نشر حيثيات الحكم إلا إذا سمح بذلك القانون، والمحكمة هي التي تعين الصحيفة التي تتولى النشر، ومحتوى الحكم ، وكذا الصائر والمدة، باعتبار أن هذا الإجراء يدخل في مجال العقوبات الإضافية . والقانون ذاته باعتباره أسمى تعبير عن إرادة الأمة يمنع على المحكمة الإذن بنشر صور الجناة حتى لو صدرت في حقهم عقوبة حبسية أو سجنية.
والمقصود بالعقوبة الإضافية كل عقوبة لا يسوغ الحكم بها وحدها أو عندما تكون ناتجة عن الحكم بعقوبة أصلية ويدخل في حكمها المصادرة الجزئية للأشياء المملوكة للمحكوم عليه، التجريد من الحقوق الوطنية ، الحجر القانوني وغيره .
وصفوة القول ، فإنه إذا كانت المواثيق الدولية والقوانين الداخلية تحتم على السلطات العمومية احترام قرينة البراءة وأن كل متهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم قضائي نهائي ، فإن هذا لا يعني أن باقي الأشخاص سواء كانت عامة أو خاصة غير معنية باحترام هذه القرينة بل وتمتد إلى كل المواطنين سواء كانوا عاديين أو مهنيين وخاصة المواقع الالكترونية والصحافة المرئية والمكتوبة ، وبالتالي يمنع عليهم نشر صور والأسماء الكاملة سواء للمشتبه فيهم أو الجناة ولا سيما إذا كانت مقرونة بالإهانة والسب والقدف والتشهير ، لما في ذلك من مخالفة صريحة للمواثيق الدولية ، والدستور والقوانين العادية ومن ضمنها القانون المتعلق بالصحافة والنشر. بل وتعبر جريمة معاقب عليها وتخول المتضرر حق المطالبة بالتعويض المدني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى