الرئيسيةكتاب وآراء

هل فشل الإسلاميون في العمل السياسي؟

محمد عايش

تحتاج الحركة الإسلامية إلى مراجعة داخلية شاملة، لتقييم تجربتها في العمل السياسي خلال السنوات والعقود الماضية، وهو تقييم يجب أن لا يتوقف عند تجربة قطرية واحدة، وإنما يتوجب أن يتسع ليشمل التجارب المعاصرة كافة، من أجل الخروج بالتوصيات اللازمة، والتمهيد للإصلاح المطلوب، وما لم يحدث ذلك فإن وجود الإسلاميين في العمل السياسي سوف يتبخر تدريجياً، وبشكل خاص في الدول العربية.

المقاربة التي يسوّقها الإسلاميون على الدوام لتبرير بعض محطات الفشل، هي أنه لم يُتح لهم أصلاً المشاركة، ولا تنفيذ رؤيتهم في الحكم، وأنهم يتعرضون دوماً لحرب ضروس من قبل الأنظمة التقليدية القمعية، في عالمنا العربي، أو أنهم يواجهون حملات وخططا ممنهجة من قبل الولايات المتحدة وحلفائها، من أجل إفشالهم وقمعهم وإحباط جمهورهم.. وهذه المقاربة ربما تبدو صحيحة في بعض التجارب، لكنها لا يمكن أن تنسحب على بعض التجارب الأخرى.

سؤال النجاح والفشل بالنسبة للحركة الاسلامية، تجدد بعد أن شوهد رئيس الوزراء المغربي يوقع اتفاق التطبيع مع دولة الاحتلال الإسرائيلي، لينسف بذلك أهم أساس قامت عليه الحركة الإسلامية وجمعت به حولها الحشود والجمهور في العالم العربي والإسلامي، وهو مبدأ رفض مسيرة التسوية والتمسك بمقاطعة إسرائيل، وهو الذي تسبب في الواقع بصعود صاروخي للحركة الإسلامية منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، أي منذ انعقاد مؤتمر مدريد للسلام، الذي كان أحد رموز انهيار المعسكر الشيوعي الاشتراكي، وأحد المؤشرات على صعود الإمبريالية الأمريكية، حينها كان الإسلاميون وحدهم يرفضون الركوع لواشنطن، وحينها استفادت الحركة الإسلامية من جنوح منظمة التحرير الفلسطينية نحو التسوية، واختفاء قوى اليسار، وظلت حركة حماس (الذراع الفلسطيني للإخوان المسلمين) تستحوذ على الجمهور العربي والفلسطيني، ومن خلفها الحركة الإسلامية في العالم العربي، من محيطه إلى خليجه، بسبب تمسكهم بشعارات رفض الاستسلام للاحتلال، والدعوة إلى تحرير فلسطين وضرورة تحريم التطبيع ومقاطعة المحتلين. مقاربة أن الإسلاميين يتعرضون (أو تعرضوا) لمؤامرة تحول دون نجاحهم في الحكم والعمل السياسي، ربما تكون صحيحة بالنسبة لبعض التجارب، ففي مصر – مثلاً- لم يعد يخفى على أحد أن الرئيس الراحل محمد مرسي، لم يُتح له أن يحكم البلاد ولو ليوم واحد، وكان ثمة دولة عميقة أكثر براعة ومهارة في العمل السياسي، من جماعة ظلت لسبعة عقود محظورة، ولذلك سرعان ما انتهى بهم الأمر بين قتيل وسجين وطريد، لكن هذه الحالة لا تنسحب بكل تأكيد على تجارب أخرى.

على الإخوان المسلمين، وحركات الإسلام السياسي في العالم العربي، المسارعة إلى تنظيم مؤتمر شامل وجامع للمكاشفة والمصارحة

في السودان حكمت الحركة الإسلامية البلاد والعباد لثلاثة عقود، وانتهى المطاف بالرئيس إلى السجن، وفي الأردن تشارك الحركة الإسلامية في العمل السياسي على أوسع نطاق منذ عام 1989، بما في ذلك مشاركتها في الحكومة بخمسة وزراء عام 1991، وانتهى بها الحال أخيراً إلى تراجع مقاعدها في البرلمان إلى 10% فقط بعد أن كانت تهيمن على 30%. وفي العراق شارك الإخوان المسلمون باسم «الحزب الإسلامي» في مجلس الحكم، الذي كان يرأسه الحاكم المدني الأمريكي بول بريمر (أحد الكوارث التاريخية للإسلاميين) وكانوا يأملون في الحصول على شيء من كعكة ما بعد الاحتلال، والمشاركة في بناء البلاد، وإدارة العباد، فانتهى بهم المطاف إلى نائب رئيس للجمهورية، هارب محكوم بالإعدام، وهو الذي تخلى عنهم أصلاً، بمجرد توليه منصب نائب الرئيس، فأصبحوا خارج اللعبة السياسية بوجوده أو بغيابه. في سوريا أيضاً ثمة تجربة بائسة مبكرة لا يمكن إغفالها في عام 1982 انتهت بمن ظل من الإخوان المسلمين على قيد الحياة إلى المنافي أو السجون.

وأخيراً ينزلق الحزب الإسلامي الحاكم في المغرب إلى توقيع اتفاق الاعتراف بإسرائيل والتطبيع معها، ليرتكب ذنباً يجبُّ ما قبله من فضائل وإنجازات، وهو ما ستكشفه أول محطة انتخابية مقبلة. القاسم المشترك الوحيد بين هذه التجارب أنها لم تحظ بالدراسة والمراجعة، وهو ما تحتاجه الحركة الإسلامية التي يتوجب أن تجيب بوضوح على سؤال، ما إذا كانت قد فشلت أم نجحت؟ وبعد الاعتراف، يتوجب تحديد أسباب الإخفاقات، وما لم يحدث ذلك، فإن الشارع العربي سوف يكون على موعد مع موجة من «الردة» عن دعم الإسلام السياسي والالتفاف حول تجاربه.

على الحركة الإسلامية، ونعني بها الإخوان المسلمين، ومن معهم من حركات الإسلام السياسي في العالم العربي، المسارعة إلى تنظيم مؤتمر شامل وجامع للمكاشفة والمصارحة، ودراسة التجارب السابقة ومآلاتها وبعد ذلك مستقبل العمل السياسي، وإلا فعليهم أن ينزعوا عن أنفسهم رداء الإيمان، حتى لا يلتصق كلُ فشل باسم الحركة الإسلامية.
اللهم إني بلغت، اللهم فاشهد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى