الرئيسيةكتاب وآراء

التطبيع ورقته القوية

سهيل كيوان

من البرامج التلفزيونية القليلة التي أشاهدها، هو برنامج (أنت أَمين) ومن خلاله يُمتحن أصحاب المِهِن الحرّة، فيُكشف ما إذا كانوا مهنيين وأمناء في عملهم، أم عكس ذلك.

يقوم معدو البرنامج بافتعال خلل بسيط ما في سيارة، أو أي جهاز كهربائي، ثم يتصلون بعدد من المهنيين لإصلاح الخلل، يرافق هذا تصوير سري، وعلى مدار عدد كبير من الحلقات، اتضح أن معظم أصحاب المهن في إسرائيل، بنسبة تصل إلى ثمانين في المئة يغشّون ويكذبون، بل هم لصوص، بالمعنى الحرفي للكلمة، وبعضهم يبالغ في الغشّ وسرقة الزبائن بصورة غير متوقعة، خصوصاً عندما يكون الزبون مُسناً ضعيفاً.

الحياة السياسية في إسرائيل لا تختلف عن حياة النصابين والمحتالين وأفعالهم، الفرق أن هذا يجري في السياسة علناً، وعلى رؤوس الأشهاد وفي مؤتمرات صحافية وليس سراً. نتيجة لعملية نصب واحتيال قام بها نتنياهو على بيني غانتس، أُعلن مساء الثلاثاء الأخير عن حل الكنيست، الأمر الذي يعني إجراء انتخابات رابعة خلال العامين الأخيرين، والبدء في تشكيل أحزاب وتحالفات جديدة، وأن يحاول كل عضو كنيست أن يُلحِق نفسَه في كتلة مضمونة النجاح، أو إيجاد موقع له في تحالف ما، كي يضمن عودته إلى الكنيست، وهي تحالفات تفتقر إلى الرؤى السياسية، أو حتى الاجتماعية، إنها الأحزاب نفسها والشخصيات تقريبًا، مع فوارق طفيفة في الأسماء وتغيير الترتيب في القائمة، وبغياب شبه تام للمبادئ في التعامل مع أي موضوع كان، فكل شيء قابل للمساومة، حتى احترام السّبت الذي كان يعتبره بعضهم خطاً أحمر، من الاتجاهين، سواء بالحفاظ عليه كما في الدّين اليهودي، أو عدم الالتزام به، في المواصلات العامة مثلا، كما يطالب العلمانيون. لا يوجد أي سبب أو مبرر سياسي لإجراء انتخابات جديدة، إذ أنه لا يوجد أي خلاف جوهري في الموقف من الصراع العربي الإسرائيلي، أو في التطورات على الساحة الفلسطينية، فجميع القوى والأحزاب الوازنة تُزايد على بعضها بعضا في هذا المجال.

السّبب الأساسي لحلِّ الكنيست، هو عدم التمكّنِ من إقرار ميزانية لحكومة نتنياهو- غانتس، بعد خلافات حول تعيينات حسّاسة في الجهاز القضائي، وهي محاولة من نتنياهو للسيطرة على هذا الجهاز، بهدف منع محاكمته بتهم الفساد المنسوبة إليه، إضافة إلى التملص من الالتزام بما اتفق عليه مع بيني غانتس، بالتخلي عن رئاسة الحكومة لصالح الأخير في أكتوبر المقبل، حسب اتفاقية الائتلاف التبادلية. بيني غانتس، شكّل أملا لجمهور واسع في تغيير نتنياهو ومحاكمته، ولكنه خذل هذا الجمهور إذ تحالف معه، رغم اعتراض حلفائه الذين خاضوا إلى جانبه الانتخابات الأخيرة في مارس الماضي وأكبرها حزب «يوجد مستقبل» الذي يرأسه يئير لبيد، فأضعَف نفسَه بتردّده وخضوعه لإملاءات نتنياهو. الآن تفيد استطلاعات الرأي بأنه بالكاد سيعبر نسبة الحسم، الأمر الذي يعني بأنه سيضطر للبحث عن حليف يلتحق به، ولكن من موقع الضعيف.

في هذه الأثناء أعلن جدعون ساعر، الشخصية القوية الثانية بعد نتنياهو في الليكود، انفصاله عن حزبه وأنشأ حزباً جديداً سمّاه «أمل جديد» هدفه الأساسي التخلص من نتنياهو ومحاكمته، ليس لديه أي رؤية سياسية مختلفة، وتمنحه آخر استطلاعات الرأي عشرين مقعداً ليكون القوة الثانية، ولكن هذا لم يضعف الليكود الذي تمنحه الاستطلاعات (29) مقعداً، فمعظم أصوات الحزب الجديد برئاسة جدعون ساعر سيمتصُّها من مخذولي بيني غانتس، وكذلك من حزب يمينا الديني القومي المتطرف، الذي يتزعّمه نفتالي بينت، وليس من أصوات الليكود الذي انفصل عنه.ا

لملاحظ أنه رغم السخط الكبير من قبل أصحاب المصالح التجارية، نتيجة الإدارة السيئة لأزمة كورونا، ورغم انفصال جدعون ساعر الشخصية الثانية في الليكود، ورغم قضايا الفساد المتهم فيها نتنياهو، فمازال الحزب بقيادته محتفظاً بقوته وبالصدارة، وما زال محتفظاً بأنه الأفضل لرئاسة الحكومة حسب الاستطلاعات. هنا يأتي دور ورقة التطبيع العربي، فهي ورقة نتنياهو الرابحة التي منحته دُعامة قوية، ويتباهى بها وبحق، فهو يعتبرها واحدة من إنجازات سياسته المتشدّدة، وهو ما يسميه السّلام مع عدد من الدول العربية، وقد تتبعها دول أخرى عربية وإسلامية مقابل لا شيء، وفقط سلام مقابل سلام، دون أي علاقة أو تأثير أو ثمن، لا من قريب ولا من بعيد بالقضية الفلسطينية.

كاتب فلسطيني

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى