الرئيسيةكتاب وآراء

لماذا مُنِعْتُ من دخول فلسطين؟

عبد السلام فايز

هنالك في أزقة المخيمات كانت بداية الحكاية، حينما كنا نمتشق حقائبنا المدرسيّة ونسير بين جدران المخيم، تلك الجدران الموشومة بخرائط فلسطين وصور حنظلة ومفتاح العودة ومرابض الشهداء، وإذا ما عدت مساءً كانت جدتي العجوز (أم علي) تحدثني كثيراً عن قرية إجزم في حيفا مسقط رأسِها، حيث نشأت علاقة غريبة الأطوار بيني وبين جدّتي على اعتباري حفيدها المُفضّل، كما كانت تقول لي سرّاً وجهاراً، ولا أبالغ حين أقول أنّ حكاياتها تلك كانت تُضَاهي روايات المؤرّخين، ولهذا يمكن القول أنني رضعتُ حليب فلسطين من ثدي جدتي لا من ثدي أمي التي لم ترَ فلسطين إلا على الخريطة..

المؤتمرات الفلسطينية

نشأنا كما نشأ جيلُنا، في تلك البقع الجغرافية المُسمّاة مخيّمات، وشاءت الأقدار أن أصلَ إلى هولندا لاجئاً وأنا في الثلاثين من عمري، ولدى وصولي إليها وجدتُ هناك حراكاً فلسطينياً واسع النطاق، تقوده مؤسسات وشخصيات فلسطينية فاعلة على الساحة الأوروبية، فانخرطتُ فيه على الفور رغم الانتقادات التي وُجّهت لي، والنصائح المسمومة بضرورة الابتعاد عن فلان وفلان من هذه الشخصيات، على اعتبار أنّ الموساد الإسرائيلي مُتغلغل جداً في هولندا، وهذا الاحتكاك مع تلك الشخصيات قد يؤثر على مستقبلي في البلد، إلا أنني تجاهلت كل هذه الأصوات الضالة وتابعت مع أولئك النفر من الرجال، لأجدهم رُوّاداً في العمل على كافة المستويات، إعلامياً وإغاثياً وإنسانياً، يشهد لنشاطهم العدو قبل الصديق، بل إنّ تلك الشخصيات كانت حاضرةً في المخيمات الفلسطينية على رأس الفقراء والمُهجّرين في الوقت الذي تخلى فيه الجميع عن اللاجئ الفلسطيني، فرأيتهم بأمّ عيني يقودون الحملات الإغاثية نحو غزة ومخيمات لبنان والشمال السوري، بل إنّ منهم من وصل إلى مخيم اليرموك في قلب العاصمة السورية دمشق، في الوقت الذي لم يستطع فيه (الطير الطاير) أن يدخل المخيم، إلا أنهم دخلوه وخفّفوا من وطأة الحصار، معرّضين حياتهم للخطر المباشر..
تلك الشخصيات تمكّنَت أيضاً من عقد المؤتمرات الفلسطينية في أوروبا، وقادت حراكاً مُنظّماً لافتاً، وأصبحت القضية الفلسطينية حاضرةً الحضورَ كلّه بعدما حشدوا لها الأنصار من الأوروبيين وأعضاء البرلمانات والناشطين.. ولهذا انخرطتُ معهم غيرَ آبهٍ بالنتائج، ورحت أكتب المقالات والأشعار التي تخصّ قضيّتي في بعض المواقع الإعلامية..
وعلى حين غفلةٍ من أمري حصلت على الجنسية الهولندية، وأصبحتُ مواطناً يحمل الجواز الأوروبي الأحمر الذي يخوّله دخول 183 دولة حول امتداد هذا العالم، وكانت فلسطين نَصْبَ عيني، وعاهدتُ نفسي أن تكون فلسطين أول دولة أزورها بعد حصولي على الجنسية، لأتمشى على سواحل حيفا وقرية إجزم، حيث كنتُ متحمّساً جداً للذهاب إلى هناك، ولم أكن أتخيل أنّ هذا الحلم لن يتحقق، إذ أنّني علمتُ مؤخراً أنّ اسمي قد أُضِيْفَ إلى لائحة الممنوعين من الدخول إلى فلسطين من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلي، وذلك بسبب المقالات والقصائد المناهضة لهم والمُنَاصرة لقضيّتي وللمقاومة الفلسطينية..
ضحكتُ وبكيتُ في الوقت نفسه عندما تأكدت من صحة هذا الخبر، ورحت أطرح على نفسي التساؤلات التالية :
عجيبةٌ هذه المُفَارقة، كيف يُمنَع صاحبُ الأرض من الدخول إليها؟ والأكثر غرابة أنّ الذي يمنعه هو المحتل الطارئ واللص الجبان القذر الذي يفتقد إلى أدنى الأخلاقيات، والذي يتصرف وكأنه يملك هذه الأرض، مُتناسياً أنّ جَدّي عبدالقادر فايز كان يملك بيتاً هناك، وهم الذين أخرجوه بفعل ماكينة إجرامهم، وقد شهدَ العالمُ كلّهُ على إجرامهم وعنصريّتهم ونكبتِنا، فكيف يمنعونني اليوم من زيارته؟

سلاح القلم

أنا صاحب الدار وهم الغرباء الذين جِيء بهم من اللّمَم وأزقة العالم ليستوطنوا في عقر بيتي، ويجعلوا منّا نحن أصحاب الدار لاجئين مشرّدين نحمل بطاقة الأونروا ونستجدي أقوياء هذا العالم للحصول على كرتونة المساعدات، في حين كنا أسياداً شُمَّ الأنوفِ في بلادنا..
نعم.. كنت أظن أنّ ما أكتبه من مقالات وأشعار هو مجرد خربشات لا تسمن ولا تُغنِي من جوع، أو صرخة في وادٍ لن يكون لها صدىً أو تأثير، لاسيما بعد أن تُطالعك أصوات النشاز من المُثبّطين الذين يسخرون منك حين تكتب لفلسطين، ويقولون لك ماذا ستفعل القصائد والمقالات والرسوم؟
وماهي صانعةٌ أقلامكم أمام غطرسة الاحتلال الإسرائيلي؟
فالماسونية التي تحكم هذا العالم على حَدّ قولهم لن تصغي إلى قصيدة يكتبها شويعرٌ فلسطيني في مقاهي أوروبا، ولن تكترث بمقالٍ يعرّي الاحتلال على حقيقته العدوانية القائمة على القتل والتهجير والحصار والتجويع والحصار..
اليوم أثبتتُ لنفسي أولاً، ولهؤلاء ثانياً أنّ القلم سلاحٌ يخشاه الاحتلال أكثر من البندقية، هو يخشى على نفسه من كل لاجئٍ مُتمسّكٍ بوطنه، ويريد منا أن ننسى فلسطين وما نسينا، فاختلق لنا أعداءً جُدداً كي يحرف البوصلة، لذلك فإنه ينظر إلى السطور التي تحاول تصويب بوصلة العِداء نحوه على أنها خطرٌ كبير لابد من محاربته بشتى الوسائل.
إنّ دولةً تخشى على نفسها من قصيدة أو مقال أو خربشات، هي دولة ضعيفة متآكلة من الداخل، حتى لو صوّرها الإعلام المُضلّل على أنها قويّةٌ مُمْسِكةٌ بزمام المبادرة، واليوم كُلّي ثقة واطمئنان أنها ضعيفة، ولكنّ بقاءها حتى هذا اليوم لم يكن بسبب قوّتها أبداً، بل بسبب ضعفنا وتشرذمنا إلى مِلَلٍ متناحرة، وانقسامنا وتفرّقنا الذي أذهَبَ ريحنا وهيبتَنا من قلوب أعدائنا.
كُلّي إصرارٌ اليوم على مواصلة هذا العمل، برفقة هؤلاء الثلة من الناس، فكلّ ما يزعج الاحتلال هو مصدر ارتياح بالنسبة لي، ولئن مُنِعنا من الدخول إلى وطننا اليوم فإننا على ثقة واضحة كالشمس أننا داخلون إليه مُحرّرين فاتحين بإرادة الله التي لم تُرِد لنا أن ندخله عبر مطارات الاحتلال، وفي هذا خيرٌ وفيرٌ لنا، ورحمَ الله رسام الكاريكاتير الفلسطيني ناجي العلي (حنظلة) حين قال: «اللي بدّو يكتب لفلسطين واللي بدّو يرسم لفلسطين، بدّو يعرف حالو ميّت»..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى