الرئيسيةكتاب وآراء

ثمن الفكرة

بروين حبيب

يعتمد نجاح أي مشروع على أمرين في غاية الأهمية، على الفكرة أولا، وثانيا على طريقة تطبيقها. هكذا تتربّع الفكرة على عرش أي نجاح ممكن، لأي مشروع سواء كان صغيرا أو كبيرا، سواء كان ثقافيا أو تجاريا أو صناعيا أو غيره. لهذا السبب يُصنّف المفكرون في أعلى سلم المجتمعات التي تحترم نفسها، فيما يعانون من التهميش في المجتمعات البائسة، التي تعتقد في الغالب أن المفكّر عدوها الأول.

يعرف صاحب الفكرة كيف تُحَقَّق فكرته، لهذا السبب تستحيل عملية استيراد الأفكار دون خبراء يشرفون على تطبيقها، إلى عملية تخبُّط تنتهي بالفشل. لا يمكننا أن ننطلق من فكرة غير مفهومة ونصل لنتيجة جيدة.
يبحث صاحب رأس المال عن الأدمغة المفكّرة لاستثمار أفكارها، إذ وحدها الأفكار العبقرية تضاعف مشاريعه، وتزيد من مداخليه، كما تزيد من توفير وظائف للأيدي العاملة، وتمنحها فرصة العيش الكريم. يحدث هذا في الأمم التي تؤمن بسلطان العقل. في أمم أخرى تؤمن بسلطة العصا، تختلف مقاييس النجاح، إذ نجد الأمور كلها معكوسة، حتى الزمن يتوقف بقدرة قادر ولا يتزحزح جزءا من الثانية للأمام، ثم تحدث العجائب تباعا حين تفقد الأدمغة قدرتها على الابتكار، وتبدأ في التقلُص حتى تصبح مجرّد ماكنات معطّلة. تختلف الأفكار حسب إمكانية استخدامها، بعض الأفكار غالية الثمن، ويفضل بعض أصحابها الموت على منحها دون مقابل. بعضها الآخر فتّاك، وكثير منها يحتاج لعملية تزاوج بأفكار أخرى ليصبح مثمرا. في عالم الأفكار، تلمع الفكرة وتلمع معها الأرباح. من المستحيل في هذا العالم أن تنجح العلاقات وتكون بديلا للأفكار اللامعة، فأي رهان خاطئ على شخص يعني بشكل حتمي الخسارة المادية المدمّرة، فأين تُصنّف الأفكار الثقافية في عالم الآلات الحاسبة؟
إن السؤال المحيّر في الحقيقة ليس هذا، لأن السؤال الذي يجب أن يطرح هو، هل كل وجهة نظر أو رأي يعتبر فكرة؟ فليس كل ما يتفوّه به كاتب أو مثقف، أو حتى فيلسوف يمكننا تصنيفه ضمن الأفكار. صحيح نحن في حاجة دائمة لتبادل الآراء ومناقشة وجهات النظر، لأنها السبيل للوصول إلى الأفكار الحقيقية، لكن الوصول إليها يحتاج أيضا إلى أفق حر، فكلّما كانت الطريق مليئة بالعقبات والعراقيل، تعثرت الأفكار وقد تموت لأسباب عديدة أخرى منها مواجهة المناخات المضادة لها.
في الأدب أيضا، لا يمكن للأفكار الجميلة أن تولد في فضاء محاصر بعيون المراقبين، لا يمكن للفكرة أن تولد من رحم الحلم، وتهبط بسلام على بياض الورق، لتتجسّد في كتاب، إلاّ إذا اكتمل الحلم نفسه، إن رحلة التحول تلك، تحتاج لعمر طويل لتنضج، تبدأ برعاية اليرقات الحالمة، قبل أن تصبح فراشات ساحرة، وهي لا تبلغ أوجها إلاّ بالتأسيس اللغوي والفكري الجيدين للكاتب، قبل أن تتخذ الكتب جنات أبدية لها. لكن مهلا، هل يمكن لأي فكرة أن تولد دون عبور لغوي لها إلى عالم الملموس قبل تحقيقها، كونها مجرّد تصور افتراضي في البداية؟ فإذا كان كثر يعتقدون أن أهمية الفكرة تكمن في مدى صلاحية تطبيقها، كما قال توماس أديسون، لأنه رجل عملي، فإن تاريخ «الفكرة» كتساؤل فلسفي أقدم من أديسون بكثير، ولعلّنا جميعا نتذكر ذلك الدرس البسيط المعقد، الذي أخذناه في المرحلة الثانوية حول الفكرة عند أفلاطون، وكيف بقينا عالقين في تفاصيلها مثل العالق في متاهة، دون أن نستوعبها تماما في عمرنا الباكر ذاك، وقد تمثّلت الصعوبة في التعبير عن الفكرة في حدّ ذاتها. اصطدامنا بعائق اللغة، كان أقوى من أي أمر آخر، وهنا أعود بكم إلى ما سبق ذكره، عن ارتباط الفكرة بالمال، والتطور والثراء، وخلق وظائف جديدة، والتربع على عرش النجاح، وتذوق طعمه الذي لا يضاهيه طعم آخر في الحياة في لذّته وتفرّده، لنقف عند أهمية اللغة، لصياغة أي فكرة كانت، كأصعب مرحلة بين الفكرة كمعطى افتراضي، وبينها كمنتوج ذي قيمة مادية عالية. وهنا يأتي أخطر سؤال يجب أن تطرحه مجتمعاتنا، كم من فكرة عبقرية تبخرت من عقولنا، بسبب صعوبة التعبير عنها؟ ما مقدار الخسارات التي نتجت بسبب فشلنا في التعبير عن أفكارنا؟

قد تعيش الفكرة في رأس صاحبها إلى أن توافيه المنية، فتموت معه، لكنّها تعيش إلى الأبد متى ما وثقت في كتاب.

يستحيل على الشعوب التي لا تقرأ، أن تكتشف طاقاتها الدّاخلية الكامنة في دواخلها. كما يصعب عليها استخدام اللغة لوصف ما يدور في أدمغتها.
ولعلي في مقالات سابقة أشرت ولو بشكل خفيف إلى أن الأدب سبق العلم، كونه دوّن الأفكار الخيالية، وكأنّها خطط ومخططات لبناء المستقبل، وهذا لم يعد مجرّد فرضية، إنّه واقع، حتى أن الأمر يتخطى فصل الأدب عن العلم، فالأدب على ما يبدو، هو القاعدة التمهيدية للعلم، وامتداد له من حيث لا ندري. ويمكن لقراء جول فيرن مثلا مادام كاتبا معروفا لدينا، أن يلمسوا هذا الامتداد بين أدبه، الذي وُصف بالتأسيسي للخيال العلمي، وما تحقق من أفكاره بعد الأزمنة التي تلت انتشاره.
كتب فيرن 65 كتابا، قُرِئت بشكل واسع، وحرّكت أحلام المبدعين والمبتكرين وأرباب المال، ورغم اعتقاد البعض أن فيرن لم يحافظ على شهرته الواسعة في آخر أيامه، وأن مبيعات كتبه تراجعت إلى أقل من متواضعة عند وفاته سنة 1905، لكن ذلك ليس مقياسا، فقد عاودت نسب مبيعاتها إلى ارتفاع إلى غاية منتصف السبعينيات. سنة 2005 أعلنت «سنة جول فيرن» بمناسبة مئويته، وحدث إقبال غير مسبوق على أعماله مجدّدا، كما أُعيد اكتشاف عبقريته التي تجاوزت زمنه، والتي أودعها الأدب لتبقى شاهدة ليس على نبوءاته، بل على قدرة الأفكار مهما بدت مستحيلة على إمكانية تحققها وهي تنتقل عبر الأدب من جيل إلى جيل، ومن عصر إلى عصر، إلى أن تجد من يعرف تنفيذها.
قد تعيش الفكرة في رأس صاحبها إلى أن توافيه المنية، فتموت معه، لكنّها تعيش إلى الأبد متى ما وثقت في كتاب. إن صياغة الفكرة لَأهمّ إنجاز إنساني على الإطلاق. ولعلّ هذا ما يفسّر سر تسارع وتيرة التطور التكنولوجي – العلمي منذ أواخر القرن التاسع عشر. سنة 1939 كتب اثنان من أعظم علماء الفيزياء في القرن العشرين وهما ألبرت أينشتاين وليوبولد أنفليد كتابا مبسطا عن تطور الأفكار في الفيزياء، حين كانا معا في جامعة برينستون، ويعتبر ذلك العمل الكلاسيكي، من أهم الحكايات التي تروي تطور الأفكار من غاليليو إلى لحظة كتابة مادته. وقد أجمع قراؤه من الاختصاصيين وغيرهم أنّه أشبه بحكايات جول فيرن، ويناسب فئات شاسعة من الشباب والأجيال الجديدة، لغرس الروح العلمية في نفوسهم، علما أن ما قدّمه الكتاب ليس أفكارا خيالية كالتي ابتكرها فيرن في زمنه، بل حقائق علمية، وصفها الفيزيائيان بالنسبية كونها في تطور مستمر ما دامت تلقّح بأفكار جديدة من حين لآخر.
لا يمكن للمغامرة البشرية أن تتوقف عند حدود فكرة واحدة، أو مجموعة من الأفكار المنتهية الصلاحية.. نحن نعيش في خضم مغامرة فكرية أيضا، تتواصل منذ مئات السنين، لنقل منذ أصبح للفكرة ثمن، فأصبحت تباع وتصنّع وتقلع بالحياة إلى مصائر مختلفة. كلّما قُدّرت الأفكار بأثمان باهظة، نقلت أصحابها نحو حياة أفضل، وكلما رخُص ثمنها رخُص أصحابها، وانهار كل شيء من حولهم ليصبح بخسا لا قيمة له.
وخلاصة القول، تبنى الأمم الحقيقية بتقدير مفكريها، وتنتهي بانتهاء ذلك التقدير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى