الرئيسيةكتاب وآراء

حتى لا تنسينا صفعة التطبيع

جمال العسري

هكذا هي الأيام … حتى لا تنسينا صفعة التطبيع …
الوجه الآخر للخميس الأسود … الشعاع الأبيض …
الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء … خطوة لا يمكن تبخيسها … و لا تجاهلها …

بداية أعود لأؤكد للمرة الألف … استنكاري و إدانتي لأي شكل من أشكال التطبيع … و رفضي لأي مقايضة كيفما كان نوعها … للتطبيع مع الكيان الصهيوني …
هذه الإدانة و هذا الرفض ثابتان و قائمان … و لا للقبول بأمر واقع … إلا هذا لن يمنعني من النظر بعين السياسي للقرار الرئاسي الأمريكي …. القاضي بالاعتراف بمغربية الصحراء …. هذا الاعتراف الأمريكي … لا يمكن إلا اعتباره نصرا للدبلوماسية المغربية … حقيقة قد يكون الثمن مرتفعا … و هو ثمن شخصيا أرفض دفعه … إن كان هو التطبيع مع الكيان الصهيوني …. و مع ذلك القرار الأمريكي … و لا أقول قرار ” دونالد ترامب ” …. ففي دولة مثل الولايات المتحدة الأمريكية … لا تتخذ القرارات هكذا بسهولة … هناك إدارة … و هناك استمرار لهذه الإدارة … فالقرار الرئاسي لم يكن وليد اللحظة … بل هو محطة في رحلة طويلة للسياسة الخارجية المغربية … انطلقت منذ بداية القرن … بتلك الرحلات و الزيارات التي لم تنقطع عن الدول الإفريقية التي كان يقوم بها سنويا ملك البلاد … و استمرت مع الاستثمارات المغربية في العديد من دول القارة الإفريقية … ثم استمرت مع قرار عودة المغرب إلى حضن منظمة الدول الإفريقية … و تصحيحه لخطأ الانسحاب منها … ثم استمر مع الصراع الذي خاضه المغرب مع الأمين العام السابق للأمم المتحدة ” پان كيمون ” وزيارته الشهيرة للعيون … و تيندوف … و تصريحاته الخطيرة … ثم استمرت رحلة الهجوم الديبلوماسي … مع الرفض العملي لقرار الاستفتاء … الذي أثبت استحالة إقامته … ثم كانت هجمة أو مقترح الحكم الذاتي كحل يقترحه المغرب لطي ملف قضية الصحراء نهائيا … ثم استمرت الرحلة عبر تسويق هذا المقترح و إقناع المنتظم الدولي بصوابه و منطقيته … و كان الوصول اليوم إلى القرار الرئاسي الأمريكي بالاعتراف بمغربية الصحراء ….
المؤكد أن هذا القرار … سيكون له ما بعده … و سيكون له آثاره على الحميع … و بداية على الأطراف المعنية بالصراع … على المغرب … الذي سيتخلص من الضغط الذي كان يمارس عليه سنويا كلما اقترب وقت تجديد مهمة المينورسو … و هنا لن ننسى ذلك الزمن الذي حاولت فيه مندوبة الولايات المتحدة الأمريكية ” سوزان رايس ” أن تضغط لتوسع من مهام بعثة المينورسو … و كيف كان مشروع القرار الذي تقدمت به لمجلس الأمن بمثابة زلزال أصاب المغرب … الذي سارع للتحرك بكل الوسائل من أجل سحب ذلك المشروع الأمريكي … اليوم لن يكون هناك ضغط أمريكي … و لن تكون فرنسا معزولة لوحدها تدافع عنا في مجلس الأمن … القرار سيؤثر على الجزائر التي لن تستطيع مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية … الدول التي تصيغ و تقترح جل قرارات مجلس الأمن … القرار سيريح موريتانيا … و ستجعلها تقترب أكثر من المغرب … و تخرج من منطقة الوسط و الحياد الذي لا يرضي أي طرف … موريطانيا ستجد نفسها أقرب للمغرب الذي تقف معه فرنسا و الولايات المتحدة الأمريكية … و حتى دول الخليج … و ختى باقي الدول الأورپية … لن تستطيع مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية … أكيد لن نربح الملف مائة في المائة … و أكيد أن القرار الرئاسي لا يضع نهاية للقضية … و لكن المؤكد … أننا ربحنا الكثير بهذا القرار … و أن وضعنا بعد هذا القرار لن يشبه بتاتا وضعنا ما قبله ….
قد يقول قائل : و ما أهمية هذا القرار ؟؟ هو مجرد قرار رئاسي ؟؟ بل قد يكون مجرد نزوة من نزوات دونال ترامب سيلغيه الرئيس القادم ” بايدن ” بمجرد تسلمه مقاليد الرئاسة يوم 20 يناير من السنة القادمة … هو قرار لن يعيش إلا بضعة أشهر ؟؟؟ …. و هذا القول مردود عليه … فالرئيس المقبل ملزم بتطبيق و تنفيذ هذا القرار الرئاسي … صحيح أن بإمكانه إلغاء هذا القرار … بإمكانه التراجع عنه … بإمكانه تمزيقه …. و لكن هل يمكن لبايدن القيام بهذا ؟؟ و أي مصلحة له للقيام بهذا ؟؟؟ و أقول المصلحة … فالولايات المتحدة الأمريكية لا تؤمن إلا بالمصالح … فمن سيضغط على بايدن لإلغاء أو التراجع عن هذا القرار الرئاسي ؟؟؟ شخصيا لا أعتقد أن بايدن سيتراجع عنه … و خاصة أن العديد من قوى الضغط و اللوبيات … ستقف بجانب المغرب … و لا حاجة للتذكير بهذه اللوبيات … بل لا يجب أن ننسى أن مجموعة من الحلفاء المقربين لأمريكا … سيضغطون بدوره للحفاظ على هذا القرار الرئاسي … كدول الخليج … و فرنسا … بل و حتى الكيان الصهيوني … و ممكن حتى إسپانيا … فهذا القرار يريحهم …. و إن كان سيسبب نوعا من الازعاج لإسپانيا … و خاصة فرار فتح قنصلية بالداخلة … و ما يعنيه هذا القرار من خلق منافسة اقتصادية لإسپانيا في هذه المنطقة التي تعتبرها نافذة لاقتصادها و اقتصاد جزر الكاناري … خاصة مع حديث أمريكا عن استثمارات أمريكية في المنطقة التي تعتبر بابا و محطة أساسية للتجارة مع الدول الإفريقية الغربية …. و التي تتحدث في مجملها بالفرنسية … و هذا ما سنذر كذلك بمنافسة أمريكية فرنسية …. للفوز بهذه السوق التجارية الواعدة … بل إن القرار الأمريكي في عمقه هو دخول في منافسة مع الصين … الصين التي تزحف و منذ سنوات و بهدوء لتسيطر على السوق الإفريقية … و هنا علينا أن لا ننسى الصراع الصيني الأمريكي على من يفوز بالسوق الإفريقية … و من هنا أقول أن القرار الرئاسي الأمريكي … لم يكن حماقة من حماقات دونالد ترامب … بل هو قرار مدروس للإدارة الأمريكية … قرار لن يتراجع عنه بايدن … و لا حكومة بايدن …
فتح القنصليات بمدينتي الداخلة و العيون … إضافة لمغزاها و رسائلها السياسية …. هي ضربة اقتصادية استباقية … فالمغرب الذي أعلن عن بناء ميناء الداخلة الأطلسي التوأم لميناء طنجة المتوسطي … و كلنا نعلم الدور الاقتصادي الكبير الذي أصبح يلعبه ميناء طنجة … المغرب سيفتح أبوابه لاستثمارت اقتصادية كبرى في مدنه الجنوبية … استثمارات ستكون محطة الانطلاق و الانتشار عبر قارة إفريقيا … و من هنا سينطلق التسابق للاستثمار بهذه المنطقة … و من هنا يمكن فهم القرار الأمريكي … و إدراك صعوبة التراجع عنه ….
و عليه لا يمكن إلا القول بأننا أصبحنا بعد هذا القرار في موقع مريح وقوي … و لن يمكننا نفي أننا ربحنا الكثير بهذا … ربحنا مساحة كبيرة في وجه خصوم وحدتنا الترابية … و الأكيد أن المغرب سيدخل أي مفاوضات مستقبلية و هو في موقع قوة … و يصعب ابتزازه بملف الصحراء … و لنتذكر ابتزاز الاتحاد الأوروپي لنا بهذا الملف في مفاوضات الصيد البحري …. و لنتذكر الدعوات التي ترفعها جبهة البوليساريو ضد المغرب لاستغلاله فوسفاط فوس بوكراع – و السفينة التي حجزتها جنوب إفريقيا و الأخرى التي حجزتها نيوزلندة لازالت حاضرة في الأذهان – و خيرات مياهنا الإقليمية بجهات الصحراء … و الدعاوي التي كانت تنوي رفعها في الولايات المتحدة الأمريكية … علينا أن لا ننسى هذا الأمر ..
القرار الرئاسي الأمريكي فاجأ الجميع … فاجأ حتى الحلفاء المقربين لأمريكا … فاجأ جل الدول المعنية بملف الصحراء … فاجأ فرنسا … و فاجأ إسپانيا … إسپانيا التي كان من المقرر أن يقوم رئيس حكومتها مرفوقا بوفد وزاري هام بزيارة للمغرب … لعقد القمة المغربية الإسبانية … و هي الزيارة التي تم تأجيلها … لتتأحل معها القمة الإسپانية المغربية … و هو التأجيل الذي قيل بأن ناتج عن استفحال داء كورونا … كعذر رسمي … و أشيع بأنه كان بسبب ما كان يخطط له زعيم پوديموس شريك الحزب الاشتراكي الإسباني في حكم إسپانيا … و الذي كان ينوي عقد لقاء أو اجتماع مع ممثلي پوليساريو الداخل … بمدينة الرباط … مما كان سيشكل ضربة مميتة للعلاقات الاسبانية المغربية … و لهذا السبب تم إقصاء زعيم بوديموس من الوفد الحكومي الاسباني … و مع ذلك ظل التخوف قائما … من أن يعقد أحد وزراء بوديموس هذا اللقاء الذي تم التنسيق له مع جبهة البوليساريو … فكان تأجيل الزيارك و بالتالي تأجيل القمة … و يمكن وضع احتمال ثالث لهذا التأجيل … أنه كان من نتائج القرار الرئاسي الأمريكي … حيث أن الحكومة الإسپانية كانت في حاجة لمزيد من الوقت لدراسة آثار هذا القرار عليها … و على منطقة جزر الكناري … و على استثماراتها بالمغرب و خاصة بمدنه الجنوبية … و لاتخاذ موقف موحد بين الشريكين … اللذان لا يقفان على نفس المسافة بخصوص ملف الصحراء … ففي الوقت الذي يجد الحزب الإشتراكي نفسه أقرب للمغرب … لا يكف الطرف الثاني برديموس عن إعلان موقفه القريب من جبهة البوليساريو ….
المهم … و معذرة على هذه الإطالة … القرار الرئاسي الأمريكي … قرار تاريخي … قرار في صالح المغرب … قرار لا ينهي الصراع … و لكنه يكسبنا نقط كثيرة لكسب هذا الصراع و وضع نهاية له …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى