الرئيسيةكتاب وآراء

حاجة

بروين حبيب

يبدو من الضروري لدخول الأدب أن يكون لديك عدوّ أو أكثر! يطلق باحثان فرنسيان هذه المقولة ويفتحان معا سجلات الحياة الأدبية لأدباء عاشوا بين قرنين، فكوّنوا ثنائيات عجيبة ترافقت بالكراهية الأنيقة، والتراشق بالعبارات الأدبية الجميلة والمهينة في الآن نفسه، بحيث كانت سببا في شهرتهم، ولعلهم دونها ما عرفوا بالوهج نفسه في ساحة الشعر والأدب عموما.

في أوساطنا الأدبية نسمع عن الكراهية بين بعض الكتّاب، لكننا لا نقرأ عنها بشكل واضح، إذ يبدو أن «الكراهية» موضوع مسكوت عنه، ولم يُكسر فعلا، بشكل يجعله يخرج للعلن في كتاب مثلا، أو في مقال صريح. فقد ذُكرت قصص ونوادر في هذا المضمار، لكنّها للأسف لم توثق بشكل يجعلها في متناول القارئ اليوم، بل جاءت في سياق أحاديث عامّة، ووردت بشكل عرضي، لهذا نستحضرها دون تفاصيلها، تماما كما قرأناها أو سمعناها في مجلس ما. ويُحكى فيما يحكى أن بعض الكراهية كانت تغطيه دبلوماسية ذكية من أهل الشعر والأدب، مخافة ملاحقة تُهم الغيرة لهم. ووصفهم بأوصاف تُحقِّرهم وتقلل من قيمتهم كمثقفين يفترض أن يترفّعوا عن صغائر الأمور. لكن ما يحكى عن الأخطل الصغير وسعيد عقل مثلا، والتوتر الذي كان سائدا بينهما، لم يكن سببه الغيرة والتنافس على عرش الشهرة، بقدر ما كان اختلافا في وجهات النظر، انطلاقا من استخفاف عقل بعروبية الأخطل، واعتزاز هذا الأخير بثقافته العربية، واستنكاره لتطرف عقل الذي عرف بتوجهه «الفينيقي» المبالغ فيه، كما قيل أن الأخطل الصغير كان يكره كل النقاد، وعلى رأسهم من ينتقدونه، ومن بينهم عقل الذي انتقده بشكل لاذع، فلم يغفر له أبدا.

وأعتقد أن الناس دائما تستلطف قصص الكراهية أكثر من قصص المحبة والاحترام التي لا إثارة فيها، ولا عناصر تسلية تغذي نمائم المجالس الشخصية. من هنا يبدو لي أن البحث في هذا الموضوع، سيكشف حتما عن «المجد» الذي صنعته الكراهية للبعض دون أدنى توقع منهم. بالتأكيد تعدّدت منابع الكراهية كما تعدّدت أسبابها، وإن كانت في الغالب كما يُروى في قصص «الكارهين والمكروهين» تبدأ باختلاف بسيط وتتحوّل مع مرور الزمن إلى «تصفية حسابات» تتخلّل الحياة الأدبية والاجتماعية، فتخلق تيارات أدبية، ومعارك يشارك فيها المنقسمون ويؤجِّجونها بقصد أو بغير قصد. البعض يصفها بمشاجرات الحب التي تفرز أجمل القصص على الإطلاق. والبعض يراها معارك سخيفة، تكشف الأقنعة عن أدباء جعلناهم رموزا في حياتنا.

أعتقد أن الناس دائما تستلطف قصص الكراهية أكثر من قصص المحبة والاحترام التي لا إثارة فيها، ولا عناصر تسلية تغذي نمائم المجالس الشخصية. من هنا يبدولي أن البحث في هذا الموضوع، سيكشف حتما عن «المجد» الذي صنعته الكراهية للبعض دون أدنى توقع منهم.

عن الأخطل الصغير وسعيد عقل، يروي الكاتب والنّاقد جهاد فاضل ما حدث في حفل في الجامعة الأمريكية في بيروت، فبعد أن ألقى الأخطل قصيدته «عروة وعفراء» وصفّق له الجمهور بشدّة، صعد عقل المنبر وقال مخاطبا الجمهور: «أنا أُقيم وزنا لشاعر يعيش على ساحل البحر الأبيض المتوسّط، وتغسل أقدامه الأمواج ويكلِّله صنّين بتيجانه، ثم يحمّل نفسه عناء السّفر إلى صحراء العرب ليوشي بها قصائده». ويروي التاريخ امتعاض الكثيرين لتصرف عقل الذي كان شابا آنذاك وفي بداية حياته الأدبية، لكن رغم ذلك، التفت آخرون إليه على أنّه صانع تيار تجديدي أخذ الشعر بعيدا عن التبعية الوصفية لجغرافيا لا تنتمي لخريطة لبنان، بدأت بملاحظة قاسية ضد شاعر، ولم تنته عند هذا الحدّ، إذ فتحت أبواب حروب خرجت عن نطاق الشعر لتصبح سياسية محضة، ولا تزال مستمرة في العالم النّاطق باللغة العربية، بشكل أكثر ضراوة. وغير ذلك ربما يعتبر سعيد عقل الشاعر اللبناني الوحيد الذي يعيش بين قطبي الكراهية والمحبة، لكن لا الكراهية ولا المحبة أثرتا على مكانته كشاعر.
ربما بعد عقد آخر من الزّمن سيُسلّط الضوء أكثر على التفضيلات الشعبية بين شاعر له مواقف سياسية مزعجة، وآخر له التزامات في الشأن العام لا كمُنَظِّر سياسي، بل كفاعل. شيء يذكرنا بالعلاقة بين إيميل زولا وفيكتور هوغو، وأدباء آخرين مثل ستندال وفلوبير وموباسان وبلزاك وجورج ساند… لقد وُصف هوغو بـ«صديق الشعب» ليس لأنه منح الخلود في أدبه، للمحكومين ظلما، والمنبوذين من طرف الطبقة البورجوازية، حين ابتكر «جان فالجان» و «كازيمودو» العاشق الميؤوس منه، بل لأنّه تلفّظ بما يحب الشعب أن يسمعه، بحيث تحوّلت بعض عباراته التي أطلقها في خطابه الشهير عام 1848 إلى حكمة مُلهِمة للفقراء والمظلومين والطبقات المسحوقة، حين قال: «أنا لست من أولئك الذين يعتقدون أنّه يمكننا القضاء على المعاناة في هذا العالم، المعاناة قانون إلهي، لكنّني من الذين يفكِّرون ويؤكدون أنه يمكن للمرء أن يدمّر البؤس». كان مؤثرا بخطابه الموجه للبائسين وفاقدي الأمل والراغبين في تغيير مصائرهم، ولعلّ هذا ما شجّع إيميل زولا، في بداياته ليكتب له بمحبة كبيرة رسالة طويلة مصحوبة بقصيدة، أخبره فيها أنّه يحبه ومعجب بأدبه كثيرا، أمّا بالنسبة للذين عاصروه فقد كانوا يعرفون أن تلك المشاعر بلغت مستوى التّقديس، وأن إعجابه لم يكن عاديا كونه وُصِف بـ«النّاري» وقد ذكر زولا في رسالته تلك أنه ينتظر «شعلة إرشادية» من معلّمه. لكن هوغو لم يرد عليه أبدا، ما جعل العلاقة تأخذ منحى آخر بينهما، حين أصبح كاتبا له وزنه، وقد رُوي أنه ظلّ يتفادى اللقاء به طيلة حياته، في ما عدا لقاء يتيما في الجمعية الوطنية في بوردو، وآخر في جنازة ابنه فرانسوا فيكتور لكن من بعيد، دون أن يعرفه حقا على أنه حضر الجنازة.
أمّا عن عدم رد هوغو على رسالة زولا، فقد اختلفت آراء الباحثين في الأمر، اعتبر البعض تصرفه تعجرف كاتب مشهور، فيما اعتقد البعض أنه رد عليه، وربما ضاع الرّد لسبب ما. لكنّ ما اتفق عليه الجميع هو أن علاقتهما أخذت منحى غير ودِّي. حتى أراؤه كان يصعب استخلاص موقف واضح منها، إذ كتب وفق الآراء العامة، وظلّ يُقَدِّر الشاعر لكنّه انتقد بشدّة المفكّر، إذ وصف تفكيره بالوقح. وكأنه فكّكه إلى مكوناته الأساسية، وسلّط ضوءا كاشفا نحو كل مكوّن على حدة.
في إحدى مقالاته كتب: «إذا صفقتُ لفيكتور هوغو كشاعر، فيجب أن أناقشه كمفكر، ومُعلّم. فهو ليس فقط غامضا في فلسفته المتناقضة، والمكونة من مشاعر وليس من حقائق ، بل أجدها خطيرة، ذات تأثيرات سيئة على الأجيال، وبإمكانها أن تقود الفئات الشابة إلى أكاذيب الغنائيات، التي تمجّد الرومانسية وتعطّل الدماغ». وهذه ليست أكثر من عيّنة، لكنّها تختصر الطريق الذي رسمه زولا لنفسه، ليصبح واحدا من أهم الأعمدة المضادة للرومانسية. أكثر من ذلك لقد صوّب حربته نحو «المثالية» الجوفاء التي قتلها في شخص هوغو، وما كان ليفعل ذلك لو أن هذا الأخير تعامل معه بطريقة مغايرة، محتضنا مشاعر الإعجاب نحوه كرمز عظيم من رموز الأدب.

وُصِفت تلك الكراهية بالصامتة والخفية، والذكية. كراهية منتجة، لم تتوقف عند القدح والذّم، والتراشق بعبارات السباب، بل أنتجت مدرسة أدبية ونقدية، أثرت في المشهد الثقافي في فرنسا والعالم.

أتفق في الأخير مع القائل على إن الكراهية في عالم الأدب حبٌّ صعب، صعب جدا ويصعب التخلّص منه، يولد فجأة بين اثنين ولا ينتهي إلا بموت أحدهما، بعده تصبح السّاحة فارغة، إلى أن يملأها حب جديد من هذا النّوع، حب ينتعش بلذة انتقاد الخصم، والاستمرار في مبارزته، وكأنه تعويض عن تلك الاحتياجات الماسّة للحب التي تظلُّ شاغرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى