الرئيسيةكتاب وآراء

لا بديل عن اشراك العلوم الاجتماعية في تنمية المجالات القروية

أيوب برجال طالب باحث في  ماستر سوسيولوجيا المجالات القروية والتنمية

تعلمنا السوسيولوجيا أن فهم معاني الأشياء بكل وضوح يستوجب علينا العودة الى سياقها العام الذي توجد به وأن نفكك هذا السياق بطريقة تتيح لنا فهم الاليات التي تخول للفاعل الاجتماعي انتاجه وإضفاء معنى عليه، والتنمية كفعل استراتيجي يمس الانسان لا يمكن فهمها هي الأخرى خارج سياق وجودها الطبيعي والاجتماعي، فالانسان باعتباره كائن اجتماعي يعيش وفق نمط عيش يحمل دلالات رمزية لأنظمة التواصل والافكار التي تؤكد وجوده الاجتماعي الى جانب وجوده المادي والمتافيزيقي ،فهو لا يعيش في المجال الطبيعي فقط بل ان وجوده يمتد الى المستوى السوسيولوجي والذي قد يكون له تأثير كبير على الانسان من المجال الطبيعي كما أنه لا يمكننا أن نتصور انسان بدون مجال أو معزولا عنه بل ان العلاقة التي تجمعهما هي علاقة جدلية قائمة على التأثير والتأثر، والتي لا يمكن فهمها الا على مستوى العلاقات الاجتماعية في تقاطعاتها مع العلاقات المجالية، فهذه العلاقة هي التي تحدد سلوكات وممارسة الأفراد أي في مستوى البنيات الذهنية بتعبير بيير بورديو.

فمسألة التنمية القروية تتطلب منا أولا وقبل كل شيئ تشخيص الأزمة بشكل علمي موضوعي تتداخل فيه مختلف التخصصات والعلوم سواء منها الاجتماعية أو الطبيعية، اذ لا يمكننا فهم العالم القروي مثلا دون العودة الى علم الجغرافيا الطبيعية التي تمنحنا رؤية واضحة حول الوضع الطبيعي للمنطقة، ولا يمكننا ايضا الاستغناء على التاريخ لفهم الحاضر واستشراف المستقبل، ولا يمكننا التخلي عن السوسيولوجيا لتفكيك الرموز الاجتماعية … فاخراج العالم القروي مما هو فيه يتطلب منا الاعتماد على ثلاثة مبادئ أساسية أو لنقل القيام بثلاث ثورات : فكرية و تقنية وثقافية بشكل جدلي ومتداخل فيما بينها كعملية واحدة وموحد، وبالتالي فإن التركيز على واحدة من هذا الثلاثي يؤدي الى خلل فادح ونقصان في الغايات التي تنبني عليها التنمية كمشروع استراتيجي لا يمكن البلوغ اليها الا بتشخيص واقع الأزمة بشكل علمي دون أي تدخل اديولوجي قد يجعلها لصالح البعض دون الكل.

غير أن بعض المختلين فكريا من أنصار الرجعية والبرجوازية الصغيرة ودعاة التقنية دائما ما يتنكرون لكل هذا وينتقلون مباشرة ليحدثونا عن حلولهم (احلامهم) الرمادية لمعضلة التخلف والفقر والتهميش التي تعاني منه منطقتنا، حلول لا ترقى الى كونها ترديد لكلمات ومشاريع نجحت في مناطق أو دول مخالفة لواقعنا المعاش، او لنقل انها نابعة من الجهل العميق لمفهوم التنمية وتشخيص الخلل البنيوي الذي تعاني منه المناطق الجبلية (الأردزاغ نموذجا) فلازال أصحاب المكاتب المكيفة والسيارات ذات النوافذ المعتمة التي ربما تحجب عنهم رؤية الواقع بوضوح يعتقدون أن الحل يكمن في تغيير التقنيات وتحديثها باعتباره المدخل الوحيد لتحقيق تنمية قروية تستجيب لحاجيات الإنسان القروي، وكأن هذه التنمية تتحقق فقط من خلال تمدين البوادي وتحديث بنياتها وهياكلها، غير أن العكس هو ما وقع ” فالمدن عوض أن تمدن الانسان البدوي هي التي أصبحت بدوية ” كما عبر عن ذالك الدكتور المختار الهراس ،ورغم ذلك لا يريدون الانصات للعلوم الاجتماعية ويواصلون مشاريعهم الفاشلة بمعناها الانساني والناجحة بمعناها البرجوازي الطبقي ويواصلون ذر الرماد في عيون القرويين وتكبير بطون الاعيان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى