كتاب وآراء

فلسفة الموسيقى عند أرسطو: النظرية الواقعية

الكاتب:المصطفى عبدون

يعتبر أرسطو أولَ مَنْ خصص مؤلَّفًا كاملًا عن موضوعٍ في صميم علم الجمال، هو كتاب “البويطيقا”، الذي يعتبر أولُ مؤلَّفٍ نظري خُصِّصَ كله لمناقشة المسائل الجمالية، فضلًا عن أنه تضمن إشارات موجزة إلى مختلف الفنون، وإلى طبيعة التجرِبة الجمالية بوجه عام. لم يكن كتاب “البويطيقا” هو الوحيد الذي عالج فيه أرسطو الموضوعات الفنية، وإنما تضمنت كُتبه الأخرى — ولا سيما كتاب السياسة — أبحاثًا هامة في هذا الموضوع. وفقا لفؤاد زكريا (أراء نقدية في مشكلة الفكر والثقافة)، احتل كتاب فن الشعر”البويطيقا” لأرسطو مكانة رفيعة في تاريخ نظرية الجمال في شكل نسق متكامل لرؤية تجعل الفلسفة رفيقا للفن والجمال. اعتبر الدكتور عباس ارحيلة ضمن كتابه (الأثر الأرسطي في النقد والبلاغة العربيين) أن “مؤرخي النقد يحرصون على ربط النظرية النقـدية بأصولها الإغريقـية ويعتبرون أرسطو عمدة في تاريخ النقد الأدبي وقد عده كثيرون المؤسس الحقيقي للنقد، وواضع المواد النقدية لما جاء بعده”، وحسب منتهى عبد جاسم (الجامعة المستنصرية، مجلة الفلسفة العدد السادس عشر) “رأى أرسطو بأن الجمال ليس نموذجا ذو وجه مستقل عن عقل الإنسان ومفارق للعالم المادي وموجود في عالم المثل بل نموذج كامن في عقل الإنسان”.

يقول أرسطو: فالجميل يختلف عن غير الجميل — مثلما تختلف الأعمال الفنية عن الأشياء الواقعية  في أنه يجمع بين العناصر المتفرقة كالألوان في الرسم، والأصوات المنفردة في السُّلم الموسيقي، والكلمات في الشعر، والحوادث في الرواية. إنّ غاية الفن عند أرسطو أخلاقية بامتياز؛ حيث يسعى من خلالها إلى استثمار الفنون في التنشئة والتربية والتعليم، بما ينمي إمكانات العقل ويطورها، ويهذّب الذوق واللذات الحسية. وليس الانسجام الذي يدعو إليه أرسطو في تصوره للفنون إلا دليلا على ضرورة الانسجام الذي ينبغي أن يسم حياة الفرد في علاقته بذاته وبمجتمعه. يرى عصام قصبجي (نظرية المحاكاة في النقد العربي القديم) أن غاية الفن عند أرسطو، وكما يرى المحدثون، هي تحقيق التوازن النفسي لدى الفرد، والتكامل بين أعضاء المجتمع، ومن هنا كان الفن من ضرورات الحياة البشرية، ولقد كان لفلسفة أرسطو في الفن تأثيرا عظيما في العالم الأوروبي. “فتأثر النقاد بكتابه “فن الشعر”، وخاصة في القرنين السابع عشر والثامن عشر، وعنه أخذ الكلاسيكيون المعايير العقلية للنقد الفني، وأهمها ضرورة توفر الوحدة العضوية في العمل الفني.” وفق علي حسين( فلسفة الفن: رؤية جدية).

يعتبر أرسطو أن الفن نوعان: فهو إما أن يكمل الطبيعة وإما أن يخلق جديدًا، فمن النوع الأول مثلًا فن التطبيب، فإذا قصرت الطبيعة في منح الصحة للبدن جاء الطبيب يساعد الطبيعة بفنه ويكمل ما بدأت به، ومن النوع الثاني ما نسميه اليوم بالفنون الجميلة، من تصوير وموسيقى وشعر، هذا النوع الثاني وإن سماه أرسطو مقلدًا للطبيعة فهو — في نظره — لا يقلد الأفراد والجزئيات بل يقلد الشيء الكلي في فرد، ومعنى هذا أنه إذا صوَّر إنسانًا فهو لا يصور فردًا يراه وإنما يصور فيه المثل الأعلى للإنسان أو الفرد الكامل منه، فهو يلقي على الصورة نفحة مما يتصوره من الكمال، فالإنسان العادي ينظر إلى الفرد من الناس كأنه فرد، أما الفنان فيرى الإنسانية في الفرد، فيلقي على الصورة شيئًا من هذا النظر العالي، وتكون وظيفته أن يعرض ما يتصوره من الإنسانية فيما يصوِّر. فالفن عند أرسطو ينشأ من الميل الغريزي عند الإنسان إلى التقليد الواقعي عن طريق المحاكاة. إلا أن الفن لا يقف عند محاكاة الطبيعة بل أنه يكمل هذه الطبيعة بما يبدعه من موضوعات جديدة. فميزة الفن إخراج الطبيعة من طبيعتها عن طريق تغييرها للأسوأ أو للأحسن لأن الفن محاكاة الطبيعة ثم السمو عليها فكأنما ثمة تدخل لشخصية الفنان لكي يبرز الواقع بصورة أقرب إلى الجمال والكمال.

أما كلمة محاكاة فهي في الأصل اللاتيني: (mimesis)، ثم ترجمت في الإنجليزية إلى: ((imitation، وهي تشير إلى نظرية أرسطو الشهيرة في الفنون التي كلها تعود، في أصل منبعها، إلى رغبة الإنسان في محاكاة ما حوله، وذلك راجع إلى أن “المحاكاة غريزة في الإنسان، تظهر فيه منذ الطفولة. والإنسان يختلف عن سائر الحيوان، في كونه أكثر استعداداً للمحاكاة. وبالمحاكاة يكتسب معارفه الأولية. كما أن الناس يجدون لذة في المحاكاة… وأن المحاكاة تعلّمٌ، والتعلّم لذيذ، لا للفلاسفة وحدهم، بل وأيضاً لسائر الناس، وإن لم يشارك فيه هؤلاء إلا بقدر يسير. فنحن نُسَرُّ برؤية الصور، لأننا نفيد من مشاهدتها علماً، ونستنبط ما تدل عليه؛ كأن نقول: إن هذه الصورة صورة فلان”. هذا هو الأصل الأول للفن كما يحدِّده أرسطو بطريقته المميَّزة. ففي الموسيقى تتحول انفعالات الإنسان إلى أصوات وإيقاع، وفي الملحمة تتحول إلى لغة سردية تقص الأحداث. ولأن صورة الشعر الغنائي الأساسية يعبر عنها الإيقاع، فيمكن لنا أن نقول، بأن الشعر الغنائي ــ في نظر أرسطو ــ محاكاة لانفعالات الشاعر الداخلية، بموسيقى الكلمات. إلا أن عمل الشاعر وحسب أرسطو ليس رواية ما وقع بل ما يجوز وقوعه وما هو ممكن على مقتضى الرجحان والضرورة، فإن المؤرخ والشاعر لا يختلفان بأن ما يرويانه من منظوم أو منثور. بل هما يختلفان بأن أحدهما يروي ما وقع على حين أن الآخر يروي ما يجوز وقوعه، ومن هنا كان الشعر أقرب إلى الفلسفة وأسمى مرتبة من التاريخ.

الفن من وجهة نظر أرسطو هو محاكاة لجوهر الطبيعة الكائن في واقعها، وليس في عالم مثالي غير ملموس. إنْ كانت المحاكاة تقلّد الشيء في الواقع أو الفكرة في الذهن، فإنّ شرط إمكان اعتبارها ممارسة فنية لا يقتصر على مدى تحقق المحاكاة فقط، بل على مدى معقولية مضامين المنتوج الفني. لكن، ومع ذلك، فإنّ “المستحيلات من المتخيَّلات، إنها غلطٌ؛ لكنها صواب، إذا كان الغرض من الفن قد تحقق. لا ينفصل غرض الفن عند أرسطو، مهما بلغ قيمته الإبداعية، عن الغاية التربوية والأخلاقية؛ ذلك أنّ الفنّ وإنْ كان محاكاة، فإنه محكوم بنمط تقليد ينقل جملة من القيم، وينشئ عليها المتلقي، هذا علاوة على شرطي العقلانية والواقعية، الذي ينبغي توفرهما في كل عملي فني، حسب عصام قصبجي.

تتفاوت الفنون من حيث قدرتها على تصوير الواقع ومحاكاته؛ فللموسيقى قدرةٌ مباشرة على تصوير الأحوال النفسية والطباع. حسب جوليوس يورتنوى في كتابه “الفيلسوف وفن الموسيقى” “إن الإيقاع واللحن يهيئان محاكاة للغضب والرقة، وكذلك الشجاعة والاعتدال وكل الصفات المضادة لهذه وغيرها من صفات الشخصية، وهذه المحاكاة لا تكاد تفترق عن الانفعالات الأصلية إلا قليلا، كما نعلم من تجربتنا الخاصة، إذ سماعنا لهذه يحدث في نفوسنا تغييرات. وليس عادة الشعور باللذة والألم إزاء التمثلات المجردة بمختلفة كثيرا عن نفس هذا الشعور إزاء الأشياء الواقعية، وإذن ففي الإيقاع واللحن نجد محاكاة شديدة واقعية للغضب والهدوء، وفضائل الشجاعة والاعتدال وأضداد هذه الصفات. أي أن المحاكاة الموسيقية لا تقتصر على الأحوال الشعورية فحسب، بل تشمل الصفات الأخلاقية والاستعدادات الذهنية أيضا، فالموسيقى التي يضعها شخص ما، تشكل شخصية المستمع في اتجاه الخير أو الشر. والموسيقى انعكاس لصانعها. والأمر في ذلك لا يقتصر على كون شخصية المرء تصور فيما يخلقه، بل إن من تصل موسيقاه إلى أسماعهم يتأثرون إلى حد بعيد.”

أما في التصوير فليست المحاكاة مباشرة، صحيح أننا قد نشعر في التصوير بمزيد من المتعة، تولِّدها فينا قدرتنا على استنتاج موضوع التصوير والتعرُّف عليه، ولكن هذا السرور ملتوٍ غير مباشر. على أن المحاكاة تكتمل وتبلغ هدفها في المأساة أي التراجيديا؛ فالموسيقى والتصوير — على ما لهما من أهمية — لا يقدِّمان إلينا فكرةً تبلغ من الثراء والاتساع ما تبلغه العقدة الموحدة المحبوكة في التراجيديا. وهكذا يقيس أرسطو شرف الفن المحاكى — مثلما يقيس شرف المعرفة — بمقدار ما فيه من شمول ومعقولية وضرورة محتومة، تناظر ما في العلم الأصيل والمعرفة الحقة من هذه الصفات. حسب عصام قصبجي “إذا كانت المحاكاة عند أفلاطون نظرية فلسفية فإنها عند أرسطو نظرية فنية، فالشاعر ليس حامل مرآة ينظر إلى مظاهـر الأشياء فيها، وإنما هو إنسان يروم محاكاة جوهر الطبيعة الكامن في الأشياء بما يفضي إلى فهمه وصقله، فهو يحاكي ما يمكن أن يكون ولا يحاكي ما هو كائن”

الفكرة الرئيسية الثانية في نظرية أرسطو في الفن هي فكرته المشهورة ب”التطهير Catharsis”، يعرض أرسطو هذه الفكرة في تعريفه للتراجيديا على أنها تصوِّر فعلًا نبيلًا كاملًا في ذاته بلغةٍ لها سحرُها الخاص وتؤدي — بإثارتها لانفعالَي الشفقة والخوف — إلى تطهير النفس من هذين الانفعالين. إن فعل التطهير الممارس من لدن العمل الإبداعي على المشاهد –المتلقي -يجلي لنا تركيز أرسطو على بعد التلقي داخل دائرة الفن، حيث ربط المعلم الأول بين الإبداع والوظيفة ربطا يخدم مشاعر المتقبل وانفعالاته عبر الإلحاح على عاطفتي الشفقة والخوف.

وضع أرسطو أسس نظرية تطهير الروح القائلة أن “التراجيديا” ينبغي أن تتضمن أفعالا تثير الشفقة والخوف حتى تتم عملية “التطهير Catharsis” الانفعالي، لقد كانت لهذه النظرية أثارا مهمة وكبيرة في التحليلات الجمالية والنظرية الأخلاقية التي صاغها. فقد أخذت جانبا كبيرا من فلسفته حين عد الإنتاج الفني والعمل الحقيقي هو الذي يعمل على تصفية الروح من الشوائب والغرائز الحيوانية المضرة وذلك عن طريق التطهير الذي يصاحبه نوع  من مشاعر النشوة والانتعاش الملذة، فهذه المشاعر الملذة تسمو بالنفس إلى المراتب العليا في البناء الأخلاقي. ولهذا أعطى أرسطو للموسيقى دورا تربويا في تربية النشء وبناء المجتمع وقد قسم الألحان إلى ثلاثة أقسام: تثقيفي يؤثر في الحواس الأخلاقية، عملي يثير النشاط، حماسي يثير الطرب، وفق منتهى عبد جاسم.

وكذلك ردد أرسطو أفكار أفلاطون بشأن الطابع الأخلاقي للموسيقى “إن الألحان الخالصة هي بدورها محاكاة للخلق، ذلك لأن المقامات الموسيقية تختلف تماما الواحدة عن الأخرى، كما أن تأثيرها على سامعيها يختلف. فبعضها يجعل الناس في حزن ووهم، كالمقام المسمى بالليدي المختلط، وبعضها الآخر يضعف الذهن، كالمقامات الرقيقة الناعمة، وغيرها يحدث مزاجا معتدلا ومستقرا، وهو التأثير الذي يبدو أن المقام “الدوري” يتميز به، أما الفريجي فيوحي بالحماسة…ومثل هذه المبادئ تنطبق عل الإيقاعات…فللموسيقى قدرة على تكوين الشخصية، ومن هنا كان من الواجب إدخالها في تعليم الصغار” حسب جوليوس يورتنوى.

يختلف أرسطو كثيرًا في نظرته للموسيقى عن أفلاطون، فرغم أنه كان أكثر نسقية بوضوح، وأعمق في التنظير للنقد الفني عمومًا، وأقل ضربًا للأمثلة الأسطورية واستعمالاً للأدب كتعبير عن الفلسفة، وبالتالي أكثر علمية ودقة، فلم يكد يتجاوز أطروحات أفلاطون في النظرة الأخلاقية للموسيقى، فهو يؤمن بالأثر الأخلاقي للموسيقى، وأن الموسيقى إما فاضلة أو راذلة، ولهذا فقد أكّد على استبعاد أفلاطون للمقامين الأيوني والليدي واستبقاء الدوري والفريجي للأسباب نفسها. أما حول استعمال الفلوت، فقد رأى أرسطو أن المقام الدوري لا يؤدَّى على وجهه الأكمل إلا به، ولهذا فقد نقد حظر أفلاطون له، لكنه اعتقد أن علينا أن نحذر منه، لأنه آلة مثيرة أكثر من اللازم، ويقر كأفلاطون بأن على الشباب تعلم قدر مناسب من الموسيقى، لا يصل إلى درجة الاحتراف في العزف.

لقد كان أرسطو يعتقد، مثل أفلاطون، بأن الغاية القصوى للموسيقى ينبغي أن تكون خير الإنسان والمجتمع، ولكن على حين أن أفلاطون كان يعتقد بأن على الموسيقى أن تحاكي الطبيعة محاكاة أمينة، فإن أرسطو قد استقل عن أستاذه في القول أن وظيفة الموسيقى ليست محاكاة الطبيعة، إنما إعادة خلق الأصوات الطبيعية في أنغام موسيقية ذات طابع مثالي، وكان أرسطو يرى أن مؤلف الموسيقى أقدر من أي فنان خلاق آخر على التعبير عن انفعالات الناس وسلوكهم، لأن القدرة التعبيرية للأنغام أعظم منها لدى الألوان. والموسيقى فن يسمو على الرسم بفضل طبيعتها الزمنية. وهكذا انتهى أرسطو إلى القول بأن الموسيقى لا تقتصر على تصوير المظهر الخارجي للشعور والسلوك الإنساني، وإنما تمثل الدلالة الباطنة والحياة الانفعالية لأحوال الإنسان وأفعاله على نحو يفوق تمثيل أي فن آخر لها.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى