الأجناس الكبرىالرئيسيةروبرتاج

قصة جاسوس هتلر الذي خدع المخابرات الأمريكية

ما زالت فترة الحرب العالمية الثانية وما لحقها من هزيمة النازيين وتقسيم العالم إلى مناطق سيطرة ونفوذ أمريكية وفي المقابل مناطق سيطرة ونفوذ سوفييتية، ومن ضمن هذه القصص قصّة راينهارد غيلين.

الضابط النازي السابق استطاع اللعب على التناقضات، والخوف الأمريكي من السوفييت، ليحوِّلهما إلى تعاون “مثمر” للغاية مع المخابرات الأمريكية (CIA). لكنّ هذا التعاون سيُسهم في تحرير حوالي 5 آلاف ضابط نازي سابق!

العميل النازي يستغلّ “ساعة الصفر” والخوف من السوفييت

لنشرح بشكلٍ موجز السياق العام في ذلك الوقت. فقد قرّر هتلر الإقدام على خطوةٍ متهورة بأن يغزو الاتحاد السوفييتي، الذي كانت بينهما اتفاقية عدم تعرُّض، بل كان الاتحاد السوفييتي يمد هتلر بالكثير من المواد الخام التي يحتاجها لآلته الصناعية العسكرية.

النازيون
القوات السوفيتية يرفعون العلم أعلى الرايخستاغ (البرلمان الألماني) / ويكيميديا

ولكن هتلر بعدما سيطر على أغلب أوروبا قرّر أن يغزو الاتحاد السوفييتي، ليفشل فيما فشل فيه من قبله بقرنٍ ونصف نابليون بونابرت. للتعرُّف أكثر على سياق تجربة نابليون بونابرت يمكنك قراءة هذه المادة.

استطاع السوفييت هزيمة جيوش هتلر التي كانت لا تُهزم حتّى ذلك الوقت، وهكذا، مع دخول أمريكا ساحة الحرب، مالت كفّة الحرب ضدّ هتلر وقوات المحور، لينتصر الحلفاء في النهاية.

ففي منتصف ليلة 8 مايو/أيار عام 1945، انتهى الحكم النازي في ألمانيا. ويظل ذلك التاريخ، المعروف الآن باسم “ستوند نول” أو “ساعة الصفر”، واحدة من أبرز اللحظات في التاريخ الألماني الحديث.

وبنهاية الحرب العالمية الثانية، استسلم خبير التجسّس المُحنّك راينهارد غيلين لقوات الحلفاء، حتى يتسنّى له العمل مع وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية – CIA، قبل أن يُؤسّس جهاز المخابرات الألماني المُعاصر بمئات النازيين السابقين من أمثاله، وفق ما ذكره موقع All That’s Interesting الأمريكي.

وقد فاجأت الهزيمة الساحقة لألمانيا النازية على يد الحلفاء الكثير من الألمان، لكنَّ بعضهم كان قد فكّر بالفعل في احتمالات هلاك ألمانيا، وأعدّ تجهيزاته لضمان عودة الحكم النازي بعد سقوطه، من بين أنقاض الدولة المنهارة، بغضِّ النظر عن هويَّة المنتصر في الحرب العالمية الثانية.

وكان راينهارد غيلين واحداً من هؤلاء.

بصفته خبيراً في التجسّس وسياسياً انتهازياً من الطراز الرفيع، فقد أعدّ غيلين خططه لضمان بقاء الرايخ الثالث (اسم يطلق على ألمانيا النازية) بعد ساعة الصفر، وشكّل لهذا الغرض شبكةً من جواسيس النازية السابقين.

ستمضي تلك الشبكة في ما بعد لتأسيس المجتمع الاستخباراتي الألماني المُعاصر -وقد فعل ذلك جزئياً من خلال خداع وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية.

راينهارد غيلين.. جاسوس نازي لا يُقدّر بثمن

وُلِدَ راينهارد جيلي لعائلةٍ من العسكريين البروسيين المخلصين في الثالث من مارس/آذار عام 1902. وكان غالبية رجال عائلته من رجال الجيش المخضرمين، وقد سار غيلين على نهجهم. فبمجرد اجتيازه الاختبارات، انضم إلى الرايخويهر (قوة دفاع الرايخ) في عهد جمهورية فايمار التي سبقت صعود هتلر.

ويُعرف عن غيلين أنّه كان هادئاً بين رفاقه من الجنود، لكنّه أثبت نفسه رغم ذلك بذكائه الحاد بشكلٍ استثنائي في ما يتعلّق بالحقائق والأرقام والتنظيم.

وفي عام 1935، بعد سيطرة هتلر على الحكومة بسنتين فقط، تمَّت ترقيته إلى رتبة نقيب وتعيينه في إدارة الأركان العامة الألمانية. وهناك طوّر مهاراته في العمل الميداني والتجسّس.

النازيون
راينهارد غيلين / warfarehistorynetwork

وفي عام 1942، تمت ترقية الرائد راينهارد غيلين إلى رتبة قائد الجيوش الأجنبية الشرقية، التي كانت منظمةً استخباراتية مسؤولة عن اختراق الخطوط الروسية إبان سيطرة ألمانيا النازية على أوروبا.

وبصفته كارهاً شديداً للشيوعية، انخرط غيلين في عمله بكلِّ حماس وأنتج عدداً من التقارير الحاسمة التي أسفرت عن نجاحات ألمانيا المُبكّرة في إخراج جواسيس الاتحاد السوفييتي من أراضيه.

ولكن حتى منذ عام 1942، حين كان هتلر يتحوّل سريعاً إلى ديكتاتورٍ مرعب في أوروبا، وقبل سقوط هتلر بثلاث سنوات، بدأ غيلين في دراسة احتمالات هزيمة بلاده.

مع انقلاب موازين الحرب العالمية الثانية وهزيمة النازيين تدريجياً من قِبل الحلفاء، أعدّ غيلين تقاريره الاستخباراتية التي كشفت إخفاقات العسكرية الألمانية. وقد أغضبت تلك التحليلات الواقعية أدولف هتلر، الذي وصف نتائج غيلين بأنّها “انهزامية”.

وفي أبريل/نيسان عام 1945، تداعت إمبراطورية هتلر من حوله وأقال غيلين، الذي كان حينها أبرع جواسيسه على الإطلاق.

تجاهل غيلين، الذي وصل آنذاك لرتبة لواء، قرار فصله وواصل نسخ كل المعلومات الاستخباراتية التي استطاع إيجادها عن السوفييت.

ووفقاً لمذكراته “الجهاز The Service” المكتوبة عام 1972، قام غيلين قبل أيامٍ من دخول الحلفاء ألمانيا هو وضباطه المخلصين بدفن 52 برميلاً من الصُلب المليئة بشرائط الميكروفيلم التي تحتوي على نتائج ستِّ سنواتٍ من العمل الاستخباراتي. ومن ثم أمر رجاله بانتظار إشارته، وسلّم نفسه بهدوء لقوات الولايات المتحدة.

الخطة المُحكمة: التعاون مع الاستخبارات الأمريكية، ثم استغلالها

بالطبع عندما يستسلم لك لواءٌ سابق في أحد أهمّ وأقوى أجهزة الاستخبارات في العالم، لن تعامله معاملة الجنود.

وهكذا بدأ غيلين إجراء المقابلات مع كبار ضباط المخابرات الأمريكيين، وتفاوض راينهارد غيلين على صفقةٍ لحمايته من المحاكمة على جرائم الحرب التي ارتكبتها النازية، مقابل جمع المعلومات الاستخباراتية لأمريكا عن السوفييت – الشيوعيين (عدوه الدائم منذ بدايات عمله).

بنهاية عام 1946، زوّدت المخابرات الأمريكية غيلين بالتمويل اللازم لتأسيس منظمة غيلين، التي شكّلها غيلين من 350 ضابطاً نازياً سابقاً بعضهم من مجرمي الحرب بالفعل.

كانت الصراع مستعرَّاً بين الاتحاد السوفييتي ومعسكره وأمريكا ومعسكرها، وكانت برلين إحدى أكثر المناطق سخونةً في هذا الصراع. فقد بني جدار في وسط برلين وقسّم ألمانيا جزأين: ألمانيا الغربية، وألمانيا الشرقية. الأولى تابعة لأمريكا، والثانية لروسيا، ومراراً كادت الحرب تندلع بينهما في وسط برلين.

وبالطبع كان جواسيس كلا الجانبين موجودين في كلتا الألمانيتين. وللقراءة أكثر حول الحرب الباردة وآثارها التي كادت أحياناً أن تقضي على البشرية بأكملها، يمكنك قراءة هذه المادة.

النازيون
جدار برلين / Flickr

سُمِحَ لغيلين ورفاقه بمتابعة أجندتهم الخاصة على جانبي حدود ألمانيا الغربية، وكل ذلك كان تحت سلطة استخبارات الجيش الأمريكي بالطبع.

وفي عام 1949، كانت وكالة الاستخبارات الأمريكية المركزية قد استوعبت مجموعة غيلين رسمياً ومنحتهم 5 ملايين دولار سنوياً من أجل مشاريعهم الاستخباراتية الخاصة ضد السوفييت.

ورغم أنّ المنظَّمة كان لها قيمتها في المجتمع الاستخباراتي الأمريكي، لكنَّ الجيش الأمريكي كان يتطلّع رغم ذلك إلى التخلّص منها بشدة؛ إذ امتلأت المنظمة بالجواسيس السوفييت بعد إنشائها بفترةٍ وجيزة، إلى جانب قلق الضباط الأمريكيين من وجود قدامى محاربي الفيرماخت (جيش الدفاع الألماني) والشوتزشتافل (القوات الخاصة الألمانية) بها.

وفي الواقع، كان خمسة على الأقل من مساعدي أدولف أيخمان، مُهندس الهولوكوست النازي ضد اليهود، يعملون لصالح وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية. كما يُزعم أيضاً أنّ الوكالة تواصلت مع 23 نازياً آخر لتجنيدهم، إلى جانب أنّ 100 ضابط على الأقل في منظمة غيلين كانوا من ضباط الشرطة الأمنية والغيستابو (البوليس السري النازي) السابقين.

عانى الجيش الأمريكي من أجل السيطرة على منظمة غيلين، بالتزامن مع استمرار رجال غيلين في متابعة أجنداتهم الخاصة بعيداً عن جمع المعلومات عن السوفييت، مثل: مساعدة مجرمي الحرب النازيين الآخرين على الفرار من أوروبا عبر شبكة هروب سرية تضمنّت معسكرات عبور وموانئ مزيفة وفّرتها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية.

وبذلك ساعد المشروع الجانبي المُموّل من قِبَل المخابرات الأمريكية أكثر من 5 آلاف نازي على الفرار من أوروبا إلى أمريكا الجنوبية والوسطى.

إذ أشار بيتر سيشل، رئيس عمليات ألمانيا في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية: “لم نرغب في التعرّض لمنظمة غيلين. والأمر لا علاقة له بالأخلاقيات والمُثُل، بل يرجع بالكامل لأسبابٍ أمنية”.

وعلى الرغم من أنّ المخابرات الأمريكية لم تكُن تثق في غيلين، لكنّ رغبتهم في توجيه ضربة لموسكو تنامت مع الوقت، وهكذا استفاد غيلين من هذه النقطة. فقد أكّد لضباط الاستخبارات الأمريكية أنّه يستطيع النجاح في ما فشلوا هم فيه. وقد أوضح أحد عملاء الوكالة: “بالنظر إلى صعوبة الأمر بالنسبة لنا، بدا أنّه من الحماقة ألا نُحاول مع منظمة غيلين”.

طيلة ثماني سنوات، جمع غيلين بعض المعلومات الاستخباراتية الموثوقة من مخبريه السريين في زمن الحرب داخل أوروبا الشرقية (التابعة للسوفييت). كما حظي ببعض النجاحات في التسلّل إلى ألمانيا الشرقية وجمع المعلومات القيّمة حول الوحدات العسكرية السوفييتية لصالح الأمريكيين.

ولكن إجمالاً، اضطرت منظمة غيلين في كثيرٍ من الأحيان إلى اللجوء لبعض الخيال من أجل الحفاظ على رضا المخابرات الأمريكية عن عملهم. إذ اختلقوا قصصاً جامحة مبنية على “اعترافات” أسرى الحرب العائدين من الاتحاد السوفييتي، ورووا قصصاً عن تقنيات عسكرية متقدّمة وبرنامج نووي يسبق الغرب بكثير.

وفي مواجهة هذا الشَّبح المتمثّل في الاتحاد السوفييتي شديد القوة، شعر عملاء الاستخبارات الأمريكية أنّهم لا يملكون خياراً سوى التمسّك بجواسيسهم الألمان، رغم كل تحفظاتهم على الرجال النازيين الذين يملأون صفوف المنظمة.

تأسيس النسخة الألمانية من وكالة المخابرات الأمريكية

بعد 10 سنوات من تأسيسها، أصبحت منظمة غيلين شرعية تماماً، فقد أصبحت عام 1956 هي نفسها دائرة الاستخبارات الاتحادية الألمانية في ألمانيا الغربية بعد انضمامها إلى حلف الناتو، التي كانت ولا تزال المقابل الألماني لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA)، لكنّ تلك الشرعية لم تدُم طويلاً.

فبحلول عام 1968، انكشف العديد من الجواسيس السوفييت داخل المجموعة، وزُعِمَ أنّ العديد منهم قد عملوا مع غيلين منذ عقود. لدرجة أنّ قائمة الجواسيس السوفيتيين قد ضمّت هاينز فيلفي، وهو نائب غيلين القديم. وأسفر الاكتشاف الصادم عن إقالة غيلين شخصياً من قيادة دائرة الاستخبارات الألمانية.

وبينما سُجِنَ النازيون السابقون الآخرون وخضعوا للمحاكمة على جرائمهم، نجح راينهارد غيلين في تجنّب القبض عليه أو محاكمته. ورغم شهرته الكبيرة وسط الدوائر الاستخباراتية، لكن غيلين تمكّن من التخفّي عن الأنظار ومات في هدوء عام 1979، أي بعد إقالته من قيادة المخابرات الألمانية بـ11 عاماً.

وحتى نهاية حياته، تمتع غيلين بحماية القادة الألمان والأمريكيين معاً؛ إذ كانوا مستعدين لتجاوز ماضيه النازي من أجل الاستفادة من مهاراته. وعلى حد تعبير صحيفة دير شبيغل الألمانية، بعد عقودٍ من وفاة غيلين: “لو كان هناك جهلٌ بأمره، فهذا فقط لأنّ أحداً لم يرغب في معرفته”.

عربي بوست

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى