كتاب وآراء

الموسيقى في الفلسفة اليونانية أفلاطون: الموسيقى والشخصية الأخلاقية

الكاتب: المصطفى عبدون

يعتبر زكي نجيب محمود وأحمد أمين (قصة الفلسفة اليونانية)، أن كتاب الجمهورية أهم ما سطر أفلاطون من كتب، فهو بحث شامل لفروع متشعبة من آرائه، كأنما أراد به أن يكون ملخصًا موجزًا لفلسفته جميعًا، ففيه مذهبه فيما وراء الطبيعة، وفي السياسة، وفي الدين، وفي الأخلاق، وفي علم النفس، وفي التربية، وفي الفن. وقد بسط فيه من موضوعات البحث ما يبدو لقارئ هذا العصر أنه جديد. يعتمد الفن عند أفلاطون على المحاكاة حيث ميز بين نوعين: محاكاة مصحوبة بمعرفة للحقيقة، ومحاكاة خالية من المعرفة وهي محاكاة الظن. ويرى أن النمط الأول من المحاكاة يتميز بالصدق ويلتزم بالحق، أما النمط الثاني فهو يعتمد الوهم والخداع.

اعتبر أفلاطون أن الشعر الدرامي إثارة حسية، تحاكي الحقيقة بالتخييلات الكاذبة، فالشعراء التراجيديون لا يستحقون أن يدخلوا مدينته الفاضلة القائمة على العدل لأنهم، في نظره، يخلقون وهما ويجملونه ليخدعوا به الناس. يقول: “لن نقبل بأي حال من الأحوال، هذا النوع من الشعر، الذي يتلخص في المحاكاة، فهذه ضرورة قد حتمتها دراستنا للنفس وقواها… إذ يبدو لي أن كل هذه المؤلفات تفسد نفوس هؤلاء الذين يستمعون إليها”. ولئن كان أفلاطون قد رفض الشعر الدرامي، فإنه استثنى الشعر الغنائي والملحمي والتعليمي، لأنه ليس محاكاة في نظره: “وإنما توجد المحاكاة حين لا يكون تعبير الشاعر صادراً عن الحقيقة الثابتة، التي تضمنت قيم الحق والخير”. لأن كلاً من الشعر الغنائي والملحمي صادر عن الحقيقة ونتيجة لإلهام ربات الفنون. لذا فهما تعبير صادق عن قيم الحق والخير والجمال، حين يتخذان موضوعاتهما “من مدح الآلهة والأبطال، والتغني بصور المجد والبطولة والإرشاد إلى المثل العليا”، حسب أميرة حلمي مطر (فلسفة الجمال: أعلامها ومذاهبها).

لقد كان أفلاطون أشهر فيلسوف غربي يرى أن الموسيقى، بمعناها الكلاسيكي والحديث، ينبغي أن تستخدم من أجل تحقيق الأخلاق الصالحة. يرى جوليوس يورتنوى في كتابه «الفيلسوف وفن الموسيقى»، أن أفلاطون تمسك بالرأي القائل أن الموسيقى ينبغي أن تكون وسيلة من وسائل دعم الفضيلة والأخلاق. كان أفلاطون يرى أن الموسيقى أرفع من الفنون الأخرى على أساس أن تأثير اللحن والإيقاع في الروح الباطنية للإنسان وفي حياته الانفعالية أقوى من تأثير العمارة أو التصوير أو النحت. وهكذا فإن الطفل الذي يستمع إلى المقامات الموسيقية المناسبة تنمو لديه، دون أن يشعر، عادات وقدرات مرهفة تتيح له تمييزا للخير من الشر. فهو يرى أن الفن يجب أن يكون خاضعًا للأخلاق والفلسفة. فالشعر لا يُسمح منه إلا بما يعين على الفضيلة، فيجب أن يُلْجَم بالأخلاق. لذلك فقد احتاط فيلسوفنا بمجموعةٍ من الشُّروط والقواعد والمحظورات لدرء خطر التَّأثير السَّلبي في جمهور المتلقِّين.

ينقسم المنهج التَّربوي الأفلاطوني إلى مرحلتين أساسيتين، لكلِّ مرحلةٍ خصائصها وأدواتها، فتتمُّ التَّربية في المرحلة الأولى عن طريق الفنِّ الذي يتشعب بدوره إلى قسمين: أوَّلهما المنهج الموسيقي، وثانيهما منهج التَّربية الرِّياضيَّة، «الحماسة للجسد والموسيقى للعقل». أمَّا المرحلة الثَّانية فقوامها التَّربية عن طريق العلوم، فتُترك الموسيقى ولا تُدرَّس، وهي بدورها أيضاً تنقسم إلى قسمين؛ أولهما منهج الرياضيات والعلوم الطَّبيعيَّة، وثانيهما منهج المنطق والفلسفة. للموسيقى والتربية البدنية دور حيوي في خطة التعليم عند أفلاطون فقد آثر أفلاطون الابتداء بالتَّهذيب الموسيقي على الابتداء بالحماسة، لأن الجسم لا يهذب الروح، وإنما الروح هي التي تشكل الجسم. فالرياضة البدنيَّة “وحدها تُربي في الطفل جانبًا واحدًا، ونحن إنما نريد أن نكوِّن من الطفل رجلًا متزن الجوانب، لا تطغى فيه ناحية على ناحية أخرى، ولسنا نريد بالأمة أن يكون أفرادها رَبَّاعِين وحملة أثقال، بل نقصد كذلك إلى تهذيب الخلق وتنمية المعرفة. ارتأى أفلاطون أن تُضاف الموسيقى إلى التربية البدنية في هذه الفترة الأولى، فهي وحدها كافية لاتِّساق النفس وتوازُن أجزائها، والموسيقى كفيلة أن تعلم العدل؛ لأنها تُدرِّب النفس على التوافق النغمي ولا يسع ذا المزاج المتناغم إلا أن يكون عادلًا.

بالنسبة لأفلاطون، مجرد الرياضة البدنية والتدريب العسكري لا يكفي، إذ يجعل الشخص متطرفا في الخشونة، فالسبيل إلى إيجاد طبيعة لطيفة وشجاعة في وقت واحد هو “قوة التدريب الموسيقي والسبب هو أن التناغم والانسجام الموسيقي يجدان طريقهما إلى خفايا الروح، ويحملان الجمال والجلال والحسن والكياسة في حركيتهما ويجعلان الروح رشيقة ولطيفة وظريفة. إن الموسيقى تحلي الخلق وتشترك في تقرير القضايا الاجتماعية والسياسية، وهو أنه عندما تتغير أساليب الموسيقى تتغير معها قوانين الدولة الأساسية.

إذ لا يفوته أن يذكر بضرر الإفراط في تعليم الموسيقى، فكما أن الإسراف في التربية البدنية ينتج لنا أجسامًا قوية لا أكثر، هي أقرب إلى الحالة الوحشية منها إلى حالة المجتمع الراقي، كذلك المبالغة في تعليم الموسيقى قد تذيب النفس وتذهب في ترقيقها إلى حد لا تقوى معه على الثبات في معترك الحياة، فينبغي أن نقف بالطفل موقفًا وسطًا، ونجعل دراسته مزيجًا من الطرفَيْن، ويظل كذلك بين الموسيقى والألعاب الرياضية حتى يبلغ من عمره السادسة عشرة. وفقا لزكي نجيب محمود وأحمد أمين (قصة الفلسفة اليونانية) «الموسيقى دون الرياضة البدنية تبعث التخنث في نفس متذوق الفن، لذلك فإن المزج بين الموسيقى والرياضة البدنية باعتدال يؤدي إلى تكوين شاب أثيني متزن متناسق الطباع”.

ضمن ثالث كتاب من الجمهورية، اهتم أفلاطون بالتأثيرات الأخلاقية للموسيقى بطريقة مشابهة حيث وضع أساسا أخلاقيا للمقامات اليونانية، فدعا استبعاد المقامين الأيوني والليدي من الدولة لأن فيهما ميوعة وتخننثا يبعث الانحلال في الأخلاق واستبقاء الدوري والفريجي اللذان يتميزان بروح عسكرية. كما حلل أفلاطون الفن الموسيقي إلى ثلاثة عناصر هي الكلام والإيقاع واللحن، وبجب أن يتوافق الكلام مع اللحن والإيقاع. وأما من حيث المضمون يجب أن تخلو الموسيقى من الحزن والشكوى والأنغام الباعثة عن الكسل والاسترخاء ويجب أن تصدر الموسيقى عن نفس خيرة وجميلة تنمي في الإنسان حب الجمال والخير.

كي يتسنَّى لأفراد الجمهوريَّة أن ينشؤوا نشأة قويمةً، بعيدةً عن الزَّلل والفساد، فقد آثر أفلاطون أن يكون الفنانون الذين يعيشون في جمهوريَّته ويمارسون نشاطاتهم الإبداعيَّة فيها من أهل الثِّقة، الذين يمكن أن يعوَّل عليهم في كشف مواطن الجودة والجمال، فأعلن قائلاً: “يجب علينا أن نستدعي فنيين من طراز آخر، فيتمكَّنون بقوَّة عبقريتهم من اكتشاف آثار الجودة والجمال، فينشأ شبابنا بينهم في موقع صحِّيٍّ، يشرَّبون الصَّلاح من كلِّ مربعٍ تنبعث فيه آي الفنون، فتؤثِّر في بصرهم وسمعهم كنسماتٍ هابَّةٍ من مناطق صحيَّةٍ، فتحملهم منذ حداثتهم، من دون أن يشعروا، على محبَّة جمال العقل الحقيقيِّ والتَّمثُّل به ومطاوعة أحكامه.

وقد قيل، جريًا على رأي أفلاطون، إنه إذا تغيرت طرائق الموسيقى عند قوم تغيرت قوانينهم تبعًا لها، “فلهذا أفرد لتهذيب الموسيقى شأناً خارقاً، فإنَّ الإيقاع واللحن يستقرَّان في أعماق النَّفس ويتأصَّلان فيها، فيبعثان فيها ما صحباه من الجمال، فيجعلان الإنسان حلو الشَّمائل إذا حسنت ثقافته، وإلا كان الحال بالعكس… ومن حسنت ثقافته الموسيقيَّة فله نظر ثاقبٌ في تبيُّن هفوات الفنِّ وفساد الطَّبيعة، فيفنِّدها ويمقتها مقتاً شديداً، ويهوى الموضوعات الجميلة، ويفتح لها أبواب قلبه، فيتغذى بها، فينشأ شريفاً صالحاً”. ولا يقف تأثير الموسيقى والفنون عند هذا الحدِّ وحسب، بل إنَّ في مكنتها أن تليِّن قسوة الإنسان، وأن تحدَّ من سطوة غضبه، ونزق انفعالاته، “فحين يسلِّم الإنسان نفسه للموسيقى، ويقبل عن طريق الأذن أن تفيض على نفسه سيول الأنغام الشَّجيَّة البديعة… مرنِّماً هائماً بالألحان، فمهما يكن في إنسانٍ كهذا من النَّزق الشَّديد القسوة كالفولاذ فإِنَّهُ يلين ويصير حرًّا بدل كونه قصماً غير نافعٍ، وإذا ثابر على ذلك منذ طفولته من دون فتور، وسرَّ به نفسه، أذاب فعل الموسيقى ما فيه من نَزَقٍ وَغَضَبٍ، وحلَّلها تحليلاً ولطَّف أخلاقه تلطيفاً تامًّا، فيستأصل من أعماق نفسه جذور طَبْعٍ غَضُوْبٍ، ويجعله محارباً دمثاً.”

يبدو أن الشعر يحتل مكان الصدارة في فلسفة أفلاطون، على شرط أن يجتمع فيه حسن الصياغة الفنية مع الإلهام السامي. والفلسفة تقدم في هذا المقام للشعر أوفر المنابع وأكثرها خصوبة. اعتبر جوليوس يورتنوى في كتابه «الفيلسوف وفن الموسيقى» أن “لفظ الموسيقى كان يدل على الشعر واللحن معا، وكان أفلاطون يرى أحدهما أهم من الآخر، فذهب إلى أنه لما كانت اللغة وعي التعبير المباشر عن العقل، فلابد أن يكون للكلمة أو البيت الشعري مكانة أرفع من اللحن، ذلك لأن البيت الشعري نتاج العقل، أما اللحن فيؤدي إلى لذة الحواس، ومن هنا كانت له مكانة أدنى” وقد احتفظ أفلاطون بالرأي اليوناني التقليدي القائل بعدم وجوب الفصل بين اللحن والكلمات، إذ أن الشاعر والموسيقي كانا واحدا يؤلف أنشودته ويعزفها بوصفها أسطورة أو رواية شعرية ذات إيقاع موسيقي. يتحدث أفلاطون في كتاب الجمهورية عن “الموسيقي سواء الآلية أو الصوتية أو الراقص (إذ يُعَد الرقص أحد أنواع الموسيقى عند أفلاطون) حيث يرى أن لها دور أساسي ومهم في الدولة فهي “حارسة المدينة وحصنها” على شرط أن تهذب الأخلاق وسبيل ذلك أن تخضع للبساطة المطلقة وأن ينقى الإيقاع إلى حد أبعد، وذلك على نحو يجعل الموسيقى معتمدة كل الاعتماد على السياسة والأخلاق” وفقا لعبد جاسم، الجامعة المستنصرية، مجلة الفلسفة العدد السادس عشر، كانون الأول 2017.

يبدو أنَّ الوظيفة الأساسيَّة التي يريدها أفلاطون للفنِّ هي التَّربيّة، هذه الوظيفة التَّربويَّة ناشئةٌ من قدرة الفنِّ على تليين القلوب وتهذيب الانفعالات، فالموسيقى وما يشبهها من مواد الدراسة كالشعر تكسب النفس والجسم صحة وانسجامًا، فهي تهذب الخلق؛ ولذا كانت عميقة الأثر في توجيه السلوك الذي هو أساس الحياة الاجتماعية، ينبغي أن تصدر الموسيقى عن نفس خيرة وجميلة خالية من حيث مضمونها من الحزن والشكوى والأنغام الباعثة عن الكسل والاسترخاء، وظيفتها وباختصار هي أن تنمي في الإنسان حب الجمال والخير.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى