الرئيسيةكتاب وآراء

عن بيان هيئة العلماء

إدريس الكنبوري

أصدرت هيئة كبار العلماء السعودية بيانا اعتبرت فيه جماعة الإخوان المسلمين جماعة إرهابية “لا تمثل منهج الإسلام وإنما غايتها الوصول إلى الحكم”، وأنها جماعة منحرفة “قائمة على منازعة ولاة الأمر والخروج على الحكام، وإثارة الفتن في الدول، وزعزعة التعايش في الوطن الواحد، ووصف المجتمعات الإسلامية بالجاهلية”، وأنها منذ تأسيسها “لم يظهر منها عناية بالعقيدة الإسلامية، ولا بعلوم الكتاب والسنة، وإنما غايتها الوصول إلى الحكم”.

ولدى قراءة البيان لم أجد فيه شيئا جديدا، لأن تلك المواقف كانت دائما هي نفسها مواقف التيار السلفي الوهابي من الجماعة في العقود الماضية، والمتعلقة بالخروج على الحكام والرغبة في الوصول إلى الحكم والبناء التنظيمي بالنسبة لتيار يرى أنه لا يجوز إنشاء التنظيمات والأحزاب…إلخ.

لكن الجديد هذه المرة هو التوقيت، وأنا أعتقد أن تزامن صدور البيان مع الانتخابات الأمريكية وظهور الفوز النهائي لجو بايدن وسقوط ترامب يدل على المراهنة على الإدارة الأمريكية الجديدة وتوجيه رسالة حول طبيعة العلاقة المطلوبة بينها وبين الرياض في المرحلة المقبلة. لكن الجانب السياسي في البيان لا يهمني والهيئة تعرف المساحة التي تتحرك فيها وتعرف مصالح بلدها، إنما يهمني منه الشق الديني كباحث، وتعليقي يقف في هذه الحدود.

شخصيا أعتبر أن البيان خطوة خاطئة في الاتجاه الخطأ وفي التوقيت الغلط. البيان بوضعه لجماعة الإخوان ضمن التنظيمات الإرهابية يقضي نهائيا على تلك الفواصل التي تفصل بين الفكر الإخواني والفكر السلفي الجهادي، ويجمع الإثنين معا في بوتقة واحدة، وهذه جمرة نار حارقة، أصحابها يفتقرون إلى الفقه السياسي. طيلة العقود الماضية كانت هناك حروب بين التيارين الجهادي والإخواني، وتصفية حسابات، بل اتهام للجماعة بالكفر من لدن الجماعات السلفية الجهادية، وحصلت مواجهات عسكرية بين الطرفين في مواقع، بينها ما حصل بين حركة حماس في فلسطين والتيار السلفي الجهادي قبل ثلاث سنوات في قطاع غزة في ما عرف بأحداث مسجد ابن تيمية، ولأيمن الظواهري زعيم تنظيم القاعدة كتاب ضخم في مناقضة وتجهيل وتكفير الإخوان، وأعتقد أنه الآن يشعر بالسعادة ويوزع الحلوى على مقاتليه.

ولذلك ليس مجازفة القول بأن بيان هيئة العلماء يدفع الهيئة بطريق غير مباشر نحو التحالف الإيديولوجي التكتيكي مع التيار الجهادي المتطرف. وفي جميع الحالات هناك نتيجتان حتميتان للبيان: النتيجة الأولى هي أن التيار الجهادي سوف يجد أنه أصبح الجهة الوحيدة التي تحتكر الخطاب الديني الاحتجاجي في العالم العربي، ما سيفتح أمامه أبواب الاستقطاب ويوسع دائرة “الشرعية”. والنتيجة الثانية هي أنه سيستفيد من التسرب الذي سوف يحصل داخل الجماعات التابعة للتيار الإخواني للأفراد الذين سيختارون التطرف والعمل السري.

وقد ذكر البيان شيئا مهما، حين قال إن الجماعات التكفيرية خرجت من أحشاء الإخوان المسلمين. وهذا كلام صحيح في حالات محددة، ولكن موقعي البيان لم يأخذوا بعين الاعتبار خطورة خروج جماعات تكفيرية أخرى من داخل الإخوان بعد اتهامها بالإرهاب، لأن البيان سوف يدفع الجماعة نحو المزيد من التشدد.

إنما لا يجب أن ننسى بأن التطرف والعنف والإرهاب لم يخرج من رحم الإخوان فحسب، بل خرج من رحم التيار الوهابي أيضا، وبأن القراءة التاريخية الحق تقول بأن جماعة الإخوان المسلمين فيها بعض من النزوع الوهابي.

التيار السلفي الوهابي كان دائما ما يؤاخذ التيار الإخواني على تساهله واعتداله المفرط، أي عدم تشدده من الناحية العقدية، ومن ذلك عدم تكفيره للناس وقوله بالجماعة القومية والتعددية الحزبية، وتعامله مع الغرب، وقوله بالديمقراطية… إلخ، فكيف تحولت تلك النقاط إلى نقاط ضعف؟

المرحلة الحالية التي نعيشها في العالم العربي مرحلة حرجة جدا، ولكن بقدر ما هي حرجة بقدر ما هي مرشحة لتأخذ انعطافات غير متوقعة وغير محسوبة، وبقدر ما هي أيضا مرحلة انتقالية وعابرة. ولا يمكن اتخاذ موقف حاسم ونهائي وبات في ظرفية انتقالية مفتوحة على احتمالات عدة. نسأل الله أن يحفظ بلدنا وبلدان المسلمين من كل سوء.
الدكتور إدريس الكنبوري

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى