الرئيسيةكتاب وآراء

كيف تكون مثقفاً في خمسة أيام دون معلم؟

إسماعيل العماري
مكره أنا -أيها القارئ- أن أضع بين عينيك هذه العبارة التي قالها الكاتب الإيطالي أمبيرتو إيكو: “إن أدوات مثل تويتر وفيسبوك، منحت حق الكلام لفيالق من الحمقى ممن كانوا يتكلمون في الحانات فقط بعد كأس من النبيذ دون أن يتسببوا بأي ضرر للمجتمع وكان يتم إسكاتهم فورا؛ أما الآن فلهم الحق بالكلام مثلهم مثل من يحمل جائزة نوبل ؛ إنه غزو البلهاء”.
أخصص هذه المقالة لأقدم وصفة سحرية للقراء كي يصبحوا مثقفين في عالم جديد لا يقبل بغير ذلك، بدونها، ستنغمسون في غياهب التخلف والجهل..إذا أردت أن تكون مثقفا فعليك بحفظ بعض الاقتباسات. لا عليك، فلا أحد سيعرف هل قرأت الكتاب الذي اقتبست منه أم لا. حاول فقط اختيار أشهر مقولات الكتاب والفلاسفة والشعراء، بعدها أهديك تقنية حديثة تمكنك من ادعاء الثقافة وتظهر مثقفا أكثر من الآخرين. اختر أي مقولة وضع أسفلها اسم كاتب مرموق، أفضل أن تختار الكاتب الروسي “فيودور دوستويفسكي”، صدقني، لا أحد سيكلف نفسه عناء البحث عن مدى صحتها أو خطئها.

كي تكون مثقفا، كل ما عليك فعله هو أن تتقاسم عناوين وصور الكتب مع رواد الفضاء الافتراضي. فحتى إن لم تقرأها لا مشكلة، المهم هو أن تظهر في عباءة مثقف عظيم.

إذا لم يكن لك الوقت الكافي للقيام بكل هذا، فما عليك سوى أن تنقر اسم كتاب على لوحة مفاتيح حاسوبك، ليمدك محرك البحث بكل ما اشتهيت من معلومات حول الكتاب ومختصرات عن مضمونه، وها أنت قرأت الكتاب دون أدنى جهد ممكن.

عليك أن تعزف على الوتر العاطفي الحساس للغالبية العظمى من الناس، مدعيا أنكَ ضد أولئك (….) وأن تجر معك ألاف المتابعين أو المريدين ظانين أنك نموذجهم، ومع مرور الوقت ستغدو مخلصهم.

كن واثقا أن التعليقات التي ستحصل عليها والتقاسم على شبكات التواصل الاجتماعي الذي ستحظى به فكرتك، تدل على أنك بلغت رتبة المثقفين الكبار، ولا غرابة أن تحصل على جائزة نوبل ذات يوم، كن واثقا من ذلك، وإياكَ أن يساورك الشك.

سأضع بين يديك كما من الكلمات التي يتوجب عليك توظيفها في حديثك مع أصدقاء العالم الافتراضي؛ تسمح لك بان تكون مثقفا مختلفا على الناس؛ فبدل علم الاجتماع قل السوسيولوجيا، وعوض المعرفة قل الابستمولوجيا..

إن من سمات المثقف الغموض، وضم كلامك جملا ومعاني غامضة غير قابلة للفهم والاستيعاب من طرف القراء، ابتعد عن البساطة ما أمكن. فالمثقفون غامضون. حاول أن تسير ضد التيار في اختيارات الناس من أفلام وكتب، لزاما عليكَ أن تنتقدها، وإن كنت متفقا معها فقد خرجت عن ملة المثقفين.آخر الوصايا لكي تضفي على ثقافتك مصداقية أكبر، ما عليكَ سوى أن يتخلل كلامك القليل من المفردات الأجنبية.

اسمحوا لي رجاء، إن الوصايا التي قدمت أعلاه مغرضة ولا تصنع مثقفا حقيقيا. المثقف يا سادة، ليس الحافظ لأبيات الشعر أو الاقتباسات، لأن الثقافة الحقة ليستَ بهذه البساطة التي نستهلكها بها ونتخيلها. إننا في زمن كثر فيه المثقفون الذين “قطر السقف بهم”.

إن المعرفة لا تختصر في فيديوهات تجارية تلهث وراء المشاهدات، فالمعرفة تتأسس على التراكم، ما دون ذلكَ تأسيس لجهل طافح، لا ينفذ إلى عمق الأشياء بل يقتنع بسطحيتها.

إن المعرفة لا تسكن في ويكبيديا أو محركات البحث، الثقافة هي البحث في أمهات الكتب أو مصادر المعلومة الموثوقة، غير ذلك، فأنت مثقف من القش.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى