الرئيسيةالفن والثقافة

الملف الثقافي: “صعلوك فاس” / التعليم وحقوق الإنسان

نور الدين عبد القادري

تضرب جريدة “الأهم24″، الإلكترونية، موعدا أسبوعيا مع قراءها، لتسليط الضوء على القضايا الثقافية والتربوية التي تشغل الرأي العام. في هذا الأسبوع إخترنا لكم موضوع “التعليم بالمغرب وحقوق الإنسان”، وكذا قراءة في رواية “اللصيلصون في قصر المتعة”، للروائي عادل أوتنيل.

الرهانات والتحديات

 

راهن المنتظم الدولي على الأقل منذ 1968 على التعليم لاشاعة ثقافة حقوق الإنسان. و توالت المحطات و النشرات و الاتفاقيات ببعديها الدولي و الوطني تؤكد جميعها على دور المدرسة في النهوض بثقافة حقوق الإنسان. و طبعا لم يكن المغرب بمنأى عن هذا التوجه الأممي. بل كان سابقا على المستوى العربي و الأفريقي، لتبني حقوق الإنسان و التنصيص عليها رسميا في أكثر من مناسبة و حاول تكييف برامجه التعليمية منذ 2003 لاستيعاب المتغيرات و تبييئها على ما يزيدون العقدين من الزمن وصولا إلى اتفاقية الشراكة الخاصة بمشروع ” تنمية مدرسة حقوق الإنسان 2019 ء 2021 الموقعة بين وزارة الدولة المكلفة بحقوق الإنسان و العلاقات مع البرلمان ووزارة التربية الوطنية و التكوين المهني و التعليم العالي والبحث العلمي و منتدى المواطنة بالرباط في 8 ماي 2020 و التي قيل عنها أنها ترمي ” إلى تعبئة و تأهيل مختلف مكونات الحياة المدرسية و شركائها التربويين و الثقافيين و الاجتماعيين و الإعلاميين للتعاون و الشراكة بغية إعمال مبادئ و آليات حقوق الإنسان في برامج المنظومة التربوية و العلاقات المدرسية و ترسيخ قيمها و سلوكاتها لدى الأطفال و اليافعين و الشباب و كذا تقوية و تطوير قدرات و أدوار المدرسة المغربية للنهوض بثقافة حقوق الإنسان .!! و هي اتفاقية لها ما قبلها … ؟
ما يقضي بضرورة التقييم و التشخيص الكفيلين بإنجاح الرهان و رفع التحديات ،الإجراء الذي حسب علمنا لم يتم . و لم تكلف أية جهة نفسها على الأقل عناء طرح السؤال بخصوص المنجز و غير المنجز لفائدة حقوق الإنسان من داخل المؤسسة التعليمية على الرغم من تكييف البرامج و تأسيس الأندية الحقوقية و توقيع اتفاقيات شراكة .

في معرض الإجابة و كمحاولة للتقييم لا بد من استحضار السياق العام ببعديه السياسي و الاجتماعي على الأقل منذ 1999 سنة تنزيل الميثاق الوطني للتربية والتكوين الذي نص صراحة على تكريس حقوق الإنسان .لكن لما كانت المؤسسة التعليمية ولازالت هي تلك الأداة الفعالةلإديلوجية السياسي ورهاناته على السلطة وإدارة الشؤون العامة للدولة في هذه الحالة لاينبغي فهم وظائف المؤسسة بمعزل عن محيطها السياسي. في هذا الإطار يلزم استحضار تجربة الانتقال الديمقراطي ببلادنا والنقاش الحقوقي الذي ساهمت فيه هيئة الإنصاف والمصالحة ابتداء من تاريخ 7 يناير 2004 لنتبين إلى أي حد كان الخطاب السياسي جادا في كسب الرهان الحقوقي ليس وطنيا فحسب وإنما على الصعيد الدولي خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 التي كرست مقولة الإرهاب في جل الخطابات السياسية وحملت الدول على سن قوانين جديدة مرورا بما سمي زورا بالربيع العربي وصولا إلى الحراكات الشعبية.

فكيف بمقدور المؤسسة بناء القيم؟ 

الإجابة عن السؤال تقتضي استحضار اشكالين أساسيين، يتعلق الأول بمدى القدرة على ترجمة هذه القيم إلى ممارسة بمعنى تحويل المحتوى النظري إلى سلوك يومي يتجسد افقيا في علاقة الفاعلين فيما بينهم داخل الحقل التعليمي وعموديا في علاقة الفاعلين بالأجهزة الرسمية ذات الصلة بالقطاع. لنأخذ على سبيل المثال قيمة الحرية، فهل يشعر المتعلم بأنه حر داخل المؤسسة وداخل الفصل؟وداخل الأسرة وفي المجتمع؟ حتى ننتظر منه امتلاك معرفة بشأنها وممارستها آخر المطاف.
نسوق هذا المثال لأن مستوى المشاركة داخل الفصل وداخل المؤسسة تراجع بشكل ملحوظ وهذا يترجم حالة من عدم الرضى الذي قد ينتهي بالاقصاء آخر مطاف.

أما الأشكال الثاني فهو ذو طبيعة بيداغوجية يتعلق بالطريقة الكفيلة بتقويم هذه القيم في حد ذاتها حتى يتم تعهدها ودعمها داخل الفصل ووسط فضاء المؤسسة التي يقضي فيها المتعلم أهم مراحل حياته إلى أن يتخرج بمجموعة من المعارف يلزمها نوع من التأطير القيمي للاستفادة منها علائقيا وتفاعليا في المحيط الاجتماعي الذي ينتمي إليه هؤلاء المتعلمين.

غياب المشاركة بداية الإقصاء وإحساس بالدونية. وكل تغاض عنها هو تكريس للعبودية الحديثة وتغذية مسبباتها من بؤس وإحساس بالخوف وحرمان في نهاية المطاف. وهذه مسؤولية مشتركة لا ينبغي القاؤها على المؤسسة التعليمية لوحدها. فالقيم هي قناعات مشتركة ومثل عليا يتم تبنيها بشكل جماعي وبإرادة حرة ترقى إلى مستوى الإيديولوجية العامة التي تتبناها الدولة ومنها تتحدد الغايات الكبرى الموجهة للسياسة التعليمية.

نقف هنا عند قيمة المواطنة على سبيل المثال لأنها أصبحت رهان المرحلة وضمنتها الوزارة الوصية شعار الموسم الجاري 2020/2021 “من أجل مدرسة متجددة ومنصفة ومواطنة ودامجة”اخترنا هذه القيمة لاختزالها ثنائية الحق والواجب الذي لا يختلف بشأنهما إثنان وليست هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها الحديث عن المواطنة فقط لكي لا يتعثر الرهان مرة أخرى ولا تبقى الشعارات مجرد صيحة في واد يجب تسييد واحترام القانون لبناء دولة الحداثة التي من دونها لا نتحدث عن حقوق الإنسان حينها يصبح الاحتكام إلى قوة القانون لا إلى قانون القوة.

في حضرة الصعلوك

إنه عادل أوتنيل قطعة انفرطت من عقد الصعاليك فكان طبيعيا أن يتأبط تمرد الشنفرى ويعانق شغب السليك كما لم يفارقه إباء عروة بن الورد. عاش معهم وتمثل حياتهم من خلال تيمة الإغتراب لديهم، التي اعتمدها موضوع رسالة دكتوراه حازها بجامعة فاس.
غير أنه بدل الشعر اختار أحراش الحكي استهوته مجاهل السرد فما اطمأن لمساقط التجنيس. لذالك زاوج في إبداعاته بين القصة والرواية .والواضح أن كنانته لازالت تحمل المزيد من أسهم المفاجآت.
هو الأبي العصي المتمرد الذي يرفض أن يكون مجرد رقم كما جاء على لسانه موجها كلامه لأحد أعوان السلطة:”إن كنت” مقدم” فأنا طالب باحث. أما البطاقة فلا أحملها لأني كالصقر الطليق أربأ أن تتحول كينونتي إلى مجرد رقم من الأرقام.” هديل الحجر الصفحة 11.

عرفته من خلال أولى أعماله “على عتبات الليل”وما الليل في مجموعته القصصية تلك سوى هذا الواقع العنيد الذي تستوقفك مداخله كما استوقفته رفضا لأي احتواء إلى أن تتبين المسافات بين السياسة والثقافة والإجتماع مع الاحتفاظ بهامش واسع للخصوصية كونه فردا وكونه من ذوي الاحتياجات الخاصة كما يحكي عن نفسه “منذ نعومة أظافره تغلغلت إعاقة شبه تامة في جسده “لكنها لم تحل دون تناطح ثيران الأفكار في رأسه لدرجة كان يود معها أن يلوي أعناق النجوم .
اشتملت المجموعة القصصية خمسة وعشرين نصا حكائيا. كلها تطفح قهرا ومعاناة مادية ونفسية. أما تجربته الإبداعية الثانية

جاءت عبارة عن رواية تحمل عنوان “اللصيلصون في قصر المتعة “ليعود إلى القصة مرة اخرى في تجربته الثالثة المعنونة ب”هديل الحجر”وضمنها عشر قصص تبدأ بالزعيم وتنتهي بمواويل الشفق.
من خلال تجاربه الإبداعية الثلاثة :”على عتبات الليل” “اللصيلصون في قصر المتعة ” “هديل الحجر” تستوقفنا ثلاث مميزات لا يمكن التغاضي عنها، الميزة الأولى تتعلق بجدلية التصور والرؤيا وترتبط الميزة الثانية بمستويات اللغة أما الميزة الثالثة فتبدو وطيدة الصلة بما ندعوه تعالق السرد.

على مستوى جدلية التصور والرؤيا.

تتأطر هذه الجدلية داخل ثنائية تجمع بين الصعلكة والماركسية. الصعلكة واضحة من خلال تبني نهج التمرد على كل النظم .أما الماركسية فتظهر في اختياراته الثورية ونقده الملموس للواقع الملموس. فهو باسم الجماهير يصرخ :”الشعب يريد إعدام الرئيس. يا جماهير ثوري ثوري،(ليقرا الزعيم )أبجدية سقوطه في ترانيم المطر. .. (و)الجماهير تنتعل الرياح وجراحها براعم حمراء “ص:39 هديل الحجر.

ويقول في قصة” المحتال ” على لسان الأم :”المال الحرام كماء البحر كلما ازددت شربا ازددت عطشا ولا تحسبن أن الأوضاع ستبقى مستفحلة هكذا كلا والف كلا فلا بد أن البركان سينشط يوما ليقذف حممه النارية فينجرف معها

ولما يريد التعبير فنيا يختار الضمير المناسب كما في تعبيره:”القرية تحت تراب الحسرات على رأسها ونبضاتها تتسارع حزنا وتوجسا. ..دراجات نارية تلتهم لحوم المسافات، شمس تكشر عن نيوبها فتنغرس سياطها في الأجساد. “هديل الحجر .
ما تجليات التصور والرؤيا وما مستويات اللغة وكيف يتعالق الحكي بالسرد في رواية اللصيلصون في قصر المتعة؟
إذا كانت القصة هي ذلك الشعور الخاطف فإن الرواية هي ذلك النفس الطويل الذي يتعقب نمو الشخصية وتطور الحدث عبر مسافات السرد الممكنة. تحكي الرواية عن مجموعة من الفتية، الرفاق، الصعاليك، يجتمعون ليلا بأحد القصور المهجورة ليتابع كل واحد منهم مساره إما في اللصوصية أو بيع الحشيش أو بيع جافيل كالطفل علي الزواق الذي اعتمده شخصية محورية وهو :”ذلك التلميذ الذي أبت الحياة إلا أن تتجهم في وجهه البريء وتعكر صفو حياته فتركله بقوة إلى ميدان العمل؟ مجبرة إياه على ترك مقعده الدراسي. “ليلتحق بمجموعة قصر المتعة ممن لفظتهم أسوار المدرسة هم أيضا وسدت في وجوههم سبل الحياة “كهشام أشرف” فعلى الرغم من حصوله على الإجازة إلا أن الزبونية والمحسوبية حالت دون التحاقه بسلك الوظيفة.
جماعة الفتية الرفاق الصعاليك تكرس قيم التضامن، ذلك أنهم يتقاسمون كل ليلة أشياءهم البسيطة ويتعاونون إذ كلما تعرض أحدهم لمشكلة وجد البقية في صفه. التضامن والتعاون فيما بينهم ومع الفقراء أيضا كما كان يفعل أجدادهم الصعاليك يقول في الصفحة 124:”وبمرور الأيام كتبت الصحف والمجلات عن ظاهرة غريبة محيرة لم تجد لها تفسيرا ألا وهي عمليات سرقات منظمة لمنازل الأثرياء المتخمين يعقبها تسلل فتية ملثمين تحت ستار الليل البهيم وتوزيع الأموال على الكداح البؤساء الذين يفترشون أديم الأرض ويلتحفون السماء. “فما تجليات التصور والرؤيا من خلال وقائع المتن الحكائي؟

وسبقت الإشارة إلى أن الرؤيا عند أوتنيل تؤطرها ثنائية الصعلكة والماركسية. فكان لهما في النص الروائي أكثر من تجل. التمرد والثورة على الذات على الأسرة على المجتمع وعلى السلطة الحاكمة.والملاحظ أن معظم تمظهرات التمرد تبررها خلفيات ثقافية أو سياسية هي حداثية وتقدمية تؤمن بالعدالة الاجتماعية لذلك لا تتردد في انتقاد الإمبريالية والرجعية وعلى ضوئهما تبرر حتى سلوكات الإنحراف.

يقول:”الإمبريالية أي الأمريكان والصهاينة ومن يدور في فلكهم يدركون جيدا أن الأنظمة الرجعية في المنطقة مجرد نمور من ورق سوف تتساقط يوما تباعا كأوراق الخريف لهذا عمدت إلى تدارك الأمر قبل فوات الأوان عقدت صفقة مع أحفاد الماعز.”ص:93 . في نفس السياق يقول على لسان جواد كروم :” كنت أشاهد التلفاز وراقني كثيرا سقوط الأنظمة العربية الرجعية تباعا. الحكام العرب السفلة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى