تدهورت العلاقات بين فرنسا ودول شمال افريقيا، التي تعتبر مستعمرات سابقة كانت تحت سيطرة هذا البلد الأوروبي. والتدهور هو مزدوج، حاصل مع الحكومات بسبب قضايا معينة مثل، التجسس في حالة المغرب، أو الهوية في حالة الجزائر، ثم مع الرأي العام بسبب قضية التأشيرات. وهذه المستجدات التي تتزامن مع عالم متعدد الأطراف آخذ في التبلور، يجر الى تساؤل كبير: ما هو مستقبل العلاقات الفرنسية – المغاربية؟
أقدم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على قرار مثير للغاية، خلال الأسبوع الماضي، وهو التقليل من نسبة التأشيرات، النصف للمغاربة والجزائريين والثلث للتونسيين، وبرر القرار بعدم تعاون حكومات هذه الدول في استقبال مواطنيها المقيمين بطريقة غير قانونية في فرنسا، الذين صدر في حقهم قرار الطرد. وتوجد تفسيرات أو بالأحرى تأويلات كثيرة لهذا القرار، وعلى رأسها «الهاجس الانتخابي» نظرا للأهمية التي أصبحت تحتلها الهجرة في الحياة السياسية الفرنسية، لاسيما بعدما تحولت إلى السلاح الرئيسي لحركات سياسية مثل اليمين القومي المتطرف بزعامة ماري لوبين، أو مثقفين شعبويين يتطلعون إلى الترشح للرئاسة مثل إريك زمور، لاكتساب تعاطف الناخب الفرنسي والفوز بصوته في صناديق الاقتراع.
قرار التأشيرات لن يمس الأغنياء ولن يؤثر على كبار السياسيين في شمال افريقيا، بل سيمس المواطنين العاديين، خاصة من الطبقة الوسطى. والقرار هو عنوان لعمق خبث السياسة الفرنسية، نعم خبث ولؤم قصر الإليزيه. وهذه المفردات في وصف هذا القرار ليس تهجما، بل تعكس الواقع نظرا للمعايير المزدوجة التي تستعملها فرنسا، فهذه الدولة الديمقراطية «الشفافة» وفق قوانينها، وتهدد باستعمال لسلاح التأشيرات لا تتردد في استقبال الأموال المهربة من شمال افريقيا. وكشف عدد من التقارير الدولية، ما يمتلكه ساسة من الجزائر والمغرب وتونس وليبيا كحسابات في البنوك الفرنسية، أو كعقارات في كبريات المدن مثل باريس ومرسيليا. وعليه، نوجه السؤال إلى الطبقة السياسية الفرنسية، وعلى رأسها ماكرون: لماذا يتابع القضاء الفرنسي الساسة الفرنسيين المتورطين في الاحتيال الضريبي، أو تلقي أموال غير قانونية، كما حدث الأسبوع الماضي نفسه، بالحكم بالسجن على الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي، وفي المقابل يتستر على المغاربيين ناهبي أموال شعوبهم التي يضعونها في البنوك الفرنسية؟
إن نهج فرنسا الاستمرار في التستر على السياسيين الفاسدين، ليس من المغرب العربي، بل من مجموع افريقيا والعالم العربي، هي استراتيجية لتحويل الفاسدين إلى عملاء مباشرين أو غير مباشرين لخدمة مصالحها في هذه الدول. وتنهج دول أوروبية أخرى الاستراتيجية نفسها. لقد تحول التستر الى سيف ديموقليس على رأس هؤلاء الفاسدين لكي لا يتخذوا قرارات ضد مصالح باريس.

حديث الرئيس ماكرون عن عدم وجود أمة في الجزائر، أطروحة استعمارية لتبرير الجرائم البشعة فيها وفي دول أخرى مثل المغرب

في ملف آخر، تعود فرنسا بين الحين والآخر إلى استعمال الخطاب التاريخي حول الهوية، وتأسيس الدول في مواجهة بعض مستعمراتها، كما حدث منذ أيام خلال استقبال ماكرون لمجموعة من الفرنسيين من أصل جزائري، حيث نفى وجود أمة جزائرية قبل الاستعمار. والمثير ما نشرته جريدة «لوموند» يوم 4 أكتوبر الجاري بتعمد ماكرون هذه التصريحات كرسالة إلى الجزائر، وبالتالي نحن أمام هدف سياسي مخطط له وليس فقط انطباعات جاءت خلال دردشة.
ولم يكن الاستعمار الفرنسي عسكريا فقط، بل كان فكريا أسس لأطروحات متعددة خاصة في مجال التاريخ، فمع بداية الاستعمار الفرنسي، انبرى مفكرون ومؤرخون يعتبرون الاستعمار الفرنسي حركة حضارية خاصة في شمال افريقيا. وجرى تأليف كتب عديدة تظهر فرنسا كاستمرار للمشروع الذي بدأته الإمبراطورية الرومانية ويفترض، وفق هذه الأطروحة، إيقاف الإسلام لهذا المشروع التنويري، مروجين لو كانت استمرت هيمنة الثقافة اللاتينية، لكان شمال افريقيا جزءاً من الغرب. وحديث الرئيس ماكرون عن عدم وجود أمة في الجزائر هو أطروحة استعمارية لتبرير الجرائم البشعة في هذا البلد وفي دول أخرى مثل المغرب، ولتبرير الحدود الجغرافية التي تركها الاستعمار. والمفارقة هو تبني الجزائر لجزء من هذه الأطروحة، في شقها المتعلق بالحدود الجغرافية، في مهاجمة المغرب.
ويتعرض المغرب بدوره لهذا «التأريخ الاستعماري» المتعسف الذي يؤدي وظيفة تبرير جريمة الاستعمار الغربي، أو لتبرير استمرار حالات استعمار في الوقت الراهن. فمن جهة، يركز التاريخ الفرنسي على ما يصفه بتحلل وتفكك الدولة المغربية، وطغيان «السيبة» (الفوضى المطلقة) ضد السلطة الحاكمة وقتها، العائلة العلوية لتبرير الاستعمار، مع استعمال مصطلح لين وهو «اتفاقية الحماية» سنة 1912، ولهذا يروج بعض المؤرخين، سواء الفرنسيين أو المغاربة لفرضية إعادة بناء زعيم الاستعمار الفرنسي في المغرب الماريشال ليوطي للنظام الملكي الحالي. ومن جهة أخرى، تروج إسبانيا في كتابة تاريخها على أن المغرب كدولة حديثة ظهر بعد حصوله على الاستقلال من فرنسا وإسبانيا سنة 1956، وبالتالي لا يحق له المطالبة باستعادة سبتة ومليلية. وتستفيد الدول الاستعمارية من استمرار هيمنة أطروحاتها الفكرية – التاريخية هذه لسببين، الأول ضعف التأريخ في مستعمراتها السابقة، حيث بالكاد هناك مبادرات جنينية، لكنها لا تلقى الاهتمام الكافي، بل أحيانا التبخيس لجرأتها في مساءلة الرواية الغربية. وثانيا، بسبب وجود طبقة من المؤرخين، إما يتعاملون بوطنية شوفينية مع تاريخ بلدهم، ما يفقدهم الموضوعية العلمية المتوخاة في مثل هذه الأعمال، ويسقطهم في البروباغاندا الرخيصة، أو وجود مؤرخين متأثرين بالمدرسة الغربية نظرا لدراستهم في جامعات هذه الدول الغربية، ويعملون على الترويج لهذه المفاهيم الاستعمارية معتقدين بأنهم حداثيون. ونجد العكس في بعض مناطق العالم مثل أمريكا اللاتينية، التي تعيد كتابة تاريخ منطقتها، وتساءل الاستعمار الأوروبي رغم أنه غادر من قرنين، ويكفي الاطلاع على مطالب فنزويلا، وحاليا المكسيك وبوليفيا تجاه القوى الاستعمارية السابقة إسبانيا والبرتغال.
هذه التطورات التي تحدث في العلاقات بين فرنسا وشمال افريقيا، وتتميز بتفاقم التوتر وارتفاع منسوب التدهور، تجر إلى سؤال عريض حول مستقبل العلاقات بين الطرفين، في وقت يتبلور فيه عالم جديد متعدد الأقطاب، وتبحث كل دولة عن شركاء جدد لها غير الشريك الكلاسيكي المتمثل في فرنسا.

الحسين مجدوبي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *